موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

فلسفة العري: أو المسرح التونسي بين الخواء والعراء

0 54

http://www.csds-center.com/article/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A_%D8%A8%D9%8A%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A1_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%A1

ظهر منذ القرن التاسع عشر دعوات للتحرر من اللباس، كما لو كان ذلك ممكنا من الناحية الموضوعية في ظل تقلبات الطقس، وخطر ذلك على صحة الانسان. فضلا عما اكتسبه اللباس من مشروعية لدرجة لا يمكن لإنسان أن يسير عاريا في الشارع كما ولدته أمه، وهناك قوانين تجرّم ذلك وتعاقب عليه. رغم وجود نوادي للعراة وشطوط  للعراة ، وسينما ومسرح ومعارض أزياء  ورسم يظهر عورات الانسان كلها أو بعضها كما يرى في التماثيل الرومانية ، أو اللوحات الفنية للرسامين . وقد أثار ذلك ولا يزال يثير الكثير من الجدل وردود الفعل حتى يومنا هذا .. وحول الجدل الدائر تطوف معالجتنا لهذا الموضوع.

مقدمة

كان لظهور فنان سوري لاجئ في ألمانيا عاريا على خشبة المسرح ، يدعى حسين مرعي، وهو يمثل دورا في مسرحية بعنوان ” يا كبير”أو ” يا سيد” ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية ،  وقع الصدمة داخل تونس وخارجها. فهو لم يتجرأ على ذلك عندما قدمت المسرحية في ألمانيا، البلد الذي ظهرت منه دعوات التعري والعري ، ويزعم أن أسطورة الأدب الألماني ، جوتة ، من أوائل من دعا إلى التعري بصفته الأصل الحقيقي للإنسان، وفات ” الكبير” أن الطبيعة الانسانية أولا، والطبيعة المحيطة ثانيا، ومركزية الانسان الثقافية في هذا الكون ثالثا هي التي فرضت على الانسان اللباس. ولكن فلسفة الانقلاب على الواقع والتضاد معه باسم ” الحداثة “وراء كل هذه الفوضى.  ومما زاد من حدة الصدمة هو أن المسرحية الفضيحة أو التي اشتملت على المشهد الفضيحة الذي عرى فيه المخرج  عربيا أمام مشاهدين عرب مموّل من وزارة الثقافة التونسية، في حين أن الكثير من الأعمال الدرامية التونسية تصد ويرفع في وجهها بطاقة قلة الامكانيات المالية المتوفرة في الوزارة.  كما زاد من حدة الصدمة التي دفعت الجمهور لمغادرة  قاعة العرض، أو بعض الجمهور،  دفاع البعض عن الفضيحة، وتصريح ممثلة تونسية بأنها مستعدة للتعري إذا كان الدور يتطلب ذلك. وأنّ رفض التعري أخلاقوية على حد تعبيرها. وذهب آخرون ومنهم مدير المسرح  البلدي إلى الدفاع عن المشهد بحكم أنه لم يكن ايحاءات جنسية مسقطة ، بل ووصفها ب” رسالة” أراد بها الممثل التعبير عن انتهاك الحرمات في العالم العربي. ولم يفسر لنا كيف يمكن الاحتجاج فنيا على انتهاك المحرمات،  بانتهاك المحرمات ؟ و يطرح السؤال وهو ما الفرق بين مشاهد الجنس، الجنس، ومشاهد الجنس التعبيري؟ وكيف يمكن التفريق بينهما إذا استخدمت  نفس الأدوات وأدت لنفس التأثير والنتائج، مثلا  ؟ ..إنه أشبه بشرب الخمر للسكر، وشرب الخمر بنفس الكمية لإظهار كيف يشعر الشارب ،وكيف يتصرف  وكيف يراه الآخرون. و مثالا آخر، ما الفرق بين ممارسة جنسية، وأخرى فنية في سيناريو عن حالة اجتماعية ما ؟ هل هما مشهدان مختلفان الأول جنسي والثاني تعليمي،فني، تثقيفي مثلا ؟.وهل يقبل أن تقوم قريباتهم بهذه الوظيفة؟

إباحية مقنعة

منذ عقود والأفلام الجنسية تحصد المليارات، ثم خبا الولع بها، في الغرب ووضعت الكثير من العراقيل أمامها وأمام بثها حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك دول تلاحق الراغبين في تصوير تلك الأفلام. بل هناك جدل لا يزال متواصلا في الغرب وتحديدا الولايات المتحدة حول مشاهد الجنس في الأفلام. ويعتبر الالماني ريتشارد أو نغيفير 1869 / 1958 من المنظرين لفلسفة التعري حيث ألف سنة 1903 كتابا بعنوان ” الناس العراة مرة أخرى” وألف كتابا آخر بعنوان” التعري…” سنة 1908 .وأسس في نفس السنة رابطة العراة، وهي ثان رابطة للعراة في ألمانيا وكان الأول قد تأسس في 1898 . وكان وراء دعوته تلك حالته الصحية حيث كان مدمنا على شرب الخمر والتدخين وكان مصابا بطفح جلدي وكان الأطباء يوصونه بأشعة الشمس و بالإقلاع عن التدخين وشرب الخمر . وكما كانت الأفلام الإباحية الأكثر مبيعا، كان فن النحت والرسم الذي يظهر جسد المرأة عاريا، يلقى الإقبال في القرون الخامس عشر وحتى العشرين. وقد برزت عديد الأسماء في هذا المجال، مثل جورجيوباريرلي، وتيتسانوفيتشليو  ودييغو رودريغيز وأوغست دومنيك، وغيرهم.   وفي السينما تم التحيّل على الرقابة وعلى المشاهد بإعطاء المشاهد الجنسية في أفلام البورنو  بعدا سياسيا واجتماعيا وصحيا يجعل المجتمع يتقبل تلك المشاهد التي تقدمها السينما بأنها تتحدث عن مشاكل المخدرات  والجريمة المنظمة، والرقيق الأبيض، والشذوذ و السحاق بين النساء، وتظهر تلك الأفلام مشاهد من الممارسات الجنسية كأفلام البورنو تماما، ولكن بأكثر احترافية، بل بأكثر اغراء وابتذال وتأثير سلبي لا سيما عندما يتم اختار نجوم تلك الأفلام الجنسية المقنعة بغلالات سياسية واجتماعية وما شابه. وقد بدأ ذلك منذ 1890 وقد قامت مجموعات الضغط بجهود كبيرة لمنع تلك المشاهد مما اضطر جمعية السينما الأمريكية سنة 1930 لتأسيس ميثاق يشمل معايير الأفلام ذات المحتوى الصالح للعرض لكن سرعان ما تم تقويضه  بعد 4 سنوات فقط. وتم تجاوزه تماما نهاية ستينات القرن الماضي ، ثم بدأت قناعة لدى السينمائيين بالتخفيف من المشاهد الجنسية في الأفلام ، وأصبح العري مسبة وفضيحة، كقول مديرة لموظفة في احدى الأفلام الجديدة ” لماذا تبلسين هكذا كما لو كنت عاهرة. وأصبح التعري في الأفلام السينمائية الأمريكية موضوعا يحظىبنقاشات ساخنة بين المختصين في ظل التأثير السلبي على عوائد الأفلام التي تتضمن مشاهد جنسية فاضحة حسب تقييم النقاد السينمائيين الكبار. وأصبحنا نقرأ ونسمع عن بعض السينمائيين ولا سيما الممثلات اللواتي يرفضن تمثيل مشاهد جنس ولم يعد يقتنعن بأن الجنس التعبيري يختلف عن الجنس للجنس. ليس ذلك فحسب بل أصبح الكثير من الفنانين والفنانات يخشون على سمعتهم وصورتهم في المجتمع ولم يعد يشفع لهم بأنهم يقومون بتأدية الأدوار بدون مشاعر وأحاسيس خاصة تفرض نفسها بحكم الطبيعة .

التعري كاحتجاج

لم يقتصر الأمر على إعطاء التعري و العري مفهوما فنيا خاصا في المسرح والسينما والرسم والنحت فحسب، بل تم فرضه بإعطائه بعدا احتجاجيا واجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا أو نوعيا ( النوع الاجتماعي ) أو حتى دينيا كما نرى لدى بعض الديانات  كما في الهند، وإن لم يتجردوا تماما من ملابسهم. فالتعري كشكل من أشكال التعبير أو هكذا يتم تقديمه لا يمكن نكران ضرره على منظومة القيم لدى المجتمع أفرادا ومنتظما ، وما علاقة التعري بمقاومة الاعتداء على الأراضي أو الممتلكات أو الاحتجاج على التحرش، أو الدفاع عن حقوق الحيوان كما تفعل منظمة “بيتا” العالمية التي اشتهرت بالتعري  لجذب انتباه الراي العام إلى قضايا حقوق الحيوان ، ويحولن أنفسهن إلى مادة للتندر أو حتى للتحرش المغلّظ  والايذاء اللفظي من قبل المتفرجين، ومصدر لإثارة الغرائز أكثر من خدمة القضايا التي تعرين من أجلها.  ومن المفارقات أن المرأة التي تقع في يد الجهات المتنازعة  في الحروب أول ما يفعل بها هو تجريدها من ملابسها واغتصابها، كما شاهدنا في رواندا والبوسنة والحربين العالميتين ، وهناك حروب تاريخية غلب عليها استعباد المرأة وسميت بذلك كالسبي البابلي على سبيل المثال . وما علاقة العري بالاحتجاج على المشاريع الحكومية المزمع إقامتها أو بحجة عدم إقامتها، أو التعري لدعم حقوق المرأة ، كمنظمة” فيمن” كما رأينا في 2008 وما بعدها،  وما هي المقاربة العلمية أو حتى الأسطورية التي تقول أن التعري هو أفضل وسيلة للاحتجاج . أو لا يمكن التعبير إلا من خلالها. والحقيقة أنها ليست إلا وسيلة من وسائل تمييع القضايا . وضرب منظومة القيم التي توافقت عليها الانسانية في مختلف الثقافات العريقة. ولنتصور بعض مظاهر الجاهلية تعود للحج ، اليوم وتطوف الحاجات عاريات كما كن في الجاهلية إلى درجة تدفع المرء للتشكيك في تلك القصة رغم أن الجاهلية تبررها .

