رأي

فكّ شفرة انتخابات 2019 المهدّدة:
متى ينتهي التهارج السياسي؟

– محمد القوماني – 

 يبدو أنّ الفشل في منع الإضراب العام في الوظيفة العمومية والقطاع العام ليوم 17 جانفي 2019 سيكون منعرجا جديدا في المشهد التونسي، ومؤشّرا على مأزق خيار الاستقرار الحكومي. فللإضراب العام ما بعده. كما تبدو الحاجة ملحّة إلى فكّ شفرة اللوحة السريالية للمشهد السياسي، وإنهاء التهارج السياسي، إذا رمنا كشف العلاقة بين الملفّات المعقّدة والمتشابكة، التي تجعل الرؤية السياسية ضبابية وانتخابات 2019 التشريعية والرئاسية مهدّدة.

ففي الوقت الذي يؤكّد فيه أهمّ الفاعلين السياسيين الحرص على إنجاز الاستحقاق الانتخابي في موعده الدستوري، تبدو الطريق إلى الانتخابات غير سالكة ويحذّر البعض من مخاطر تعذّر تنظيمها في موعدها. فالمشهد البرلماني المفكّك بسبب تنازع كتله الرئيسية، والذي يشهد سياحة حزبية غير مسبوقة وتغيّرات في المواقع والمواقف، وغيابات لافتة، وتسيطر عليه الحسابات الشخصية في السنة الأخيرة من العهدة البرلمانية، يبدو غير مُطمئن لانتخاب بقية الأعضاء الثلاثة للمحكمة الدستورية، والأعضاء الثلاثة لسدّ الشغور بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بأغلبية تساوي أو تفوق 145 صوتا. وتشترط أغلب الكتل سدّ الشغور قبل انتخاب رئيس لهيئة الانتخابات بالأغلبية المطلقة (109 صوتا). كما يواجه استكمال إرساء المحكمة الدستورية، تعقيدات لاحقة في اختيار أعضاء المجلس الأعلى للقضاء.  وستجد الأطراف غير الجاهزة لخوض الانتخابات، المبرّرات لرفض تنظيمها في غياب محكمة دستورية وهيئة انتخابية مكتملتين.

ولحصول التوافق الضروري المشار إليه بين الكتل البرلمانية، من الائتلاف الحاكم والمعارضة في آن، يُفترض التوافق على مسائل أخرى خلافية، ومنها شرط العتبة بخمسة بالمئة في تعديل القانون الانتخابي، الذي تعترض عليه ما يسمّى بالأحزاب الصغيرة، وترى فيه عنوان إقصاء وهيمنة من الأحزاب الكبرى. ومنها أيضا التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة إلى موفّى ماي 2019، لتستكمل الخمس سنوات المخوّلة لها قانونيا، في ضبط إجراءات أعمالها الختامية وإجراءات التصفية، كما جاء في قرار مجلس الهيئة المؤرخ في 03 جويلية 2018 والذي عرضته الهيئة على الحكومة بتاريخ 28 ديسمبر 2018 قصد نشره بالرائد الرسمي، فاعترضت عليه الحكومة وأحالته للبرلمان للتداول بشأنه. فضلا عن الخلاف الحادّ المنتظر حول مشروع قانون المساواة في الإرث الذي يستعجل رئيس الجمهورية النظر فيه.

وإلى جانب هذه التعقيدات ذات الصبغة التشريعية، تتغذّى الخلافات بين الكتل البرلمانية والأحزاب السياسية، من عناوين أخرى لعلّ أهمها الخلاف حول مصير ما سميّ بملفّ الجهاز السرّي، وعلاقته باغتيال الشهيدين بلعيد والبراهميـي، وتداعياته السياسية، الذي بات يشغل الرأي العام ويحوز على مساحة إعلامية مهمّة خلال الأسابيع الأخيرة، وتتداخل فيه أطراف عديدة. ولم يعد خافيا ما تخفيه المناكفات والمناورات والتهارج حول ملف الجاز السرّي، من صراعات ثاوية خلفه،  حول مواقع هامة بوزارتي العدل والداخلية، ومصالح وتصفية حسابات شخصية وسياسية.  وما يختزله أيضا من مناورات ووسائل ضغط وحسابات ذات صلة بالاستحقاق الانتخابي لنهاية سنة 2019.

