موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

خلط الأوراق في سوريا

http://www.csds-center.com/article/%D8%AE%D9%84%D8%B7_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D9%81%D9%8A_%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_

0 47

الملخص

 ما سر تزامن الرغبة” العربية” في إعادة العلاقة مع دمشق والانسحاب الأمريكي من سوريا؟

بعد هزيمة أميركا في فيتنام والتي خلفت ما يربو عن خمسين ألف قتيل من الجنود الأمريكان نصح الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بدراسة جذور الصراع. وعلى إثر ذلك كتب نيكسون كتابه” 1999 نصر بلا حرب”(Victory without War) أي كيف تنتصر أمريكا بمعزل عن آلتها العسكرية؟ لذلك، ركَّز على الحرب الفكرية والثقافية والنفسية وتهشيم الكينونة الفكرية والثقافية والنفسية للعدو والابتعاد عن النزال العسكري ما أمكن”، وعندما سقط الاتحاد السوفييتي 1992 كتب نيكسون  كتابه “انتهزوا الفرصة” (Seize the Moment ) وقال فيه: “سقطت الشيوعية المارد الأحمر وبقي أن نواجه الإسلام المارد الأخضر،وعلينا أن نستعجل في هذه المواجهة قبل أن يستيقظ هذا المارد. كان ذلك قبل أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من أهوال، والتغيّر في السياسة الأمريكية من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة، والعودة للآلة العسكرية، لكنها لم تنس نصائح نيكسون، في كتابيه الملهمين للسياسات الخارجية الأمريكية. لقد شاركت الولايات المتحدة في الحرب السورية، إلى جانب النظام السوري بشكل غير مباشر، وقد تفطن إلى ذلك الرئيس دونالد ترامب نهاية 2018، عندما غرد على موقعه على تويتر بأن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا كان لصالح نظام بشار، وايران، وروسيا. والحال أن الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها الغربيين يهدفون من خلال وجودهم العسكري في سوريا لحماية الكيان الصهيوني، أولا، ومحاربة داعش ثانيا، وزرع كيان سياسي جديد بدعم غربي، هو أكراد سوريا، الذين تلقوا أسلحة متطورة ليكونوا خنجرا مزدوجا في خاصرة سوريا المستقبلية الموحدة، وتركيا التي تعاني من تمرد كردي مسلح منذ عدة عقود، إلى جانب الحفاظ على مستوى من التوتر في ظل وجود أكراد في العراق وايران أيضا.

ويبدو أن تلك الأهداف تغيرت في ظل التطورات الحاصلة، وهو ما استوجب استنفار العرب نحو سوريا لمواجهة الوضع الجديد بعد التقارب الروسي التركي الايراني، وكان البعض يراهن على مواجهة روسية تركية في سوريا بدعم ايراني، وهو ما لم يحصل رغم وصول تلك الأماني ذروتها بعد حادثة اسقاط مقاتلة روسية من قبل الجيش التركي.

مقدمة

أثارت التلميحات، والتصريحات، والزيارات العربية، ثم فتح السفارات وتسيير بعض الرحلات الجوية، التي حظي بها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، والتي بلغت ذروتها بالزيارة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير، مؤخرا إلى دمشق، وما يقال عن زيارة مرتقبة للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز لدمشق، الكثير من التعليقات، والتي تزامنت مع الاعلان الأمريكي، الانسحاب من سوريا. وقد سبقت تلك الزيارة وأعقبتها زيارات على مستوى أقل، بما في ذلك الزيارات التي قام بها بعض الناشطين في المجتمع المدني التونسي، وبعض نواب البرلمان، إلى دمشق والتي لا يعرف الرأي العام، حتى الآن من اقترحها، ومن نظّمها ومن ّموّلها، حتى أن بعض النواب أكدوا على تلقيهم عروضا للمشاركة في تلك الوفود، وعندما سألوا عمن يقف وراءها لم يجدوا الإجابة.

وقد سبقت زيارة البشير إعادة دولة الإمارات فتح سفارتها في دمشق، بعد أكثر من ستّ سنوات على اغلاقها، واعلان الأردن ، عن عودة العلاقات مع سوريا كما كانت. وما راج عن اعتزام الرئيس الباجي قايد السبسي دعوة بشار الأسد لحضور القمة العربية المرتقبة في تونس، وهو ما نفته الخارجية التونسية ، لكنها أشارت إلى أن ذلك لن يكون إلا بتوافق عربي ، أي اجماع عربي على ذلك ، ويشي بأن السلطة في تونس لا تمانع في ذلك إذا كان هناك اجماع عربي ، وهو ما يعني أن”افتتاح السفارات في دمشق يؤكّد على أنّ القرار الاستراتيجي العربي قرار السلم والحرب بيد القوى الدولية وليس بيد العرب ودولهم” وهو ما أكده مفكرون استراتيجيون وباحثون عملاقة في العلوم السياسية من بينهم عبد الله النفيسي، على موقعه على تويتر .