التعري والاباحة

وهل هناك فعلا حدود فاصلة بين التعري بوصفه فنا والتعري بوصفه سلوكا إباحيا.. وقد علّق قاض أمريكي على سؤال حول المفهوم القانوني للتعري  وهو القاضي بالمحكمة العليا الأمريكية بوتر ستيوارت بالقول” بإمكاني وصف التعري أو المجون بمجرد رؤيته” وبذلك تسقط الحدود الفاصلة ويأخذان نفس الحكم. ويؤكد البروفيسور وإخصائي القانون “بين توينوموغيشيا، صعوبة التفريق بين الاثنين لغلبة الطابع الجنسي على كل منهما. ويقول الخبير السيسيولوجي  جون كونكلين المتخصص في علم الجريمة ” التعري الفني وصف يجب إسقاطه  عن كل مادة مشتملة على محتوى إباحي سمعي أو بصري ، طالما كغيره مثيرا للغرائز الجنسية. وتساءل ما الفرق بين مشهد زوجة تمارس الجنس الفني ، في دور تمثيلي، وأخرى تخون زوجها .

العري والحرية

يرى البعض أن العري شكل من أشكال التحرر أو الحرية، و لكن في عالمنا المعاصر رأينا المستبدين ينادون بالتعري، وما يرتبط به من مجون، وحاربوا ولا يزالون يحاربون الاحتشام والالتزام. ولم يروا في العري ثورة بل العكس تماما كان أحد أسلحتهم .في حين نظر للحجاب على أساس أنه خطر سياسي قبل أن يكون خطرا نمطيا على ما يرغب المستبد والديكتاتور فرضه على المجتمع.  وشارك الديكتاتور الرمادي جميع الألوان الأيديولوجية  نظرته بل كانوا من منظّريه وداعميه  بألوانه الحمراء والصفراء والزرقاء وغيرها . إن السؤال الذي يطرح في أوربا وأمريكا واستراليا والغرب اليوم هو ما الذي يمكنه أن يأتي لاحقا ،

خاتمة

ماذا بعد التعري، ماذا بعد التعبير، بالتأكيد وكما أثبتت التجربة أن بعد كل خطوة خطوة أخرى ” لقد فتحنا القمم ولا نعرف حجم المارد، وسط التبجح بالفضائح الجنسية سنسقط يوما في قاع الحضارات ونكتشف قاعا أعمق” . عرف الانسان اللباس منذ ملايين السنين، وهناك آثار لذلك تعود لخمسمائة ألف عام ، وذلك ليس لحماية نفسه من التغيرات المناخية وحسب، بل لدوافع ثقافية، فقد تشكل في بداية وعيه قناعة بالحاجة لإخفاء عورته بما ميّزه جذريا عن الحيوان، حيث اقترنت الحاجة بالثقافة. وقد تطور اللباس من تغطية العورة إلى أشكال مختلفة من الأغراض والأهداف، بل تنوّع ليعبر عن الوظيفة التي يقوم بها الإنسان، والدين الذي يعتنقه، والطقس الذي يعيش فيه. وشمل ذلك التاريخ فهناك متاحف تخلد تاريخ اللباس الإنساني في العصور والثقافات المتعددة في الحضارة الإنسانية الواحدة. وبعض الملابس المعاصرة تسمح بتخلص البدن من الروائح الكريهة ،. وكان للتراكمات المعرفية والثقافية لدى الإنسان دور في بلورة البعد الثقافي للباس، وما حمله من حشمة وأدب ساهمت في الحفاظ على النسل وعلى السلم الاجتماعي بحكم أنه خلاصة تراكمات من التجربة الإنسانية ولم يكن اعتباطا أو فرضا بالقوة القاهرة كالقوانين  المفروضة من قبل السلطة المستبدة والمطلقة. وقد تطور اللباس كما نرى اليوم لنرى ألبسة خاصة بالرياضيين، والأمنيين والعسكريين والوظائف المختلفة فضلا عن تمايز لباس المرأة عن الرجل.

عبد الباقي خليفة ( باحث و صحفي )

عن مركز الدراسات السياسية والدبلوماسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.