موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

هل أصبحت حكومة الشاهد حكومة الأمر الواقع؟

افتتاحية العدد 74

0 339

محمد الحمروني –

لا الحكومة ولا الاتحاد قدما أي بيانات عن اللّقاء الذي جمعهما يوم الثلاثاء 18 من الشهر الجاري، وهذا في حد ذاته يعتبر مؤشرا عن النتائج المفترضة لهذا اللقاء، ولكن ما تسرب من معلومات وهو شحيح جدا مضاف إليها الصورة الوحيدة التي التقطت اثر الاجتماع، قد تساعد المتابع على تحسس بعضا ما نتائج هذا اللقاء..

الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة تجاهلت تماما اللقاء ولم تنشر عنه حرفا واحدا، ونفس الشيء بالنسبة للصفحة الرسمية للاتحاد، وهي الصفحات التي تغطي عادة أنشطة كلا من رئيس الحكومة والأمين العام للاتحاد.

غياب أية معطيات عن اللقاء دفع بالكثيرين إلى البحث في خبايا الصورة التي نشرت للقاء، ومحاولة قراءتها في محاولة لاستكناه خلاصة اللقاء.. وخلاصة ما باحت به الصورة حسب كثيرين هي حالة الانفعال الشديدة التي بدت على الطبوبي مع علامات غضب لم يحاول صاحبها اخفاءها.

ولكن البارز في الصورة ايضا، حالة من الخيبة بدت على ملامح الأمين العام.. في مقابل صورة المبتسم والواثق والمطمئن التي بدا عليها رئيس الحكومة، وكأنه خرج للتو منتصرا من معركة كبرى..

واللافت أن ما توفر من معطيات لــ “الرأي العام” عن الاجتماع يؤكد بعضا مما عكسته تلك الصورة.. واتفقت أغلب التسريبات بخصوص الاجتماع على أنه كان “جافا” ولم يحقق أي اختراق في أي من القضايا المطروحة للنقاش، وأن “الأمين العام خرج أكثر اقتناعا بضرورة اسقاط هذه الحكومة”.

فهل يمضي الاتحاد في تهديداته.؟

إنّ وضع موازين القوى التي عكسها اللقاء الأخير، إذا  ما أضيفت إليه جملة من التطورات السياسية في البلاد تؤكد أن استمرار الاتحاد في التهديد بإسقاط الحكومة، لن يتواصل كثيرا وأن نبرة المنظمة الشغيلة بهذا الخصوص  وخاصة في علاقة بالإضراب العام تحديدا قد تراجعت كثيرا. وبعد الوعد والوعيد أصبح الحديث عن مجرد امكانية للذهاب إلى اضراب عام .. وأن تلك الامكانية مشكوك فيها، مثلما فُهم من التصريح الذي أدلى به صلاح الدين السالمي الأمين العام المساعد المسؤول عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية يوم الثلاثاء 18 سبتمبر الجاري على أمواج إحدى الاذاعات الخاصة.

بل ويذهب بعض المتابعين إلى أن لقاء الطبوبي بالشاهد، دليل واضح عن تغير نوعي في موقف الاتحاد من الحكومة الذي كان يهدد بإسقاطها ويتوعدها بإضراب عام وقال عنها ما لم يقله مالك في الخمرة، وخاصة عند حديث الطبوبي عن نقطة اللاعودة التي وصلت إليها العلاقة بين الطرفين..

