موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

6 فيفري.. يوم أسود في تاريخ تونس

0

– لطفي هرماسي –

6 فيفري 2013… الساعة التاسعة والنصف صباحا

كنت منغمسا في العمل حين رنّ جرس هاتفي رنينا متواصلا لم أعره اهتماما في البداية لكنني لإصرار صاحبه رفعت السماعة ليبلغني بخبر صاعق ذهلت له… لقد أصيب المنسق العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد شكري بلعيد بطلق ناري نقل على إثره إحدى العيادات الخاصة في وضع تصفه وسائل الإعلام بالخطير.

أحسست بهول الفاجعة وبخطرها على الوضع العام بالبلاد التي تخطو أولى خطواتها في مسار الانتقال الديمقراطي الهش وتوقعت منذ اللحظة الأولى أن تكون تونس ما قبل يوم 6 فيفري 2013 مختلفة عما بعده.

 

توقفت عن كل نشاط وكل عمل وانخرطت في سلسلة من المكالمات التي رمت من خلالها الاطمئنان على صحة الفقيد راجيا من الله سلامته ونجاته لأجله ولأجل عائلته ولأجل رفاقه ولأجل تونس التي لم تكن تحتمل حدوث جريمة بتلك البشاعة وبذلك القدر من العبثية بأمنها ومستقبلها.

مر دقائق وكأنها ساعات وإذا بالخبر السيء يتأكد وتتأكد معه وفاة الشهيد… كارثة بأتم معنى الكلمة. كارثة مغرقة في الوجيعة والألم انحبست معها الانفاس في ما يمكن أن تنتج عنها من تداعيات خطيرة.

دون تردد اتصلت بكل أصدقائي في حزب الوطد لتقديم واجب التعازي مبتدئا بالصديق النائب عن الجبهة الشعبية أيمن العلوي الذي كان آنذاك منسقا جهويا للوطد بالقصرين وظللت متيقظا متابعا لكل الأحداث والأخبار والأنباء وردود الأفعال والتصريحات التي رافقت الحادثة وكانت مقاربة الجميع لمعالجة الأزمة تماما كما توقعت… تصريحات خطيرة يتهم فيها أصدقاء الشهيد وأنصار الجبهة الشعبية الخصم السياسي اللدود حركة النهضة بالوقوف وراء اغتياله… بل وأكثر ممّا توقعت تحديد المتهم وتدوين حيثيات الاتهام وإصدار الأحكام والتعجيل بتنفيذها قبل أن يفتح في شأنها تحقيق امني وقضائي.

6 فيفري 2013 كان يوما أسود من أيام تونس ففيه اغتيل غيلة وغدرا أحد زعماء المعارضة الذين كانت تحتاجهم البلاد في انتقالها الديمقراطي الذي يحتاج تعددية حقيقية وصوتا آخر وفكرة أخرى غير تلك السائدة والتي تصوغها عادة الأحزاب الفائزة بالأغلبية في الانتخابات والتي لم يكن من ضمنها حزب الشهيد.

6 فيفري 2013 كان يوما حزينا كئيبا كريها كراهية المرارة والوجيعة والألم الممض الذي أحرق قلوب أحبة الفقيد.. حزينا كئيبا كريها كراهية الشعارات الحاقدة التي ارتفعت في موقع الجريمة ومنزل الشهيد وفي المصحة التي نقل إليها وأثناء الجنازة تتهم خصما سياسيا لم تكن له أية مصلحة في سقوط قطرة دم واحدة في زمن كان يمارس فيه تجربة الحكم لأول مرة في تاريخه فما بالك بجريمة تطال أحد أبرز وأشرس خصومها من المعارضة.

6 فيفري 2013 كان يوما مخيبا للآمال انكشف خلاله ضعف أداء حكومة الترويكا وقلة خبرتها في إدارة الشأن العام وخاصة في جانبه الأمني مما أدى إلى تهاويها وسقوطها بمفعول تتالي الأحداث بشكل دراماتيكي خاصة إثر بلوغ الاحتجاجات ضدها مبلغا خطيرا بعد وفاة الشهيد محمد البراهمي وتعليق نشاط المجلس الوطني التأسيسي من قبل رئيسه الدكتور مصطفى بن جعفر واعتصام نافورة باردو.

ولاريب ولا جدال أن حكومة الترويكا وحركة النهضة باعتبار حجم مشاركتها وتحملها لأكبر قسط من أعباء الحكم إثر انتخابات أكتوبر 2011 تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في الاغتيالين السياسيين اللذين استهدفا قياديين في الجبهة الشعبية ولكنها لا يمكن أن تظل إلى الآن وبعد مرور ستة أعوام عن الحادثة تتلقى ببرود تام الاتهامات بالضلوع في جريمة الاغتيال وفي تكوين جهاز سري يخترق أجهزة الدولة لأن صمتها وعدم مقاضاتها لهيئة الدفاع عن الجبهة الشعبية (بطلب منها) لا يمكن أن يؤول إلا لغير صالحها.