كما أن هناك ترتيبات جديدة لسوريا والمنطقة، تهدف أولا لنزع نظام بشار الأسد من القبضة الروسية الايرانية ، ورده للحاضنة العربية، تحت اغراءات التمويل وإعادة الإعمار، قبل الإجهاز على بشار، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية البريطاني ، عند حديثه حول إبقاء بشار فترة في السلطة قبل إجباره على الرحيل، كما سيأتي.

فشل الخطة أ

جاء الاعلان الأمريكي عن الانسحاب العسكري من سوريا، وبشكل عده كثيرون مفاجئا بما في ذلك حلفاء أمريكا كالفرنسيين والألمان وغيرهما لعدة أسباب لعل من أهمها أن سوريا المدمرة لم تعد تمثل خطرا على الكيان الصهيوني. كما أن التقارب التركي الروسي الايراني والعراقي توّج بزيارة الرئيس العراقي إلى تركيا يوم 3 جانفي 2019 واستقباله بشكل رسمي وحفاوة بالغة . إضافة إلى فشل قوات أكراد سوريا في تحقيق الأهداف التي تمت المراهنة عليها رغم الأسلحة المتطورة التي تسلمتها من الولايات المتحدة، وسيطرتها على ربع مساحة سوريا، إلا أن نجاح عملية ” غصن الزيتون” التركية  كسرت شوكة أكراد سوريا بعد أن سيطروا على مساحات شاسعة من الأراضي السورية. ولذلك كان تعليق الرئيس ترامب في حديثه بالهاتف مع الرئيس التركي أردوغان” سوريا كلها لك ” وقد يكون ذلك استسلاما واعترافا بالأمر الواقع ، وقد يكون يحمل غيظا مفاده إذا كان الصدام  مع روسيا وإيران والرهان على أكراد سوريا قد فشل، فلدينا بدائل أخرى. وهي بدائل يشير كثيرون إلى أنها لم تعد خافية وسط  موسم الهجرة ” العربية ” إلى دمشق، أو الهرولة إلى سوريا، كما سماها البعض، أحدها بدفع أمريكي والبعض الآخر بدعم روسي.

 من الملاحظ  أن الخلافات الحاصلة داخل الولايات المتحدة من جهة وداخل الحلف الأمريكي من جهة أخرى تعكس فشلا ذريعا في التعاطي مع الملف السوري، بعد أن أصبحت تركيا تنسق مع موسكو، وطهران. وقد أشار إلى ذلك وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف عندما أشاد بالجهود التركية الايرانية في انخفاض أو تخفيف حدة التوتر في سوريا.

ووصف ما يجري من هرولة الدول العربية إلى إعادة العلاقات مع النظام السوري، وفتح السفارات، والقيام بالزيارات والتفكير بدعوة بشار الأسد لحضور القمة العربية التي ستعقد في تونس هذا الربيع والتشاور حول الموضوع ، رغم ما يشوبه من خلافات تعكس الموقف الغربي من بشار أكثر من الموقف العربي. وكذلك الموقف الأمريكي المعلن للانسحاب من سوريا، ورفض داخل أمريكا وألمانيا وفرنسا وغيرهما لهذا التمشي الذي أعلن عنه ترامب ، وصفه ظريف بأنه” عملية تغيير كبيرة في العالم” وأن القوى الكبرى لم تعد قادرة على اتخاذ القرار بمفردها ” وأن سياسات الدول الغربية باءت بالفشل ” وجدد القول بأن انخفاض التوتر بسبب جهود تركيا وايران.  وإن صح ما قاله ظريف، ويبدو أنه صحيح، فإن الخطة أ، والمتمثلة في خلق توتر حاد ، يدفع باتجاه حرب بين القوتين الإقليميين، تركيا وايران قد فشلت.. كما فشلت فرضية صدام مسلح بين روسيا وتركيا، كما ساهم تعاون أنقرة وطهران في تخفيف حدة ميل روسيا للاستفراد بسوريا وطرد ايران منها.

الخطة ب

لم تنجح القوات الكردية، في تحقيق أهداف من موّلها، وعلّق عليها الآمال، لا في محاربة داعش، ولا في شن حرب استنزاف ضد تركيا، ولا في تمثيل تهديد حقيقي للنظام السوري، ودول المنطقة ومن بينها ايران. وكان ولا بد من ادخال لاعبين جدد لتأدية المهمة، ويبدو أن العقل المدبر توصل إلى ذلك من خلال استفاقة اصطناعية للضمير العربي  الرسمي، حيال سوريا، فبدا البعض يعيد السفارات، ويقيم العلاقات مجددا مع نظام بشار الأسد، وسط أنباء عن  قوات عربية ستحل محل الأمريكية في سوريا، وهي قوات مناهضة  لتركيا وايران على السواء. وإذا ما صحت الأنباء التي تشير إلى أن ضباطا من دولة الإمارات ومصر قد زاروا مدينة منبج في ريف حلب شمال سوريا، استعدادا لنشر قوات لهم في المنطقة كبديل عن القوات الامريكية يقوي وفق البعض احتمال قيام حرب اقليمية ضد ايران، وربما تركيا ، بدعم صهيوني. وكانت مصادر صهيونية قد ذكرت مؤخرا بأن” اسرائيل حليف للعرب ضد ايران”.

وإذا ابتلع بشار الأسد الطعم، على خلفية دعم السيسي له خلال السنوات الأربع الماضية، والأطماع في الأموال الإمارتية لإعادة الإعمار، علاوة على دعم دول الخليج الأخرى، ثم التخفّف من الثقل الإيراني الذي جلب له الويلات وغضب الغرب، والطمع في رضا الغرب عنه بنفض يده من حزب الله ،  فإن الخطة ب ستحقق أهدافها رغم ضآلة نسب نجاحها، لأن بشار الأسد يدرك أن من يمدون أيديهم له، لا يملكون قرارهم، ويمكن أن يغيروا مواقفهم كما تغير الحيات جلودها.

ضبابية الرؤية

ربما  تهافت الخطتين أ وب، وراء رفض فرنسا وتحديدا الرئيس الفرنسي لهما، فقد أعرب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون  نهاية شهر ديسمبر 2018 عن أسفه لقرار نظيره الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا . وتابع” الحليف يجب أن يكون محل ثقة، وأشعر بالأسف الشديد للقرار المتخذ في سوريا من قبل حلفائنا الأمريكيين”. وأردف” نكون حلفاء يعني أن نحارب كتف إلى كتف ، وأن توافق على أن تحارب قواتك مع أخرى حليفة ، وتأخذ المخاطرة معها”. وكانت وزير الدفاع الفرنسية فلورانيبارلي قد أشارت قبل ذلك إلى أن بلادها لا تشارك واشنطن قراءتها للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في سوريا.

ألمانيا أيضا غاضبة من القرار الأمريكي، مما يعني أنه لا ثقة أبدا في نجاح الخطة البديلة، وامكانية أن تحقق جيوش عربية ما عجزت عنه الولايات المتحدة وتوابعها الأكراد. وعبر وزير الخارجية الالماني بمرارة عن ذلك بالقول ، إن قرار الولايات المتحدة المفاجئ بالانسحاب من سوريا يدعو للدهشة وقد يضر بالحرب ضد تنظيم داعش الارهابي. وأن التهديد لم ينته” هناك خطر من أن تضر عواقب هذا القرار بالحرب على التنظيم وتقوض النجاحات التي تحققت بالفعل.

وإذا كانت ألمانيا وفرنسا هما قطبا الاتحاد الأوروبي وينطلقان من خلفية لها تاريخ مع الحلف الأكثر ترابطا وهو الحلف الانجلو سكسوني، فإن بريطانيا وعلى لسان وزير خارجيتها بدا واثقا، من الخطة الأخيرة” إن رئيس النظام السوري بشار الأسد سيبقى لبعض الوقت ” وشرح ذلك ّ موقف بريطانيا الثابت منذ وقت طويل ، هو أننا لن نحظى بسلام دائم في سوريا مع النظام الذي يقوده الأسد .. للأسف سيبقى لبعض الوقت “.

خاتمة

رغم أن البعض أشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يحدد موعدا لخروج قواته من سوريا، إلا أن التسريبات التي تحدثت عن اعتزام ترامب القيام بذلك أشارت إلى أن العملية ستكون شاملة وسريعة. وكان التدخل الأمريكي قد حصل في سبتمبر 2014 بدعوى محاربة تنظيم داعش، لكن ذلك لم يكن الهدف الوحيد، فحماية الكيان الصهيوني، هي من أولى الأولويات. كما لا يمكن لتنظيم مسلح مهما بلغت قوته أن يمثل خطرا أكثر من وجود قوتين ناميتين في المنطقة هما تركيا وايران، وفشل حصول حرب بينهما رغم المناوشات التي جرت بين ميليشيات شيعية والقوات التركية يعود إلى موازين القوى ، واستشعار الخطر الذي يهدد الجميع، وهو ما حال دون توسع تلك المناوشات التي غالبا ما كانت تنتهي بانسحاب تلك المليشيات من ساحة المعركة. وبالتالي فإن ايران كأولوية صهيونية أمريكية، وتركيا كأولوية صهيونية، وأمريكية بالتبعية وليس العكس،( ونشير هنا للانقلاب الفاشل في تركيا )، والذي كان وراءه أصابع متعددة الألوان والأيادي وإن كانت تحرك من خلف ستار..  وهكذا فإن الانسحاب الأمريكي ودخول قوات عربية إلى سوريا، هو فصل جديد من الصراع فوق أرض العرب، ضحيته شعوب العرب، وقوده اقتصاد العرب، ممول من مال العرب، وهدف الصراع ثروات العرب،  و المطبّل له إعلام العرب.

عبد الباقي خليفة (صحفي تونسي)

المصدر : مركز الدراسات السياسية والدبلوماسية

http://www.csds-center.com/article/%D8%AE%D9%84%D8%B7_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D9%81%D9%8A_%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.