فهل من معنى للحديث عن نقطة اللاعودة بعد هذا اللقاء..؟

اللقاء خطوة فيها شيء من التراجع من قبل المنظمة الشغيلة التي قد تكون اندفعت أو وقع دفعها أكثر من اللزوم ، فانخرطت بشكل – غير رصين – في خطة اسقاط الحكومة دون أن تقرأ المشهد العام وموازين القوى جيدا، هذه الموازين التي يبدو أنها تتغير بشكل سريع وقوي لصالح الشاهد.. والدلائل على ذلك كثيرة، منها:

  • تفكك ما تبقى من حزب نداء تونس (شق حفاظ) وهو الطرف الرئيسي في الخصومة مع الشاهد، وهو الذي كان يُعوّل عليه في كل محاولة لإسقاط الحكومة.
  • تشكيل كتلة برلمانية تبدو قوية وصاعدة مساندة للشاهد.
  • تفويض رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للسيد محمد الناصر رئيس البرلمان إدارة ملف الأزمة الحكومية.
  • تراجع أغلب الأصوات التي ارتفعت مؤخرا للمطالبة بسقوط الحكومة، وبقاء الاتحاد وحيدا كرأس حربة في مواجهة الشاهد ومعه بعض الأحزاب غير الوازنة برلمانيا ولا شعبيا كالتيار وحركة الشعب.
  • رفض جزء من الوزراء المنتمين إلى “نداء تونس” الاستقالة من الحكومة.

هذه العوامل كلها تجتمع لتؤكد حقيقة جديدة قد تحكم المشهد في بلادنا وهي تحول حكومة الشاهد إلى حكومة الأمر الواقع، فلا المطالبون برحيلها استطاعوا اسقاطها في الشارع، ولا محاولات الإرباك والفوضى سواء عبر قطع الطرقات أو افتعال الأزمات نجحت في خلق أجواء توحي بعدم الاستقرار في البلاد.. ولا الرئاسة أقدمت على الخطوة الدستورية الوحيدة الممكنة المتبقية وهي طلب سحب الثقة من الحكومة كما ينصّ على ذلك الفصل 99 من الدستور. إضافة إلى أن ذهاب هذه الحكومة يعني توقف المؤسسات المالية الدولية عن تقديم  القروض لبلادنا وهو ما يعني الدخول في أزمة مالية قاتلة.

لذلك بات القبول بهذه الحكومة باعتبارها حكومة أمر واقع فرضته التوازنات السياسية وموازين القوى الاجتماعية والحزبية، أمرا لا مفر منه، والحكمة تقتضي اليوم التحلي بالرصانة وعدم الاستجابة للضغوط التي قد تمارسها بعض اجنحة الحكم على الاتحاد، أو بعض الحساسيات النقابية على المركزية بقيادة الطبوبي، لدفعها دفعا نحو تبني خيارات أو الانخراط في أجندات لا علاقة لها بالعمل النقابي ولا مصلحة للعمال فيها..

والأكيد أن الاتحاد هذه القوة الوازنة والعريقة، لديها من الخبرة والحنكة ما يكفي لتجنب هذه المنزلقات، وتقدير المصلحة العليا للبلاد، كما أن “الأحزمة التاريخية” للمنظمة النقابية، لن تسمح لبعض المغامرين بدفع المنظمة للانتحار خدمة لبعض الرغبات الشخصية المجنونة.. أو الهوس الايديولوجي لبعض المجموعات النقابية الهامشية..

يبقى الآن التساؤل عن مستقبل الشاهد، وهل يعني تحول حكومته إلى حكومة أمر واقع، بقاءها حتى 2019؟

لا أحد يمكنه اليوم التكهن بما يفكر فيه الشاهد حقيقة، وهل سيبقى في رئاسة والحكومة حتى الانتخابات القادمة أم لا؟ فقط هناك بعض الترجيحات التي تتوقع تقديم استقالته بعد المصادقة على الميزانية، ليتفرغ لحملته الانتخابية القادمة بالاشتراك مع الحراك السياسي الذي بدا في التشكل حوله والذي يتكوّن من عدد من النواب والأكاديميين والناشطين السياسيين ورموز من النظام السابق..

ويبقى السؤال الأخير هل سيكون الشاهد معنيٌّ بمنصب رئيس الجمهورية أم أنه سيفسح المجال لأحد الوزراء زمن بن علي للترشح لهذه الخطة مقابل تركيزه (أي الشاهد) على رئاسة الحكومة من جديد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.