رأي

الحقد الإيديولوجي والجشع السياسي

– بحري العرفاوي –

حين يُصرح رئيس حزب سياسي ـ مهما كان حجمه ـ وفي وسيلة إعلامية ـ مهما كان تأثيرها ـ بأنه إذا صوت له التونسيون في الرئاسة “فسوف يعدم كل أبناء حركة النهضة وعلى بكرة أبيهم” فإن الأمر لا يمكن أن يمر دون كشف عن دلالاته وخلفياته.

لا أعتقد أن هذا الشخص لديه من الشجاعة ما يجعله يتجرأ أكبر حزب سياسي له فيه شركاء في الوطن وفي الإرث الثقافي وحضاري والعقدي وله فيه أيضا ـ وبالتأكيد ـ ذوو صلة رحم وعلاقات مصالح.

ما الذي يجعله يُدرك هذا الحدّ من العنف السياسي بل من “الإرهاب” حين يهدد بإعدام جزء من الشعب ب”تهمة” انتماء لحزب له حضوره وفاعليته وامتداداته في الداخل والخارج؟.

ما كان لهذا الشخص أن يهذي بما هذى به لو لم يكن يُدرك أنه يتحرك في بيئة سياسية بلغت حدا من “التلويث” ومن التحريض ومن اللغو والضجيج حتى صار أمثاله يُدعَون إلى الإعلام يخاطبون التونسيين ويتكلمون في السياسة والتشريع ويُصدرون الأحكام ويتوعّدون أبناء وطنهم.

الجهلة والكسالى العاجزون ومن يُعانون تشوهات نفسية هم أعداء الحرية لا يُحسنون الاستفادة منها لصالحهم ولا يقبلون بأن يستفيد منها غيرهم حين يمارسها ضمن مشروع وطني إحيائي يتأسس على الأفكار والمعاني والجمال وعلى التنمية والتقدم علميا واقتصاديا وثقافيا ورياضيا وفنيا وديمقراطيا،الجهلة أعداء الحرية والديمقراطية وهم أعداء الحياة وهم أدواتٌ بين أيادي غيرهم يستعملونهم في تحريك مواقد النار ورماد الفتن.

مثل هذا اللغو يتنزل في أجواء ضد حركة النهضة ينخرط فيها سياسيون وإعلاميون ونقابيون ومثقفون وكثير من العوام وبأساليب ليست من منتجات الفكر ولا من مقتضيات لسياسة ولا حتى معارك الايديولوجيا،وإنما هي من إفرازات الغرائزية السياسية والجشع الفاضح لأصحابه حين يكشفون عما يُضمرون إذ يعبرون عن أمنيتهم في أن يدركوا انتخابات 2019 دون خصم سياسي يرونه أقدر منهم وأوفر حظوظا،وبدل منافسته بالعمل والمشاريع والبرامج يتمنون استئصاله من المشهد بتهم لم يؤكدها القضاء وبقضاء لم يقبل بأن يكون أداة بين أيديهم لذلك يُطلقون ألسنة الحمقى يهرفون بما يتمنونه :”إعدام” الخصوم.

هل تساءل المحرضون على منافسيهم السياسيين من شركائهم في الوطن بأنهم إنما يهددون المسار الثوري والانتقال الديمقراطي وأنهم قبل ذلك يهددون النسيج المجتمعي بخطاب هو من جنس خطاب “الحروب الأهلية”.

هذا “النهش” العنيف الذي يشهده الجسم المجتمعي هو أسوأ الحروب لأنه لا يطال الأجساد فتتعافى إنما يطال الأنفس والمشاعر والكرامة والأعراض والشرف وهو ما يصعب تعافيه أو تناسيه وقد تتوارثه أجيالٌ لم ندربها على حسن إدارة الاختلاف ولم نقدم لها نموذجا في رحابة الصدر والتسامح والتعالي عن صغائر الأمور من أجل عظائمها وهي وحدة التونسيين وسلامتهم البدنية والنفسية وسيادة الوطن.
هذه “الحرب” تُفقد المجتمع مناعته فلا يكون مستعدا للدفاع عن قضايا مشتركة تحت عنوان الدفاع عن السيادة الوطنية أو الدفاع عن هوية أو عن شرعية أو عن شرف الدولة والوطن والشعب.

هذا “النهش” يحول الشعب إلى ركام بشري بغير كيمياء جامعة وبغير روح انتماء أو وشائج هوية.

ليس في هذا تشاؤم ولا يأس ولكنه تشخيص وتنبيه ومازال بعض وقت لاستنقاذ ما يمكننا أن نواجه به مشروع إبادة لحلم كبير تفجر ذات ديسمبر 2010 جانفي 2011 تكاد شروطه تكتمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق