رأي

الصعلكة الشريفة: علي شورّب نموذجا

د. محمد التومي – باحث في سيراس..

يعرض الأستاذ فتحي ليسير في كتابه الموسوم بـ “من الصعلكة الشريفة إلى الصعلكة الوطنية” شخصيات عملت في مجال الحركة الوطنية رفضا للاستعمار من هاته النماذج نذكر محمد بن مذكور الشهيدي الذي قاد معركة طاحنة ضدّ الجيش الفرنسي انتهت باستشهاده في معركة أم صويغ سنة 1916 وكذلك منصور الهوش وبلقاسم بن ساسي وسالم بوعجيلة والناصر المدني ومصباح الجربوع والدغباجي … الخ.

وقد عرض في هامش الصفحة العاشرة إلى ظاهرة الفتوة أو الباندية كما يتداولها عامة الناس من البلدية ولعلّ علي شورّب العياري أشهر هؤلاء الفتيان من القطعية الذين أنتجتهم الحاضرة وذاع صيتهم في الآفاق حتى بلغ عنان السماء. وقد علمت العامة صولاته وجولاته وحكت سيرته وبطولاته التي يغضب فيها للشرف والعرض، وكان شورّب نموذجا لـ”الباندي” الشهم نصير الضعفاء إذ كان يردع المتحرّشين بنساء الحي وفتياته ويقتصّ من الذين لا يستمعون إلى تحذيراته المتواصلة ويعيد الأموال المسلوبة إلى أهلها من الفقراء وكبار السن ويسعى إلى النجدة وإغاثة الملهوف ويدفع نفسه من أجل مبادئ آمن بها سليقة. مع تفانيه في طاعة أمه التي يكفي أن تناديه بـ “علي” يا ولدي حتى يستجيب لطلبها بكف العركة وقد تكون في أوجها.

لقد استطاع علي شورّب أن يفرض سلطته على باب سويقة والحلفاوين وباب الخضراء في الخمسينات من القرن المنصرم وكانت لازمته التي يرددها دائما “الحاكم ما نستعرفش بيه أنا” فالرجل كان يؤمن أن بعض مجالات الحياة تسيّر وفق العرف والأخلاق والنواميس المجتمعية وأن الحاكم والقانون لا يتدخلان فيها إلا في المجالات التي يسمح له فيها. ومما يعرف عن الرجل أنه كان لا يستعمل السلاح الأبيض أبدا في مواجهته مع خصومه كما أنه لم يزهق نفسا بشرية أبدا أو أنه لجأ إلى السرقة من عامة الناس وفقرائهم خلافا لـ”الباندي” الذي جايله في نفس المنطقة المنصف ولد السبانيورية الذي كوّن عصابة مافيوزية تقتل وتغتصب ويحميها المستعمر ويستعملهم للتنصّت والتلصص وكذلك كان يفعل كل من “الباندي” حسن المونسي والهاشمي بن عمر شهر شويطن والطاهر غانجو وستيلا وغيرهم ..وكل هؤلاء كانوا على خلاف شورب الذي دأب على نظافة يده من أن تطال مستضعفا أو فقيرا أو امرأة أو طفلا بل تذكر بعض المصادر أن علي شورّب انخرط في الحركة الوطنية بالتظاهر ضدّ الفرنسيين وضرب جنودهم كلما سمحت له الفرصة ويتتبع أخبار المقاومين ويحترمهم. وهو ما لم يعمل المسلسل الباهت الذي عرض لحياة شورّب على بيانه بل إنه أبانه في شكل متسلط متجبر يحمل السلاح الأبيض ويضرب وهو مثمول ولا يني عن شيء بعدها أبدا حتى أنهم أظهروه مثالا سيئا مثل ظاهرة إجرامية كانت مدعاة لأن يتخذ منها المراهقون أمثولة يتبعون خطاها.

إن البحث المستعجل في حياة هذا الرجل وعدم الاستعانة بالمتخصصين من المؤرخين وعلماء النفس وبالمناضلين الذين جايلوه ويعرفون بعض خصاله عن قرب أدّى إلى مشاهد باهتة مقتطعة من سياقاتها تتعمّد الحيف والزج بالأحداث في متاهة الجريمة والعمل على التطبيع مع الإجرام وعالمه المستهتر.

إن المصادر الشفوية تتفق على أن علي شورب مات مقتولا في عمر نيّف على الخمسين عاما على يد “الباندي” ستيلا على إثر شجار جرى بينهما بنهج جان جوريس حينما اصطدم رأسه بالرصيف وقد اهتزت أحياء العاصمة أسفا على فقده وقد حاول الهادي الشنوفي تأمين خلافة علي شورّب في قطاع باب سويقة الحلفاوين ولكنه لم يفلح في ملء الفراغ الذي تركه سلفه لفقدانه الكاريزما التي كان يتمتع بها شورب الذي غاب ذكره عن المصادر التاريخية ويعزو هوبز باوم قلة الاهتمام بهؤلاء المهمشين الذين كان لهم دور في الحركة الوطنية إلى عدة أسباب أهمها إهمال المؤرخين القدماء لهم لأنهم يمثلون ظاهرة هامشية خالية من الدلالات ولأنهم ضحايا حكم مسبق ولأن البعد السياسي كان مستبعدا.

ولكن هذا المؤرخ يؤكد أن التاريخ الجديد سيكتبه الصعاليك. بمعنى أنه قد يكون أبطال هذا التاريخ المضاد من فتوّات المدن والحواضر ومتمرّدي الأرياف من الفلاحين الذين استطاعوا أن يكتبوا أسماءهم في الذاكرة الشعبية. ولقد بات من المعروف أن تلك الطوائف التي أنشأتها القطائع الهامة ومنعرجات العصور نحو الفتن الداخلية والقلاقل السياسية والأزمات الاقتصادية والاعتداءات الخارجية جسّدت المقاومة والرفض الشعبي، إن هؤلاء العصاة من أبناء ما يسمى حثالة المجتمع كانوا أوّل من يدركهم اللهب أيام الثورات وخلال حركات المقاومة فتراهم يتقدّمون الصفوف ويقدمون آيات من روح التضحية ونكران الذات والذود على حياض الوطن في الوقت الذي ركن فيه غيرهم من أهل اليسار والنفوذ إلى المهادنة بل والتعاون مع الدخيل بدعوى عدم جدوى المقاومة والمعلوم أن حرافيش وزعار وعياق وفتوات وغوغاء باب الشعرية والحسينية وبولاق لعبوا دورا حاسما خلال ثورة القاهرة الأولى ضد نابليون الذي لقي مقاومة ضارية في إيطاليا قادها اللصّ فرا ديافولا الذي تحوّل إلى أحد أهم أبطال المقاومة في نابولي. كما تشير المصادر إلى الدور الخطير الذي نهض له فتوات مونمارتن وأوباشها أثناء ثورة كومون باريس ضدّ الألمان وفي باريس أحسن المهمشون والشطار والمشرّدون واللصوص والحرافيش وبنات الليل خلال معركة تحرير العاصمة الفرنسية من النازية وقد سمّي هؤلاء المقاومون الصامتون بجيش الضلال. وفي الجزائر يذكر مثل علي لبوانت الذي تحوّل من صعلوك في مدينة الجزائر يعرف بملك القصبة إلى بطل شعبي بذل نفسه من أجل الوطن وأقضّ مضاجع الفرنسيين.

ومن المعروف أن هذه القصص والأخبار تنوقلت بشيء من المبالغة الشيقة تضخم فيها البطل مثار الإعجاب. ولكن الإشارة في هذا الصدد إلى هؤلاء الأبطال مهمة من أجل الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق