موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الاندماج المغاربي .. الفرصة المهدورة

0 41

– فائزة الناصر –

شنفوا أسماعنا بالحديث عن السيادة الوطنية، صدّعوا رؤوسنا بحديثهم عن ارتهان الدولة لصندوق النقد الدولي وخضوعها لإملاءاته.. يزايدون ليلا نهارا بمسألة غياب الاستقلالية في القرار السيادي وفي الخيارات الاقتصادية والتبعية لدوائر القرار الدولي والمديونية للصناديق الدولية.. وكأنّنا اليوم في وضع يسمح لنا باستقلالية القرار أو الاختيار الحرّ أو فرض سيادتنا الوطنية..

وضع نشهد فيه انخراما في الميزان التجاري فاق كل التوقعات، ونسبة تضخم فاقت كل المستويات المعقولة واختلالا  في الموازنات المالية يعيق قدرة الدولة على سداد ديونها التي بلغت 93 مليار دينار، ونسبة نمو تراوح مكانها، وانزلاق للدينار إلى أدنى مستوياته، في مشهد كهذا ربما خطاب المزايدة بالسيادة الوطنية واستقلالية القرار كان يمكن أن يسمع ويجد له أذان صاغية وعقول متدبرة لو تحدثت هذه الأطراف النائحة في المقابل عن حلّ تاريخي ونهائي لمسألة السيادة واستقلالية قرارنا واختياراتنا الاقتصادية مثل البحث في محيطنا الإقليمي عن بناء تكتلات وتحالفات لمواجهة الصعوبات الاقتصادية الداخلية وفتح ورشات للحوار حول ملف التكامل المغاربي والسوق المشتركة وحريّة تنقل الأشخاص والسلع ووحدة النظام الضريبي ومن ثمة وحدة العملة وغير ذلك، ولكنّها خيرت النحيب واللطم على غياب السيادة الوطنية والارتهان للصناديق الدولية بدل تقديم الحلول الجذرية والبديلة..

تمرّ على بلدنا، كما على سائر بلدان المغرب العربي، الذكرى الثلاثون لتأسيس اتحاد المغرب العربي. هذا الصرح الإقليمي الذي انبعث ذات 17 فيفري سنة 1989 حاملا حلم أجيال بخلق قوّة موحّدة تعمل على تقوية دور بلدان شمال إفريقيا في العالم ودعم التقدم الاقتصادي والاجتماعي. تمرّ هذه الذكرى دون أن نحسّ من ثكالى غياب السيادة الوطنية من أحد أو نسمع لهم ركزا، لم يخرج أحد هؤلاء المزايدين ليناقش أو يقترح طرح مسألة إحياء الاندماج المغاربي كإطار إقليمي قادر على تعزيز استقلالية القرار وسيادته وقادر على تجنيبنا الارتهان لإملاءات صندوق النقد الدولي أو الدول المانحة، كما هو حال محيطنا الاقليمي والدولي الذي يشهد منذ عقود بناء التكتلات والتحالفات لمواجهة التحدّيات الدوليّة، كلبنات متكاملة تمليها الحاجة إلى مواجهة تحدّيات العولمة وما يتمخّض عنها من تنافسية شديدة من جهة، أو بهدف تحصيل أكبر قدر ممكن من المنافع الاقتصادية لشعوبها وضمانا للتدفق السلس للسلع والخدمات وانسيابية اليد العاملة والمواد الخام ورؤوس الأموال من جهة أخرى.. فضلا عن  الوصول إلى أعلى درجات التنسيق السياسي وتحسين فرص الدفاع عن مصالح الدول المشكلة لتلك المجموعات كما هو واقع الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر في حد ذاته نموذجا فريدا يمكن الاحتذاء به على الرغم من الصعوبات التي رافقت نشأته ولازالت..

