موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

ذكرى معركة الجلاء من فرسان ببرج الخضراء إلى بنزرت

0 221

د. محمد التومي – باحث في سيراس –

لا يخفى على المتتبعين لسياسات بورقيبة خلال محاولاته تركيز حكمه التسلطي على البلاد التونسية منذ البدايات الأولى للدولة الوطنية إذ كان هذا الرجل رافضا للمقاومة المسلحة حينما صرح في مؤتمر سوسة في مارس 1959: “إن الفلاقة ببنادقهم الصدئة المهترئة يقولون إنهم أخرجوا فرنسا، ولكن الحقيقة أن فرنسا أخرجتها أنا بعقليتي ودبلوماسيتي…”. هكذا بدا بورقيبة واثقا من نفسه رافضا لكل فضل للمقاومين الحقيقيين الذين رموا بأنفسهم في أتون حرب قاسية غير متعادلة القوى، ولعل معركة بنزرت أو ما بات يعرف بمعركة الجلاء خير دليل على تخبط بورقيبة ومحاولته تصفية خصومه من اليوسفيين وممن يعتبرهم فلاقة من الثوار الذين رفضوا النزول من الجبال باستدراجهم إلى معركة خاسرة كانت مسرحا لجريمة كبرى نفّذتها فرنسا بحسب وصف صحفيين فرنسيين شهدوا المعركة وأبدوا ألمهم واستغرابهم من القوة المفرطة التي استعملتها فرنسا في هذه المعركة والمتمثلة خاصة في الطائرات والنابالم الأحمر والمدفعية برا وبحرا وجوا… وقد اختار التونسيون 15 أكتوبر من كل سنة، يحيون فيها ذكرى جلاء آخر جندي من بلادهم بعد خمس وسبعين سنة من الاستعمار الكريه راح ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى. وهي المعركة التي دارت بين 19 و23 جويلية 1961، وقد بدا الاختلاف بين المتابعين من الدارسين واضحا تحكمه معطيات ما قبلية أو أيديولوجية ومن هؤلاء من يؤيد لخيارات الحبيب بورقيبة في جرجرة جيشه الفتيّ إلى حرب عبثية في آخر منافذ فرنسا البحرية وهي القاعدة الخلفية المهمة التي تستعملها في هجوماتها المتكرّرة على المقاومين الجزائريين ورغم حداثة حصول البلاد على استقلالها وعدم احتمال الأوضاع الحرب فإنها كانت تسير نحو الاندلاع بسرعة فائقة رغم قلة خبرة قواتها العسكرية في خوض حرب ضد بلد يمثل ثالث قوة عسكرية في العالم حينها. وفي المقابل نجد منتقد لخيار المواجهة العسكرية الذي سلكه الرئيس بورقيبة رغم أنه كان طوال مسيرته كزعيم للحركة الوطنية ثم رئيسا للدولة الناشئة يساند الحل الدبلوماسي القائم على الحوار والتفاوض كحل لفض الخلافات مع السلطة الاستعمارية. ويؤكد المؤرخون أن ليلة 18جويلية 1961 كانت ليلة صدور التعليمات السرية إلى الوحدات العسكرية الفرنسية المرابطة في الجزائر وفي البحر  باستهداف منطقة بنزرت حيث ينتشر الجيش التونسي الفتيّ في ساحاتها والمناطق المتاخمة لها بأسلحة متواضعة، وتؤكد المؤرخة لطيفة شعبان أن الساعة الواحدة من يوم الأربعاء 19 جويلية، أعلنت الإذاعة التونسية البيان التالي: “لقد تلقت القوات المسلحة التونسية أمرا بقصف كل طائرة تخترق المجال الجوّي التونسي”.  وانطلقت المعركة في ذلك اليوم بعد وصول اثنا عشر ألفا من القوات البحرية الفرنسية إلى بنزرت، وعدد كبير من قوات “اللفيف الأجنبي”، وهي فرقة مكوّنة من قوات مرتزقة.

لقد اعتبر منتقدو خيار المواجهة الذي كان بورقيبة يشهر به وبأهله ويصفهم بالفلاقة أن معركة بنزرت وكذلك معركة فرسان ببرج الخضراء لم تكن بالنسبة إلى “المجاهد الأكبر” سوى بوابة مشرعة للزعامة ومن ثمة الانفراد بالحكم دون صحبه وزملاء النضال الذي أراد له بورقيبة أن ينقضي وتطوى صفحته مع معركة الجلاء وكأن الجلاء الحقيقي هو جلاء المناضلين والقادة من السياسيين والزعماء من أمثال صالح بن يوسف ولزهر الشرايطي وعبد الله عبعاب… الخ عن منصّة الحكم وعن مراودة قصر قرطاج. وبذلك ينطبق قول أحد الصحفيين الفرنسيين الذين بعث بهم لنقل أحداث المعركة لصحيفة لكسبراس “كل الحروب قذرة، وحرب بنزرت أقذرها” وقد تميّز الوضع الميداني خلال “معركة بنزرت” التي امتدت بين 19 و23 جويلية 1961 بالخراب المشين والقتل دون رحمة أو تمييز بين النساء والأطفال والشيوخ من جهة والمقاتلين المنهكين من جهة أخرى، وقد أحصى هؤلاء المبعوثين من الصحفيين عدد القتلى فتجاوز السبعة آلاف قتيل في معظم الإحصائيات ومن بين القتلى نساء حوامل بقرت بطونهن واستخرج الجنين وقطّع وتركت الجثث في الشوارع وهرب الناس إلى الجبال والمناطق الريفية المجاورة. ولعل تورط فرنسا أخلاقيا في هذه الحرب التي فاقت قذارتها كل سابقاتها  مما أفضى في النهاية إلى جلاء أخر جندي فرنسي من التراب التونسي يوم 15أكتوبر من ذات السنة.

