موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الأطروحة الجندرية ج4
قصور في الطرح أم جنوح إلى الإيديولوجيا

0 106

د. محمد التومي

لقد بدا واضحا أن الأطروحة الجندرية كما عرضنا لها في بعض جوانبها التحليلية تقع في فوهة بركان إيديولوجي تسعى فيه جاهدة عن طريق أنصاف مثقفين سعيا بالإقناع بإستراتيجية تقوم على توسيع دراسات الجندر  لتشمل مجمل قضايا المجتمع النسوي في علاقته بالذكورة عن طريق نسف مبادئ الاجتماع التي أسسها الواقع التاريخي والديني وانصهر فيها المجتمع باعتبارها محددات لهويته ومراجعه الثقافية، وقد سعى هؤلاء إلى إخراج الجندر من ثنائية الذكر/ الأنثى من منظور الجنس، أوفي ثنائية الرجل/ المرأة من منظور الجندر، أو النوع الاجتماعي كما في منظور آخر الهدف منها إحداث انقطاع جذري، وشمولي في مجموع المقاربة الجندرية ذاتها وسواء على صعيد الطرح أو صعيد المنهج المعتمد. ولذلك رأينا دراسات أكاديمية تدخل غمار هذا البحث من ذلك مقاربة الباحثة خلود السباعي في أطروحة الدكتوراه التي نشرتها في كتابها الموسوم بـ”الجسد الأنثوي وهوية الجندر” 2006 مطبقا على المجتمع المغربي القروي، ومن الكتب التي تحمل عناوين مثل مفهوم النوع والجنس والجسد والأنوثة والذكورة والعنف والهيمنة الذكورية والبطريركية والهوية الجندرية المعيارية أو النمطية المتعلقة بالعلاقة التقليدية بين الرجل والمرأة والهوية الجندرية غير المعيارية  (أو الهوية الجندرية على أساس “المثلية”)  وهي المتعلقة بالعلاقات غير النمطية والتي شرّعت لها دراسات الجندر وأوجدت لها حيّزا من الدرس ومحاولة الفهم والتفهّم بل والتنظير لها باعتبارها واقعا مجتمعيا. ومن هذه الأمثلة نذكر  من الأعمال المهمة نذكر أيضا “الجواري والغلمان في الثقافة الإسلامية: مقاربة جندرية”  للباحثة التونسية وفاء الدريسي، نشر سنة 2015 وقد نشرت فاطمة المرنيسي كتابها الموسوم بـ “الحريم” سنة 2001 وكذلك كتابها الثاني بعنوان “الحريم والغرب” Le Harem et l’Occident الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان “شهرزاد ترحل إلى الغرب” ونشر سنة 2002. نذكر أيضا كتاب “المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين”  للكاتبتين شيرين شكري وأميمة أبوبكر دار الفكر ، سنة 2002 ” وكذلك كتاب “بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث” للباحثة المثيرة للجدل رجاء بن سلامة نشر سنة 2000  نذكر أيضا كتاب “الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية” للباحثة آمال قرامي نشرته سنة 2007 وسعت فيه إلى رصد مظاهر الاختلاف حسب دورات الحياة من طفولة وشباب واكتهال وشيخوخة. مؤكّدة على دور الثقافة في بناء هوية الفرد الجندرية. ونذكر أيضا كتاب “الجندر: الأبعاد الاجتماعية والثقافية” للباحثة الأردنية عصمت محمد حوسو نشر سنة 2009 و”الجندر: ماذا تقولين؟ الشائع والواقع في أحوال النساء” للباحثة اللبنانية عزة شرارة بيضون وقد نشرته سنة 2012، و”جندرة النقد” من خلال “نوال السعدواي والنسويات” للباحثة اللبنانية إليزبات سوزان نشرته سنة 2012 و”نساء بابل: الجندر والتمثلات في بلاد ما بين النهرين” للباحثة العراقية زينب البحراني نشر سنة 2013. وليس غريبا أن يكون المفهوم موضع اختلاف، يبلغ حد الاعتراض، في أكثر من ثقافة من الثقافات  وسواء على مستوى تفكيك “المستويات الخطابية” للمفهوم وكشف مقولاته النظرية ومستنداته التصوّرية، وآفاقه المعرفية أو على مستوى نقله إلى اللغة العربية بـحمولتها الثقافية الحارسة للهوية والتاريخ أو بـإطارها المرجعي القائم على المحافظة أصلا. ثم إن العقود الأخيرة أكّدت صعود “الثقافة”، على سطح أحداث كثيرة، وسواء على صعيد الرجوع إلى التراث أو على صعيد فهم الثقافة ذاتها، وبما يدل على أشكال من الهويات العقدية المتصادمة والجغرافيات الثقافية المتباعدة. ولم يكن الموضوع حكرا على المرأة بل خضع إلى “الهوية الذكورية” وهي ذات مرجعيات إيديولوجية واضحة من ذلك كتاب “محدّدات البنية الأنثوية: الفوارق بين المرأة والرجل: مؤشرات إحصائية جندرية” للباحث الأردني محمد بشير شريم نشره سنة 2008 وكتاب “النقد الجندري: التمثلات السوسيولوجية للجسد الأنثوي في القصة النسائية” نشر سنة 2013 و”النقد الجندري: تمثلات الجسد الأنثوي في الكتابة النسائية” نشر سنة 2013 وكلاهما  للباحث المغربي عبد النور إدريس نذكر أيضا كتاب “الجندر: المدلول، المنشأ، الأثر” للباحث العراقي مثنى أمين الكردستاني الذي نشر سنة 2005 وهو يخص “الحركة الأنثوية” (Feminism) حسب ترجمته ممثلة في نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي.

