رأي

دائرة المحاسبات..
هل هي فوق المحاسبة؟

– محمد الحمروني –

مازالت الساحة السياسية تعيش على وقع التسريب الفضيحة لوثيقة رسمية موجهة من دائرة المحاسبات إلى البنوك التونسية والبريد التونسي للتحري عن الحسابات البنكية والبريدية ولبعض قيادات حركة النهضة. الدائرة أوضحت أن التحري لا يخصّ النهضة وأنه يشمل كلّ الأحزاب المشاركة في الانتخابات البلدية داعية إلى عدم اقحام عملها في التجاذبات السياسية وهي خطوة جيدة وتعبّر عن تشبع بثقافة الدولة الديمقراطية التي لا مجال فيها لتوظيف الأجهزة الرسمية لفائدة طرف سياسي أو ضد طرف آخر.

تونس عاشت عقودا اقترنت فيها الهرسلة المالية والجبائية بالاستبداد السياسي الأمر الذي تجاوز حدّ استهداف المعارضين إلى المؤسسات الديبلوماسية ذاتها كما حدث مع المدرسة الأمريكية قبل الثورة في ذروة البحث عن سبل لإفراغ الساحة التعليمية لمدرسة السيدة الأولى.

دخلت تونس مرحلة حكم الهيئات المستقلة وهي مرحلة لها فوائدها في تثبيت دعائم الحكم المؤسساتي وتقليم أظافر التسلط “الدولاتي” نسبة إلى الدولة ولكنها بكل تقدير مرحلة انتقالية تتميز بالهشاشة وبإمكانية التأثر بالمحيط

النهضة تفاعلت بهدوء مع تسريب القائمة المطلوب التحرّي عنها قبل أن تثمن بلاغ دائرة المحاسبات مطالبة بتوضيح ملابسات تسريب الوثيقة وهي مطالبة معقولة جدا بل دون المستوى المطلوب في التعاطي مع ما يمكن أن يتحول إلى فضيحة دولة بامتياز في سنة انتخابية إذا لم تتعاطى دائرة المحاسبات بجدية مع الموضوع ولم تقدم أجوبة دقيقة ومثبتة تؤكد أنها طبّقت القانون دون شبهة توظيف أو تعسف.

لقد دخلت تونس مرحلة حكم الهيئات المستقلة وهي مرحلة لها فوائدها في تثبيت دعائم الحكم المؤسساتي وتقليم أظافر التسلط “الدولاتي” نسبة إلى الدولة ولكنها بكل تقدير مرحلة انتقالية تتميز بالهشاشة وبإمكانية التأثر بالمحيط وخاصة في ظل صراع محموم بين رأسي السلطة التنفيذية وعجز مجلس نواب الشعب عن لعب دوره الرقابي بشكل دستوري بعيدا عن الخلافات والتجاذبات.

عمل دائرة المحاسبات يتصل بالانتخابات وتمويلها فقط ولا يتعلق بمالية الحزب عامة

الدائرة قالت أن التحري يدخل في صلاحياتها وأنه لا يشمل حزبا بعينه بل كل الأحزاب ولكنها لم توضح الآتي: أولا: أن عمل الدائرة يتصل بالانتخابات وتمويلها ولا يتعلق بمالية الحزب عامة فهو توسع في المهمة يبدو غريبا بالتركيز على عدد محدود من القيادات من بينهم رئيس الحركة ورمزها راشد الغنوشي. ميزانية الانتخابات شيء ومالية الحزب شيء والحسابات الشخصية لقيادات الحزب شيء آخر تماما هذا إذا ما تجاهلنا التحري عن نواب يملكون الحصانة. قد يقول قائل إن هذا إجراء فني لا يناقش، والجواب هنا أنه اجراء شاذ وغريب وفيه بعد عن المهمة الأصلية وهو بالتالي يحمل شبهة التوظيف والتحامل والتعسف في استخدام السلطة.

ثانيا: ذكر بلاغ الدائرة أن الإجراء لا يخص حركة النهضة والمعطيات المتوفرة تؤكد أنه لم يصدر إلى حد الآن ما يفيد بتوجيه مراسلات تخصّ التحرّي عن شخصيات حزبية أخرى لا للبنوك ولا للبريد. وقد يقول قائل أن الوثيقة المسربة هي البداية فقط وأن الدائرة ستطلب تحريات عن الحسابات الشخصية لحمة الهمامي وحافظ قائد السبسي وأحمد نجيب الشابي وسامية عبو وأحمد الصديق وغيرهم… وأن هذه الشخصيات سترحب بهذا الإجراء كما فعلت النهضة وستتعامل معه بالانضباط.

ثالثا: لم يشر بلاغ الدائرة إلى خطوات عملية لكشف الطريقة التي تم بها التسريب والتوقيت والهدف، هذه التوضيحات تقتضي في الحقيقة مبادرة ذاتية من الدائرة بتوضيح المسكوت عنه في بلاغها وخاصة ما يتصل بعدم وجود اَي تحريات تشمل حسابات الأحزاب الأخرى وقياداتها خاصة وأن الألسن الخبيثة تتحدث عن وعود ما بالتعيين في المحكمة الدستورية لبعض أعضاء الدائرة وهذا أمر نستبعده بالطبع ونحن نعتبر كل أعضاء الدائرة فوق مستوى الشبهة.

قد اثبتت التحريات المطلوبة أن النهضة لا تهيمن على الدولة عبر مشاركتها في الحكومة وهذا مفخرة لها ولأبنائها ولكن ما حدث يغذي الانطباع السائد لدى آلاف النهضويين بأن حزبهم مازال مهددا بالاستئصال

طبعا السؤال المطروح هو إذا ما تعذر على الدائرة مساءلة ذاتها فمن يقوم بذلك هل هو مجلس القضاء الأعلى أم الكتابة العامة للحكومة أم مجلس نواب الشعب المطالب بعقد جلسة استماع على الأقل لمحافظ البنك المركزي للبرهنة على أن هذا الإجراء لم يشمل حزبا فقط. إننا بقدر اعتزازنا بعمل المؤسسات إلا أننا نشعر بشيء من التوجس ممّا حدث وأن الاكتفاء بالقول بأن الدائرة سيدة نفسها ليس ديمقراطيا فهي حرة في القيام بكل الأعمال القانونية ولكنها مطالبة بالتعليل والتفسير والشرح. وإلا فإننا سنكون ازاء فضيحة دولة بامتياز وسلوك غير مبرر ولا يمكن السكوت عنه في دولة ديمقراطية وفي سنة انتخابية يجب أن تعود فيها الكلمة للشعب بكل حرية ونزاهة وفي إطار المنافسة الحرة. لقد اثبتت التحريات المطلوبة أن النهضة لا تهيمن على الدولة عبر مشاركتها في الحكومة وهذا مفخرة لها ولأبنائها ولكن ما حدث يغذي الانطباع السائد لدى آلاف النهضويين بأن حزبهم مازال مهددا بالاستئصال وأنه مخير بين المشاركة الرمزية في الحكم والهرسلة والاستهداف وهو ما لا يبني ديمقراطية حقيقية وجدية. إن دعوات البعض إلى التوازن السياسي مع النهضة تبدو أحيانا كلمات حق يراد بها باطل إن كان التوازن يعني الرضوخ والتسليم والعيش تحت التهديد باستخدام الدولة وهذا خيار مرفوض ولا يمكن قبوله. إن الديمقراطية كل لا يتجزأ وإذا كان من واجب النهضة أن ترفض الهيمنة على المشهد السياسي حتى من طرفها فالمطلوب من القوى الأخرى أن ترفض الاستهداف السياسي لأي طرف كان وأن تضع كل من يعمد إليه في مرمى التشهير والإدانة والتنديد.

وفي انتظار جلاء الحقيقة من المهم أن نؤكد أن التجربة التونسية مازالت صلبة وأنها تستند إلى مقومات عتيدة ولا خوف بالتالي عليها من الانهيار الذي يريده البعض ويعمل على تهيئة أسبابه والاستثمار في ذلك بكل قوة وشراسة. تعاملت النهضة بذكاء مع محاولات ابتزازها الإعلامي والسياسي والكرة الآن في ملعب دائرة المحاسبات المدعوة إلى أن تحاسب نفسها فإن عجزت عن ذلك فلا حصانة لأحد أمام القانون الذي يكفل تقييد المؤسسات في إطار البناء الديمقراطي وانطلاقا من الطلاق البائن بين بلادنا وميراث الاستبداد الذي من أركانه توظيف الدولة ضد الخصوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق