موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

ماذا في ذهن الغنوشي الآن؟

النهضة والرئيس والشاهد.. بداية أم نهاية

0 398

– محمد الحمروني –

حين أعلن رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر بصوت فيه مزيج من الحزن والنقمة  – رغم الطابع البارد للسياسي المخضرم – عن نيل حكومة الشاهد ثقة البرلمان وبداية ائتلاف حاكم جديد لا يضم حركة نداء تونس، ربما كان من المُسلّم به لدى كثير من المحللين أن تونس طوت صفحة التوافق بين النهضة، والنداء والذي قاد يوسف الشاهد إلى رئاسة الحكومة، لتبدأ مرحلة جديدة قوامها أولا نهاية عهد هيمنة قرطاج على الحكم والتخلص نهائيا من ميراث الوزير الأول لفائدة رئيس الحكومة كما صاغه دستور الثورة. وثانياً انتقال حركة نداء تونس للمعارضة والإعلان عن ائتلاف جديد.. النهضة والائتلاف والمشروع والمبادرة.

 

لا شك أن بعض أنصار الشاهد كانوا ينتظرون بفارغ الصبر القطيعة بين الشيخين لا لتأسيس توافق جديد بل لتجسيم خيارات قد لا تبشر بالخير مستقبلا، وهذا ما لم يقع برغبة مشتركة من الغنوشي والسبسي عنوانها شعرة معاوية التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى حبل ود متين

بيان النهضة الذي وقّعه رئيسها الشيخ راشد الغنوشي لحظات بعد الإعلان عن نهاية جلسة منح الثقة – وكأن الغنوشي أراد تأطير ما حدث وتوجيه رسائل عن ملامح المرحلة القادمة – أعاد خلط الأوراق.

صحيح أن الشاهد حصل على الثقة وعلى أغلبية جديدة ولكن أوراق اللعبة لم تنتقل إليه بالكامل كما تصوّر البعض وكما تمنى المقتنعون بأن “وراثته” للتوافق حتمية بل مطلوبة لتأمين وضع سياسي آمن ومستقر وقادر على طمأنة الشعب وشركاء تونس.

الشاهد صحبة وزارئه المقترحين في التحوير الأخير

بيان النهضة وهو الثالث في أقل من أسبوع جاء ليؤكد أن شيئا ما حصل في المدة الأخيرة قد يكون دفع قيادة النهضة إلى مراجعة حساباتها، وفرملة مسيرتها نحو الشراكة مع يوسف الشاهد، أو أن الرؤية كانت واضحة منذ البداية وهي أن الدفاع عن الاستقرار الحكومي لا يعني البتة قطيعة مع سي الباجي أو صكا على بياض لرئيس الحكومة .

وضوح الرؤية قد لا ينفي ما يمكن وصفه بخيبة أمل إزاء طريقة تشكل مشروع الشاهد على نحو قد يحوّله من امتداد لمسار التوافق إلى خطر ظهور “حزب الدولة” ليكون دور النهضة مجرد أداة لخدمة هدف ينتهي بالإجهاز على التجربة الديمقراطية في البلاد.

بيانات النهضة تؤكّد دائما على أن الباجي يبقى شريكا أساسياً ولا مجال للقطيعة معه وأن النداء شريك أصيل للنهضة رغم التجاذبات الحاصلة ولا مجال لإقصائه أو تهميشه وأن الاستقرار الحكومي كمسار شيء، واختيار الشاهد شريكا استراتيجيا شيء آخر

وهو خوف لا يُبرر بالطبع القراءات التي تعمّدت تضخيم هذا الخطر في وقت من الأوقات لتشويه المسار الذي سلكه الغنوشي دفاعا عن استقرار حكومي نجح طيلة الأشهر الماضية في تحقيق المطلوب منه بعد أن كانت الدولة مهددة بعملية ارباك دافعها الوحيد تصفية حسابات ذاتية.

لا شك أن بعض أنصار الشاهد كانوا ينتظرون بفارغ الصبر القطيعة بين الشيخين لا لتأسيس توافق جديد بل لتجسيم خيارات قد لا تبشر بالخير مستقبلا، وهذا ما لم يقع برغبة مشتركة من الغنوشي والسبسي عنوانها شعرة معاوية التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى حبل ود متين.

النهضة حريصة على المحافظة على العلاقات المتينة مع الباجي قايد السبسي

بيانات النهضة أكدت المعاني التالية:

أولا: الباجي قائد السبسي يبقى شريكا أساسياً ولا مجال للقطيعة معه أو التنكر له ضمن الأطر الدستورية.

ثانيا: النداء شريك أصيل للنهضة رغم التجاذبات الحاصلة ولا مجال لإقصائه أو تهميشه رغم الأدوار القذرة التي قام بها بعض قيادييه للإساءة للنهضة.

ثالثا: أن الاستقرار الحكومي كمسار شيء، واختيار الشاهد شريكا استراتيجيا شيء آخر.

توقيت بيانات النهضة الثلاث قبل الندوة الصحفية لرئيس الجمهورية وإثرها ومباشرة بعد جلسة منح الثقة تؤكد أن الغنوشي يدرك أن تسارع الأحداث يحتاج مواكبة حثيثة وديناميكية واستباقية وأن التفويض الممنوح له من طرف شورى النهضة لإدارة الأزمة السياسية المتواصلة منذ أشهر خيار سليم وبناء لحزب يدرك أن موقعه في صدارة المشهد السياسي يحتاج قيادة سريعة قادرة على المناورة في الوقت المناسب.

إذا ماذا في ذهن الغنوشي الآن ؟

لا شك أن الوحيد الذي يعرف ذلك هو الغنوشي نفسه وأن إيقاع بياناته المتسارع في الأسبوع الأخير ليس مجانيا بعد أن قدّم كل التنازلات الممكنة للشاهد لتسهيل التحوير الوزاري، ورضي كالعادة بما اقترحه عليه ساكن القصبة لتشكيل حكومة لا تتناسب بالمرة مع حجم النهضة ولا التكاليف التي يسببها دعمها في سنة انتخابية .

ملف الاستقرار الحكومي أغلق بنجاح وبفضل إدارة جيدة من الغنوشي والشاهد وحتى رئيس الجمهورية الذي عرف كيف يخرج بأخف الأضرار بل ويسجل نقاطا لصالحه في معركة أقحمه فيها غرور ابنه وطيش جزء من القيادات الملتفة حوله

النهضة استفادت دون شك من التحوير والغنوشي ربما كان في طليعة المستفيدين بعد أن وُجهت له طيلة أشهر سهام النقد والتشكيك في سلامة الخيار الذي سار فيه منذ 25 ماي الماضي. جلسة منح الثقة هذا الأسبوع أكدت أن النهضة ليست معزولة وأنها جزء من ائتلاف محترم والأهم من ذلك أنها حافظت على حد أدنى من التواصل مع رئاسة الجمهورية ولم تسقط في فخ الانجرار لقطيعة مع هذا، أو تماه تام مع ذاك، لتجد نفسها رهينة وضعية سياسية لا تقدر على الفكاك منها، وهذا في حد ذاته مكسب كبير في السياسة.

قد يكون الغنوشي في طليعة المستفيدين بعد أن وُجهت له طيلة أشهر سهام النقد والتشكيك في سلامة الخيار الذي سار فيه منذ 25 ماي الماضي

واليوم كأننا برئيس الحركة راشد الغنوشي يقول إن ملف الاستقرار الحكومي قد أُغلق بكل أبعاده من العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى تجنيب البلاد أزمة خانقة لو تسبب الصراع داخل النداء في تعطيل السير العادي للدولة، لتبدأ مرحلة جديدة يمكن أن تشهد مفاجآت غير متوقعة وخارطة سياسية لما قبل الانتخابات لا تتطابق بالضرورة مع رؤية الأطراف التي تصورت أن النهضة ستذهب إليها في وضع ضعيف.

إذا ملف الاستقرار الحكومي أغلق بنجاح وبفضل إدارة جيدة من الغنوشي والشاهد وحتى رئيس الجمهورية الذي عرف كيف يخرج بأخف الأضرار بل ويسجل نقاطا لصالحه في معركة أقحمه فيها غرور ابنه وطيش جزء من القيادات الملتفة حوله.

يمكن القول أن المرحلة القادمة، بالنسبة إلى النهضة ليست مرحلة رضوخ لأمر واقع أو تسليم بأن الخلاف مع نداء حافظ يعني تحالفا مهما كان الثمن مع الشاهد.

وهي بالنسبة إلى الشاهد مرحلة اختبار لقدرته أولا على التجميع وثانياً على الإدارة الجيدة للحكومة بعد أن تخلص من النيران الصديقة والوزراء المتطاوسين عليه، وثالثا على تقديم نفسه كبديل سياسي مقنع بذهنية ديمقراطية لا علاقة لها بأي مسعى لاستخدام أجهزة الدولة لإحكام القبضة على السلطة بغلاف ديمقراطي.

وهي بالنسبة إلى الرئيس الباجي قائد السبسي مرحلة إصلاح ما يمكن إصلاحه والإصغاء للآراء النزيهة واتخاذ القرارات الشجاعة بعيدا عن المؤثرات الجانبية. سي الباجي ما انفك يبرهن على أنه لن ينجر إلى صراع ذاتي مع أي كان وأنه معني بأن يبقى في التاريخ رمزا لقيادة انتقال ديمقراطي فريد في العالم وليس العكس.

هي إذن مرحلة تشكيل مشهد توافقي يقود البلاد قبل الانتخابات وبعدها، في ضوء معطيات تبدو ثابتة الآن وأهمها أن حركة النهضة لا ترغب في الهيمنة على المشهد السياسي وأنها تُفضّل القيام بترتيبات مسبقة وتوافقات تفضي إلى ميثاق عمل مشترك بعيدا عن المقولات الفاشلة التي تسببت في ترذيل التوافق مع النداء.

الغنوشي أيضا يبدو مهتما باستعادة قاعدته الانتخابية التي تقلّصت في الانتخابات البلدية نتيجة شيطنة العلاقة مع النداء والتنازلات المجحفة التي قدمها سواء في المشاركة في الحكومة وخاصة بالموافقة على المصالحة الاقتصادية التي رأى فيها كثير من النهضويين تفريطا في استحقاق ثوري. هل سيقنع رئيس النهضة قاعدته بتقديم تنازلات أخرى للنداء الجديد، هل سيقبل أن يصبح الشاهد زعيم الأغلبية والنهضة مجرد شريك رمزي في منظومة 2019؟

يخطئ من يعتقد أننا إزاء بداية أو نهاية بل الأكيد أننا نعيش مخاضا صعبا لا شك أن السبسي والغنوشي والشاهد قادرون على تجاوزه بأمان وفي أسرع الأوقات

شخصيا لا أعتقد ذلك والمتوقع عندي هو أن التحوير الوزاري ليس أكثر من خطوة أنهت مرحلة الأزمة السياسية لتبدأ مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات التي يبقى أفضلها شراكة عادلة ومبنية على الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف ومع رئيس الجمهورية تحديدا .

ويخطئ من يعتقد أننا إزاء بداية أو نهاية بل الأكيد أننا نعيش مخاضا صعبا لا شك أن السبسي والغنوشي والشاهد قادرون على تجاوزه بأمان وفي أسرع الأوقات، ولعل دخول لاعبين آخرين في الميدان وخاصة أمين عام مشروع تونس محسن مرزوق ورئيس حزب المبادرة كمال مرجان، سيوّفر فرصة أكبر لمعالجات سياسية جدية وعقلانية للوضع بعد انكشاف أمر المهرجين والانتهازيين بسرعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.