كما تشكلت “لجان الرعاية” من الشق البورقيبي بالتعاون مع الجيش الفرنسي، لكتم صوت الرافضين لهذا للاتفاقيات التونسية الفرنسية. و كان رأس “لزهر الشرايطي” ورفاقه، ثمن تمكين نظام الحكم الجديد و تركيز دعائم استقراره. وانطلق “صباط الظلام” ونادي “الدويرات” والتعذيب في الدولة الفتية التي أعطت إشارة انطلاق ماكينة الاستبداد كما تؤكد الباحثة. وبعد المعركة الشهيرة ببنزرت أقصى الشمال يخوض الجيش التونسي بمعية المجاهدين القادمين من مختلف مناطق البلاد معركة فرسان قرب برج الخضراء وهي آخر نقاط الحدود الجنوبية وأبعدها في جويلية  سنة 1961 حيث خاض الجيش التونسي كجيش نظامي معاركه ضد المستعمر الفرنسي الذي أبقى على قواعده في بنزرت وفي أقصى الجنوب التونسي وغيرها من المناطق الأخرى كمواقع خلفية لقمع الثورة الجزائرية التي اندلعت شرارتها سنة 1954.

هذه المعركة التي تندرج ضمن معركة الجلاء التي قررتها القيادة السياسية لإنهاء الوجود العسكري الفرنسي بعد إعلان الاستقلال للجمهورية التونسية، والحال أن العلاقات السياسية بين السلطة التونسية والمستعمر الفرنسي كانت متوترة بعد معركة بنزرت الدامية. وقد كان حضور الجيش الفرنسي في الأماكن التي احتفظ بها للمراقبة مصدر توتر دائم و استفزاز للأهالي فضلا عن العساكر التونسية قليلة الخبرة وقد تكرّرت هذه الاستفزازات من الجانب الفرنسي. وأصبح الرأي العام الوطني حسّاسا للغاية لمسألة الجلاء العسكري عن الوطن مهما كلفهم من أرواح ولذلك حرص الرئيس بورقيبة على  الإشارة إلي ضرورة جلاء الجيش الفرنسي عن التراب التونسي. وقد خصص خطابه في 5 فيفري 1959 لمسالة الجلاء عن الصحراء التونسية وتعرض لمشكل حصن فرسان 233 وذكره باعتباره نقطة ارتكاز لتحرير بقية المناطق في الجنوب والشمال فمن الواجب أن يصل الجيش التونسي إلي العلامة 233 لحراسة الحدود أي على مسافة 15 كلم على خط غدامس كما يذكر القائد عبد الله عبعاب في مذكراته. وفي مطلع صيف 1961 اتخذت الأمور منعرجا خطيرا بعد أن استخف الجيش الفرنسي بتحذيرات السلطات التونسية من مغبة التمادي في تحديها من خلال مواصلة توسعة مطار سيدي احمد ببنزرت. وفي جويلية أعلنت التعبئة العامة في البلاد وأصبح شعار الساعة “الجلاء السلاح” وفي 14 جويلية خطب بورقيبة في العاصمة قائلا “قررنا خوض معركة الجلاء ولسنا مستعدين لتأجيلها إلي أن ينجلي آخر جندي أجنبي عن أرض الوطن” وفي 16 جويلية نشرت الصحف رسالة بورقيبة إلي الجنرال ديغول وقد جاء في تلك الرسالة: “إن هدف تونس الحصول على جلاء القوات الفرنسية عن قاعدة بنزرت ومنطقة الحدود” ليصل بذلك بين فرسان وبنزرت. ويقول القائد عبعاب “كنا بالجنوب نتابع تفاصيل هذه الفترة الهادرة من تاريخ بلادنا وننتظر التعليمات وفي منتصف جويلية تلقيت برقية من قائد الحامية العقيد الميساوي يأمرني فيها بالالتحاق بمركز تيارت لملاقاة مبعوث الديوان السياسي أحمد التليلي برفقة والي مدنين السيد محمد الحبيب وقد قدمت لهما عرضا مفصلا عن الوضع العسكري وقد  قفلنا راجعين، بعد انتهاء الاجتماع بمبعوث الديوان السياسي إلي مقر الحامية ببرج فرسان حيث عقدنا اجتماعا موسعا ضم أمراء السرايا ورؤساء الفصائل لقدماء المقاومين والمتطوعين وتدارسنا لساعات طويلة تفاصيل الخطة التي يتعين إتباعها عند مواجهة العدو” وحينما أزفت ساعة المعركة استطاع بضعة مقاتلين أن يصدّوا فرقة مدرعة مسلحة تسليحا جيدا وهو ما يشي بالارتباك الذي يعيشه جند فرنسا والتعب الذي نالهم جرّاء اشتعال الجبهة من الشمال إلى الجنوب وهو ما عجل بالجلاء عن فرسان وبنزرت وغيرهما من المناطق المستعمرة في الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.