أن نظرية المعرفة Epistemology التي انبثق عنها مفهوم الجندر ترتبط بالحداثة وما بعد الحداثة فعدم إغفال نظرية المعرفة التي انبثق عنها مفهوم الجندر، وارتباطها بالحداثة وما بعد الحداثة، والتغيرات التي لحقت بهذه النظرية على يد فلاسفة ما بعد الحداثة، واستثمرتها نسويات ما بعد الحداثة، وعلى رأسهن “جوديث بتلر” يكشف زيف الانتقائية التي تمارسها نسوياتنا، واستحالة الاستعارة البريئة، كما يكشف سوءات التسول الثقافي، ومخاطر الإسقاط المفاهيمي، وارتباط الجندر بالمركزية الغربية وإيديولوجية الهيمنة ممثلة في تسييس الجندر وعولمته قسرًا عبر الاتفاقيات الأممية، وبمعونة الأبواق الدعائية لها وكتاب وكاتبات تقارير الظل في البلاد العربية ونخصّ تونس والأمثلة من خلال ما ذكرنا من مؤلفات مشبوهة لا ترتكز على مقومات البحث الأكاديمي رغم أن المؤلفات تنتمين إلى الجامعة  إن محاوله دعاة الجندرة هو تحويل المرأة إلى سلعة كما إن مفهوم “تحرير المرأة” هو بعينه مفهوم تحرير السلعة عن طريق تسهيل وصولها إلى لمستهلكين دون مشقة أو احتكار ولوكان بيت الزوجية حاضنا كما يضمن عدم غلو الأسعار في الحصول على الجسد المنهك. وقد أنشأوا لذلك جماعة ضغط قوامها من أشباه المثقفين يدعون استيعاب الأطروحة الجندرية وهم لا يتورّعون في رفض ما ورد في القرآن “وليس الذكر كالأنثى”

والواقع أن القراءة الجندرية للتراث والقرآن بخاصة وقعت في عدة مزالق منهجية تفضح أساسها الأيديولوجي، وتؤكد عدم حيادها وبراءتها من رؤى قبلية ومن أهمها تحكيم الجندر على النص القرآني باعتبار الجندر مصطلحًا صحيحًا وصالحًا للتطبيق على أي نص بغض النظر عن قداسته  وتطبيقه على أية ثقافة باعتبار الجندر مفهومًا عابرًا للثقافات، أي أن مصطلح الجندر نفسه وبغض النظر عن تحولات المفهوم يُنظر إليه بوصفه فكرة كونية مطلقة، وهي فكرة تتعارض مع أصول الثقافة الغربية القائلة بالنسبية والتاريخية.  ويبقى الكلام في سر الاهتمام بالأطروحة الجندرية يكون وفقا لانشغالات المجتمع وقضاياه كما يعني أنه في كل بيئة تكون أدوار الرجال والنساء مختلفة بحسب الجنوسة أو النوع، وبالتالي فإن اهتماماتهم بالاستتباع تكون مختلفة، واحتياجاتهم تكون أيضا مختلفة، والطرق التي ينظرون بها للأشياء مختلفة، وإسهاماتهم في التنمية تكون أيضاً مختلفة، ففي الماضي السحيق كان الاهتمام ينصب على “المجتمع” دون الأخذ في الاعتبار هذا الاختلاف، ولذلك فإن دور النساء غالباً ما لا يكون ذا بال في عملية التنمية على الرغم من أن مشاركتهن كانت فعالة، ولكنهم لم يروا أن التركيز على السيدات كجماعة منفصلة يمكن أن يكون منتجا لدلالة ما ولكن في جميع الأحوال يجب إيلاء الاهتمام للأدوار المختلفة للرجال والنساء، وللعلاقات المختلفة والتفاعلات بين تلك العلاقات السائدة، والأدوار في مجتمعات بشرية معينة، وهذا الإدراك هو السبب وراء ذلك الاهتمام الشديد بالمقاربة الجندرية من قبل باحثين جادين من مختلف الثقافات والأديان، ولكن كثرة الدراسات إنما فتحت تساؤلات لا تزال في طور الإخصاب منها هل يعتبر “الجندر” فعلا مفهوما غربيا، يرمي لنشر موجة من الغزو الثقافي الغربي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية؟ وهل هو ترويج للمثلية الجنسية؟

هل يقتصر الرفض على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أم هناك ثقافات أخرى ترفض هذه المقاربة؟ ما الفرق بين مصطلح الجندر، ومصطلح الجنس ؟ أم أنهما مترادفان؟ وإذا كانا مترادفين فلماذا الإصرار على استخدام الجندر وترك الجنس ؟ وما الفارق بين الجندر والدعوة للمساواة بين الرجل والمرأة التي ظهرت منذ عدة عقود؟ هل هما وجهان لعملة واحدة ؟ لماذا الإصرار أساسا على استخدام كلمة الجندر من دون تعريب؟ ولماذا التعصب الواضح للمصطلح؟ أم أنها مجرّد موضة ثقافية؟ لماذا تعددت الترجمات العربية للمصطلح ولم نصل إلى الآن إلى ترجمة موحدة ومتفق عليها؟ لماذا الاختلاف الشديد حول تعريف المصطلح، والتباين الشديد بين تلك التعريفات، حتى أنه لا يجمعها جامع؟

 

لإطلاع على مقال “الأطروحة الجندرية ج3”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.