موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

مهما صار ومهما يصير… تونس بعد الثورة خير

0 57

– لطفي هرماسي –

الثورة التونسية قصة حلوة وحلم كبير متجدد يخبو في نفوسنا حينا بمفعول الزخم اليومي للأحداث والقضايا والنزاعات والمؤامرات والأزمات متعددة الأبعاد التي نعيشها منذ ثماني سنوات ولكنه سرعان ما يعود ليوقظ ضمائرنا ويهزّ مشاعرنا ويحرك عزائمنا ليدفعنا للبذل والعطاء والاشتغال ليلا نهارا لتحقيق شعاراتها وقيمها والوفاء لدماء شهدائنا الأبرار.

والحقيقة أننا لا نستطيع ونحن في غمرة الاحتفالات بالذكرى الثامنة لانتصار الثورة وفرار المخلوع إلا أن نعبّر على عظيم سعادتنا بأن تضحيات أجيال من نساء تونس ورجالاتها قد أثمرت نبتة فتية بهية الطلعة شذية العطر تستغلظ كل سنة وتستوي وتورق في انتظار مواسم الإثمار التي لن يطول انتظارها بإذن الله . هكذا نحن دوما لا نستطيع إلا أن نزرع الأمل ونبشر بأنه على الرغم من أوضاعنا الاجتماعية الصعبة واهتراء مقدرتنا الشرائية سنخرج منتصرين من معارك الإرهاب والفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية لأن شعبنا الذي انتصر على أكثر الأنظمة انغلاقا وفسادا ودكتاتورية في المنطقة العربية سيظلّ يقظا منافحا عن ثورته وعن مبادئها وشعاراتها المتمثلة في الحريّة والكرامة وسيظلّ مستنفرا مذكّرا منبها محذرا حتى تتحقق كل أهدافها شعاره في ذلك “لا خوف لا رعب السلطة ملك الشعب”.

في الذكرى الثامنة لانتصار الثورة التونسية المجيدة تعدّدت المواقف من طريقة الاحتفاء بين داع للعودة إلى شارع الثورة لإذكاء مشاعر النخوة والفخر والاعتزاز بالمكتسبات وبين داع للاحتجاج على ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبين داع لإسقاط الحكومة وبين حالم ( ة ) بعودة المخلوع وبين داع لكشف اللثام عن الغرفة السوداء والجهاز السري والاغتيالات السياسية وشبكات التسفير و”هات من هاك اللاوي”.

(1)

ماتزال القوى والأحزاب والحركات السياسية التي قارعت الاستبداد ونالها نصيب الأسد من السجون والمحتشدات والتجنيد والتهجير والحرمان من أبسط الحقوق والمحاصرة والمتابعة والمنع من السفر والحضور اليومي إلى مراكز الأمن والحرس للإمضاء على كراسات الحضور والمراقبة الإدارية. ماتزال هذه القوى ثابتة على موقفها بأن مجلوبات الثورة من حرية وتعددية حقيقية وديمقراطية تعد مكاسب بالغة الأهمية وأن على المجموعة الوطنية أن تحدد خارطة طريق واضحة الملامح من أجل استكمال تحقيق الأهداف الاجتماعية للثورة من تنمية وتشغيل وكرامة.

هذه القوى شاهدناها يوم 14 جانفي بشارع الثورة وعلى ملامح أنصارها علامات الفرحة والاعتزاز بالوطن وبمكتسبات الثورة وبشعارات ينضح مضمونها بمعنى واحد هو أن “تونس بعد الثورة خير” لأن الحرية المعمدة بالعذابات والدماء أهم وأقدس من الخبز الذي بحت حناجر الثوار وهم يصيحون بأعلى أصواتهم “خبز وماء وبن علي لا”.

وإذا كان لنا من تأويل لذاك الشعار فإنه يتعلق حتما بإبراز أولوية الحريّة والديمقراطية حتى على حساب لقمة العيش ونعتقد أننا على الرغم من ضيق حال التونسيين واهتراء مقدرتهم الشرائية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية فإنهم  لن يبلغوا قطعا مرحلة تناول الخبز مرفوقا بالماء وأننا بالمقابل نتدرج سنة وراء سنة نحو ديمقراطية حقيقية.

هذه القوى هي التي دفعت في سبيل الحرية والديمقراطية مهرا باهضا. دفعت زهرة أعمارها وعذاباتها ودماءه وأرواح العشرات منها  وليس من الهين أن تتخلى عنها ولا أن تسمح بردة أو عودة للاستبداد إلى بلدها.

(2)

أما غيرها من القوى التي تواطأت سرا أو علنا مع المخلوع وزبانيته فقد تسربت خلال تسعينات القرن الماضي في غفلة من الجميع إلى مفاصل الدولة وساهمت في الهجمة الشرسة على الهوية واشتركت في المؤامرة على الحريات الأساسية ومحاربة كل مظاهر التدين بل وبلغ الأمر بها إلى التسرب الممنهج  إلى وزارة الداخلية وممارسة العنف الثوري تعذيبا مؤدلجا بغيضا غير مسبوق على المناضلين والمناضلات. هذه القوى ماتزال على غيها وحقدها الأسود وعقيدتها الاستئصالية المرضية التي تدفعها دفعا إلى الوقوف وراء كل الإشاعات والأكاذيب والإفك لإشعال الفتن وتحريك خيوط الفتنة لعرقلة خصومها السياسيين.

ولئن فشلت هذه القوى المتمثلة أساسا  في الجبهة الشعبية ومشتقاتها وأذرعها في مفاصل الدولة والأحزاب الحاكمة والمعارضة ووسائل الإعلام وفي المنظمات الاجتماعية وحتى في قصر قرطاج في تحقيق أهدافها فإنها فشلت أيضا ومنذ الثورة في تسويق خطاب بنّاء يجمع ولا يفرق يبني ولا يهدم.

لأجل هذا كان حصادها هشيما تذروه الرياح في المحطات الانتخابية الثلاث التي أجريت بالبلاد منذ الثورة ولأجل هذا تتحرك بمفعول الجرعة الزائدة من الأحقاد لتربك التجربة الديمقراطية الناشئة التي لا أمل لها في أن تكون إحدى قواها البناءة الرائدة.

في ذكرى الثورة خرجت هذه القوى مرة أخرى لتعوي وترفع عقيرتها بشعارات الحقد والكراهية لتهوي من جديد إلى قاع ماكنا نتمنى أن تبلغه وماكنا نعتقد انها تستقر به.

(3)

في عيد الثورة التي قامت على منظومة الفساد والاستبداد تغيب من الشارع الأطراف التي بدد شباب تونس أحلامها وركلها إلى مزبلة التاريخ… تغيب لتنتحب وتندب حظها التعيس وتبكي مخلوعها الذي فر من البلاد. في حين تنتشر هنا وهناك أصوات حشرجة كريهة لبعض الوجوه الكالحة لقوادة الشعب الدستورية ومخبري البوليس السياسي ممن يرذلون الثورة ويطلقون عليها اسم “ثورة البرويطة” وغيرها من الأسماء المتهكمة التي لولا سماحة الثورة ونبل مقاصدها وقيمها لما كان لهم وجود على الساحة. ولعل أسوأ تعبيرة لهؤلاء عبير موسي ومن والاها من الأزلام ممن لم تحرمهم الثورة ودستورها من حق الانتظام والترشح والانتخاب والتعبير بحرية عن برامجهم وآرائهم ولكنهم عادوا باللائمة عليها دون خجل أو حياء أو تحفظ.

إن قوى الردة ممن كانوا متنفذين مستفيدين دون وجه حق من السلطة وسراديبها ومواقعها لا يمكن إلا أن يكونوا خصوما للثورة كافرين بها وبمجلوباتها ورافضين لمسار العدالة الانتقالية لأنهم يعدون الوشاية نضالا والانفراد بالسلطة عقيدة وسجن المعارضين أو اغتيالهم أو تهجيرهم منهجا.

ولعل غياب مختلف تعبيرات وتشكيلات النظام السابق عن شارع الثورة يوم عيد الثورة دليل آخر عن أن القديم غدا بلا شارع وأن دمه تفرق بين القبائل التي فقدت خيط المصلحة ورمزية “المجاهد الأكبر وسيد الأسياد” وأن الثورة لم تجب ما قبلها من طباع وأن عودتها إلى دوائر الفعل ومفاصل السلطة عبر تبني مقولات وشعارات الثورة ليست سوى تعبيرة من تعابير النفاق السياسي والوصولية التي تسري منها سريان الدم في الشرايين.

(4)

في الذكرى الثامنة للثورة لا يسعنا كتونسيين عايشنا زمن الاستبداد والظلم والفساد إلا أن نتذكر بفخر واعتزاز أياما خضنا خلالها أسمى صور النضال وأعتاها من أجل اقتلاع دكتاتورية ظلت جاثمة على صدور أبناء شعبنا منذ أمد بعيد… جسدنا خلالها أسمى معاني إرادة الحياة حتى استجاب القدر ومنح وطننا وسام الحرية والديمقراطية المعمدة بدماء الشهداء ونضالات الوطنيين باختلاف مرجعياتهم وانتماءاتهم .

ومن المؤكد أن ما تحقق من منجز في المسار السياسي يظل دون طموحاتنا بكثير وأن الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي حالت دون تحقيق الاستحقاقات التنموية وتوفير مواطن الشغل لشبابنا المعطل عن العمل لن تزيدنا إلا عزيمة وإصرارا على ممارسة حقوقنا الدستورية في الاحتجاج والتذكير بمطالبنا المشروعة حتى تتحقق.

أمّا الناعقون  والمرذّلون الذين يوظفون أوجاع الناس وأوضاعهم الاجتماعية الصعبة للبكاء على أطلال ” بوهم الحنين “والتحسر على أيامه فلا وجود لرد أفصح ولا أبلغ من شعار رفع يوم عيد الثورة نصهː “مهما صار ومهما يصير… تونس بعد الثورة خير”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.