على أنه ليس من المبرر ولا من الوجاهة ولا من المعقول من ناحية أخرى أن ترفض الجبهة أي حكم وأي قرار قضائي وأي مقاربة ولا أي تعاط مع القضية لا يورط المتهم الذي اختارته منذ اليوم الأسود الذي ارتكبت فيه الجريمة. كما أنّه ليس من المقبول أن يصير القضاء ووزارة الداخلية متهمين بالتواطؤ مع حركة النهضة مالم يصادقا على محضر البحث والحكم الباتين الجاهزين الذين أعدتهما هيئة انتخابات الجبهة الشعبية وأذرعها في قصر قرطاج وبعض وسائل الإعلام والمنظمات الوطنية.

إننا في الذكرى السادسة لاغتيال شكري بلعيد لا نملك إلا أن ندعو الأجهزة الأمنية والقضائية للتسريع في البت في كل مالم تبت فيه في علاقة بقضية الاغتيال رغم صدور أحكام قطعية في حق المورطين فيه؛ وفي علاقة بحقيقة وجود جهاز سري لحركة النهضة حتى تنصرف البلاد لفتح ملفات أخرى تهم الأحياء وتضع حدا للحسينيات والبكائيات والاستثمار المرضي في أرصدة الشهداء والأحقاد والتهارج السياسي الذي لا ينتهي والذي لا مناص من وضع حد له من قبل أجيال تطبعت بالحقد والبغضاء ومعاداة الرأي المخالف ومحاصرته وتجريمه منذ منتصف سبعينات القرن الماضي (وغم ادعائها التشبع بمبادئ الديمقراطية) لتترك المشعل لأجيال شابة قادرة على التخفف من أحقاد الماضي وأوجاع الماضي وعداوات الماضي.

وإذا كنا نتعمد من حين لآخر إيهام أنفسنا باستقلال قرار المنظمات الاجتماعية وخاصة منها الاتحاد العام التونسي للشغل عن الأحزاب السياسية فإننا سرعان ما نثوب إلى رشدنا ولا نتعجب من اختيار يوم 6 فيفري دون غيره من الأيام من قبل الجامعة العامة للتعليم الثانوي ليكون يوم غضب للأساتذة في تزامن عجيب مع اختياره من قبل حمة الهمامي يوما للغضب والمطالبة بإسقاط الحكومة لتستفيد الجبهة من تحرك الأساتذة وتستفيد الجامعة العامة من تحرك الجبهة ويتحقق الحلم المشترك… “إسقاط حكومة الارتهان لقرارات صندوق النقد الدولي” “اليمينية الليبرالية المتوحشة” “حكومة النهضة ويوسف الشاهد”… ألم يقل الأسعد اليعقوبي بكامل الفخر والاعتزاز “نحن الجبهة نحن حركة الشعب نحن كل القوى التقدمية…” ردّا على اتهامات وزير التربية بأن تحركات الأساتذة تندرج ضمن أجندة سياسية لطرف سياسي؟

6 فيفري يوم أسود لا يذكرنا باغتيال الشهيد شكري بلعيد فحسب بل يذكرنا أيضا بجريمة اغتيال الطفولة متمثلة في رحمة وسرور اللتان توفيتا متأثرتين بحروقهما بمبيت الفتيات بمعهد 25 جويلية بتالة في نفس اليوم من السنة الماضية.

رحمة وسرور شهيدتان، تتحمل الدولة ما حدث لهما، لأنها ضحيتان لكل الظروف الرديئة التي اجتمعت حولهما.. الفقر، والمعهد، والمبيت الذي وعد المكتب التنفيذي للاتحاد بإعادة بنائه وتجهيزه أحسن تجهيز ولكنه لم يف بوعده بعد، والمستشفى الذي لم تنطلق أشغال بنائه بعد رغم الوعود وحجر الأساس الذي وضع منذ سبع سنوات.

6 فيفري يوم أسود حزين كئيب فقدت فيه المجموعة الوطنية زعيما سياسيا في حادثة هي الأسوأ تكلفة وضررا ومسؤولية أخلاقية للدولة بعد الثورة لتلحق به في نفس التاريخ رحمة وسرور في حادثة تعد وصمة عار هي الأخرى في جبين دولة عجزت عن توفير ضروريات الحياة بمدينة من أعرق مدن البلاد، يشعر أهلها انهم يعاقبون بسبب دورهم في الثورة وأن أطفالهم الذين يحاكمون هذه الأيام أحكاما قاسية بسبب مشاركتهم في احتجاجات ديسمبر2018 وجانفي 2019 مطالبون بالموت بردا وجوعا وفقرا وربما حرقا دون أن يكون لهم الحق في التعبير أو الاحتجاج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.