وإلى جانب هذه الملفّات المعقّدة، تزداد الرؤية السياسية ضبابيّة في مشهد يزداد سريالية ومناكفات تبدو أقرب إلى التهارج السياسي. فحزب نداء تونس الفائز في الانتخابات الأخيرة، والذي قاد الحكم في السنوات الأربع السابقة، والذي يحتفظ بعدد هام من الوزراء والولاة والمعتمدين والمديرين العامين  والدبلوماسيين، وغيرها من الوظائف العليا في الدولة، يتموقع يوما بعد آخر  كأشدّ حزب معارض، ويتحصّن أمينه العام سليم الرياحي بالخارج في وضعية غامضة. والصراع المفتوح بين قرطاج والقصبة، جعل من رئيس الجمهورية في تصريحاته الأخيرة أهمّ منتقد للحكومة والأكثر مناكفة لرئيسها. واللقاءات المتعدّدة المعلنة والسرية بين الزعيمين الباجي والغنوشي، وتأكيد حركة النهضة على تمسّكها بالتوافق، لم تنجح إلى حدّ الآن في خفض التشنّج  وإعادة الثقة مجدّدا وإشاعة أجواء ما قبل إعلان الرئيس نهاية التوافق مع النهضة. وقد كان إحياء الذكرى الثامنة للثورة تعبيرا جديدا عن حالة الانقسام السياسي. فلم يُنظّم حفل رسمي جامع للاحتفاء بالذكرى. وظهر رأسا السلطة التنفيذية في موقعين مختلفين بالمناسبة. وغاب البرلمان تماما. ولم ينسّق الائتلاف الحاكم أيّ نشاط مشترك. وحضرت أهمّ الأحزاب بشارع الحبيب بورقيبة لتتبادل التهم والهجومات فيما بينها أو مع الحكومة.

وفي ظلّ استمرار الأزمة السياسية واحتدادها، يستمرّ الوضع الاجتماعي محتقنا، بتعذّر التفاهم بين الحكومة ومنظمة الشغالين، وتواصل أزمة التعليم الثانوي والتحاق التعليم العالي بها، وغياب أيّة مؤشرات على البدء في إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتأكّدة، وتذمّر عموم التونسيات والتونسيين من تردّي الخدمات وغلاء المعيشة وفقد موادّ أساسية بالسوق، واستفحال الجريمة وانسداد آفاق التشغيل، وارتفاع منسوب التشاؤم لدى الشباب خاصة والنزوع إلى مقاطعة الانتخابات.

يؤكد أهمّ الفاعلين في المشهد الوطني على أولوية الملفّ الاقتصادي والاجتماعي، لكن لا يخفى على المتابعين  أنّ العوائق السياسية تحول دون أيّ تقدّم في المسار الاقتصادي والاجتماعي. وإذا كان واضحا أنّ سنة 2019 الانتخابية والسياسية بامتياز، تستدعي بعض الخطابات والمزايدات والحملات الانتخابية المبكرة، فإنّ ما تشهده الملفات من تشابك وتعقيد وتعطيل، يتطلّب جهدا في فكّ شفرة انتخابات 2019  التي باتت مهدّدة، كما يجري التصريح بذلك من أكثر من جهة.

وإذا كان الذهاب إلى الانتخابات الطريق الوحيد في الديمقراطية الراسخة لاختبار الشرعية، والتعبير عن إرادة الأغلبية، وتفويض الحكام المؤقتين، فإنّ الذهاب إلى انتخابات والقبول بنتائجها في مرحلة ما بعد الاستبداد وفي مسار انتقال ديمقراطي، تتطلب قدرا من  الوضوح في المآلات وقواعد التنافس، بين المعنيين. وأوّل الضمانات في هذا المسار في حالتنا التونسية، على غرار ما جرت بعه الأمور سابقا، هو تحييد أجهزة الدولة. وقد يكون مطلب حكومة انتخابات محايدة أشدّ إلحاحا في ظلّ تنامي الجدال حول المشروع السياسي لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد المرشّح لتزعمه، بغضّ النظر عن موقعه في الحزب المزمع إعلانه قريبا. كما يبدو فتح حوار صريح حول ساكن قرطاج في السنوات الخمس القادمة  متأكّدا أيضا. وقد يكون ما أعلنه مؤخرا رئيس حركة النهضة  راشد الغنوشي، عدم اعتزامه الترشح لرئاسية 2019 خطوة أولى على في هذا المسار، في انتظار توضيحات من فاعلين أساسيين وفي مقدّمتهم رئيسي الجمهورية والحكومة.

لا يُستبعد أن يكون تغيير الشاهد على رأس الحكومة، لسبب أو لآخر، خلال الأسابيع القادمة، مدخلا لفكّ إحدى شفرات الأزمة السياسية المستمرّة، ولا تبدو الأجندة الاجتماعية بمعزل عن هذا المسار. ولا يستبعد أن تكون مثل هذه الخطوة إشارة إلى تحريك بقية المسارات وتسريح الملفّات المعطّلة،لفتح الطريق أمام انتخابات 2019 المهدّدة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق