موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الرئيس في مواجهة الفوضى..
هل يصمد؟

افتتاحية العدد 85

0 272

– محمد الحمروني –

‎في الوقت الذي يقبع فيه أحد قيادات حزبه في السجن وتُسخّر الإمكانيات للإفراج عنه دون وجه حق، ويهرب أمينه العام الجديد من شبهة اتهام فساد مالي فاقت الـــ 34مليارا، وفي الوقت الذي يحال فيه نحو 12 نائبا من كتلته النيابية على القضاء بتهم الفساد والارتشاء، وغيرها، وفي الوقت الذي تنتشر الفوضى حول مشروعه السياسي.. يجد مستشارو الرئيس الباجي قائد السبسي من المناسب إقحامه في التجاذبات حول معركة نداء تونس المتواصلة، كخيار يمكن أن يفيد الرئيس وحزبه والبلاد التي منحه شعبها الثقة ليحكمها.

‎هل للرئيس من الوقت والجهد الذي يفترض أنه مسخّر للقضايا الوطنية الاستراتيجية ما يكفي ليتفرغ للاستجابة إلى رغبات طفولية وألاعيب صبيانية لأحد الأطراف السياسية التي احترفت الفرقعات الإعلامية وإثارة النعرات الحزبية والايديولوجية؟

وسط هذا الكمّ الرهيب من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الأمنية، كيف يمكننا أن نفهم أو أن نقبل أن يسخّر مستشارو الرئيس الرئاسة ومؤسساتها لخدمة أطراف تعيش على فتاة المعارك السياسية

ربما يكون مع المستشارين شيء من الحق ليقولوا أن استقبال رئيس الجمهورية لممثلين عن هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي ومنشقين عن نداء تونس شيء عادي، وأن تنقله بنفسه إلى المطار لاستقبال ولي العهد السعودي أمر عادي، وأنّ فرش زرابي قصر قرطاج لرجل الانقلابات نجيب ساويرس الذي غادر القصر لنداء تونس ثم لعشاء مع بعض عرابي مشروع يوسف الشاهد !! شيء عادي أيضا..

رئيس الجمهورية يستقبل وفدا عن هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي

ولكن كيف سيبررون استقبال الرئيس لشق من الهيئة الأكثر راديكالية في معاداة النهضة وفيه من دعا صراحة إلى حلّ الحزب؟ هل بات الرئيس مسؤولا حتى عن شقوق الجبهة بعد شقوق النداء؟

‎فقد عاد أوّل أمس السيد الرئيس ليلتقي مجددا بممثلين عن هيئة الدفاع عن اغتيال بلعيد،  بعد أن كان قد استقبلهم منذ نحو أسبوع أو أقل، وفتح لهم أبواب القصر وصفحاته الاجتماعية ليكيلوا الاتهام لطرف وطني أساسي في الحكم وفي البرلمان وفي البلاد، وليضع قصر الجمهورية في خدمة (les corpuscules) اليسارية المتطرفة، ويتخذونها منبرا لإطلاق الاتهامات الجزاف في كل الاتجاهات.

وسط هذا الكمّ الرهيب من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الأمنية التي تواجهها البلاد، كيف يمكننا أن نفهم أو أن نقبل أن يسخّر مستشارو الرئيس الرئاسة ومؤسساتها بما في ذلك مجلس الأمن القومي لخدمة أطراف تعيش على فتاة المعارك السياسية في البلاد..

‎نعم الرئيس معني بالأمن القومي وهو القائد الأعلى للجيوش وهو الذي يترأس مجلس الأمن القومي، ولكن هل هذا يسمح له بأن يكون ناطقا باسم الجبهة الشعبية، أو أن يستغل ما تطرحه من ادعاءات لتصفية حسابات سياسية مع طرف اختار الانحياز للدولة والانتصار للقانون والمؤسسات؟ أو أن يُسخّر لادعاءاتها مجلسا قوميا بأكمله؟

‎ الرئيس على حد علمي لم يخيّر التخلي عن جبة الرئاسة التي  تفترض فيه الحياد، وتجعل منه رئيسا لكل التونسيين دون استثناء، المخالفين له والموافقين، والمصوتين له والرافضين، وحتى تركيز جهده على ترميم بيته الأصلي (النداء) وحلّ مشاكله بعد ما تحولت الأزمة التي تضربه إلى فوضى، تكاد أن تنتقل إلى مختلف مؤسسات الدولة.

‎ولكن وفي مقابل موقف الرئيس المفترض على الأقل، خيّر مستشاروه أن يطلقوا العنان لردة فعل نعتقد أنها انفعالية، كتحريك ملف الاغتيالات من جديد أو استقبال كل الذين يعادون ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي أو اطلاق الاتهامات في كل الاتجاهات كالادعاء على رئيس الحكومة بمحاولة الانقلاب عليه، وحشر جهاز الأمن الرئاسي في هذا الملف الذي يتعهد به القضاء.. والدفع بملف حارق وخطير وحسّاس كملف المساواة في الميراث إلى واجهة الأحداث..

‎لذلك يحق للمتابع، أن يتساءل ماذا يفعل مستشارو الرئيس بالضبط؟ وماذا يريد الرئيس نفسه الآن بعد أن نجح لسنوات في التصدي لقوى الاستئصال والفوضى؟ أليس هو الذي عاد بعد الثورة بشعار هيبة الدولة؟ فكيف يسمح اليوم بأن تداس هيبة الدولة بهذه الطريقة؟ وكيف يسمح بأن يزج به في معركة يعلم جيدا أنها عبثية وأنه قادر على تحقيق مكاسب اليوم وغدا دون الوقوع في أجندة الاستئصال؟ بل كيف يسمح بأن تتحول رئاسة الجمهورية إلى ناطقة باسم أقصى اليسار المتطرف في بلادنا؟

‎نطرح هذه الأسئلة، ونتمنى أن نجد لها إجابة، من أحد مستشاري الرئيس أو الناطقين باسمه أو المكلفين بالإعلام في ديوانه.. لأن التونسيين يريدون إجابات على كل هذه الأسئلة وقد استبدت بهم الحيرة من المنحنى الذي اتخذته رئاسة الجمهورية مؤخرا.

يتطلع الجميع إلى أن تلعب مؤسسة الرئاسة دورا في استقرار البلاد، لا أن تتحول بفعل رغبة المستشارين والمحيطين بالرئيس إلى عامل رئيسي لأرباك المسار الديمقراطي في البلاد

‎وتزداد هذه الأسئلة إلحاحية، وتجد مشروعية أكبر، بسبب ما يروّج من سيناريوات للفوضى في الفترات القادمة، بهدف إسقاط الحكومة.. وهو ما كشفه على سبيل المثال كل من النائب الصحبي بن فرج، عند تعليقه على كميات المخدرات التي وقع حجزها من قبل أجهزة الديوانة مؤخرا. أو ما كتبه الناشط السياسي والخبير في القانون الدستوري جوهر بن مبارك، الذي نبّه إلى أنه قريبا ستعطى إشارة الانطلاق لسياسة الأرض المحروقة وأنهم سيحاولون قلب الطاولة بكلّ عنف وإشعال حرب الكلّ ضدّ الكلّ للإجهاز على العملية السياسية الديمقراطية نهائيا وسيبدأ الأمر بدفع الناس إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط الحرية ودوسها بالنعال والتنازل عنها مقابل لقمة العيش سيدفعون المساكين للتهليل للاستعباد وحكم الطغيان ثمّ سيخلطون الحق بالباطل لإبطال الدستور وسيعطّلون عقول الناس قبل تعطيل عمل المؤسسات الديموقراطية وحلّها وينتهي الأمر بإلغاء الانتخابات تحت شعار “تصحيح المسار”.

‎واذا ما أضفنا إلى ذلك “التسخين” الذي تعرفه الساحة الاجتماعية، فإن الجميع يتطلع إلى أن تلعب مؤسسة الرئاسة دورا في استقرار البلاد، لا أن تتحول بفعل رغبة المستشارين والمحيطين بالرئيس إلى عامل رئيسي لأرباك المسار الديمقراطي في البلاد..

ويبقى السؤال هل يصمد الرئيس أمام الضغوط التي يتعرض إليها؟ وأي دور للأطراف السياسية وخاصة النهضة وعقلاء النداء في سحب البساط من تحت أقدام الاستئصاليين ومنعهم من العبث بالدولة ومسار الانتقال الديمقراطي؟

المسؤولية مشتركة لا شك في ذلك ولكن مسؤولية الرئيس أكبر ويبدو أنه على وعي بها وما تأكيده على موضوع شعرة معاوية إلا دليل على ذلك.

نحن بلا شك نثق في الرئيس وفي العقلاء من حوله ونرجو أن يكون سي الباجي في مستوى ثقة الجميع وهو بلا ريب أهل لذلك اليوم وغدا..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.