فماذا لو نظرنا إلى الدول المغاربية التي تملك هي الأخرى من مقوّمات التكامل والاندماج الاقتصادي الشيء الكثير، ليس فقط باعتبارها بنية ثقافية وأنثروبولوجية واحدة، الشيء الذي يمكن أن يعتبر عاملا مسهّلا لقيام أي تكتل حقيقي بخلاف مجموعات اقتصادية أخرى حيث التباينات الثقافية متجلية بوضوح، ولكن أيضا باعتبارها سوقا تجاريا يفوق تعداده تسعون مليون مستهلك، إلى جانب ما تزخر به بلدان المنطقة من إمكانيات اقتصادية وموارد هائلة كالطاقة أو الثروات السمكية أو الفلاحية أو المؤهلات السياحية واليد العاملة المؤهلة وقربها من أسواق عالمية كأوروبا وإفريقيا، وهي كلها عوامل مساعدة يمكن أن تضع المنطقة المغاربية في مصاف الدول الواعدة اقتصاديا.

لكن واقع الحال للأسف، يشير إلى أن هذه المقوّمات لا يتم استغلالها كما لم تتم الاستفادة من تجارب نماذج مشابهة عبر العالم، حيث لا تزال التجارة البينية هي الأدنى من نوعها في العالم إذ لا تزيد عن 3 % من حجم التبادل التجاري بحسب خبراء اقتصاديين، بينما تصل هذه النسبة إلى 25 % في دول جنوب شرق آسيا و70 % في أوروبا، ويزداد الأمر تعقيدا وصعوبة يوما بعد يوم، ليس فقط بسبب اختلاف الأولويات ووجهات النظر بل بسبب عدم توفر إرادة سياسية ودفع من طرف النخب السياسية التي تندب حال الاقتصاد المحلي المرتهن للدوائر الغربية المانحة في هذا الاتجاه وبكل قوتها وعزيمتها وتفتح قنوات حوار مشتركة بين مختلف نخب الاتحاد المغاربي لتذليل كل المعيقات..

ومن المؤلم ما كشفته مؤخرا دراسة أعدّتها إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطي بصندوق النقد الدولي من “أنّ إجمالي الناتج المحلّي المشترك لبلدان المغرب العربي كان من الممكن أن تبلغ، في صورة الاندماج، سنة 2017 حدود 360 مليار دولار (يعادل دخل الإمارات) وأنّ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الاقليمي يمكن أن يصل إلى 4 آلاف دولار أمريكي”.

وتوصلت هذه الدراسة، التي حملت عنوان “الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يستغل بعد”، إلى أن تحقيق الاندماج المغاربي يتطلب تخفيض حواجز التجارة والاستثمار وربط الشبكات وتحرير أسواق السلع وتحسين مناخ الأعمال إلى جانب تكامل الاندماج الإقليمي مع اندماج المنطقة عالميا.

واعتبرت أنه ينبغي على الحكومات المغاربية، إذا ما أرادت المرور إلى مرحلة الاندماج، رسم حزمة أهداف مشتركة من بينها التفاوض بشأن اتفاقية جديدة للاندماج ووضع آليات لخلق الوظائف من خلال زيادة النمو وانفتاح النموذج الاقتصادي لكل بلد وتحقيق التنمية الشاملة للجميع وتوسيع دائرة التجارة الاقليمية.

وقد حققت البلدان المغاربية حسب دراسة صندوق النقد الدولي (ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا) بشكل فردي، تقدما كبيرا على المستوى التجاري لكنها لا تزال تشكل المنطقة الأقل اندماجا على مستوى العالم طالما التجارة البينية تقل عن 5 % من التجارة الكلية في بلدان المغرب العربي، وهو رقم أقل بكثير من كل الأرقام المسجلة في كل التكتلات الأخرى في العالم.

وسيوفر الاندماج، الذي تسببت في تعطيله وإرباكه اعتبارات جغرافية وحسابات وخلافات سياسية بين الجزائر والمغرب، وتشريعات اقتصادية تقليدية وحواجز جمركية وغير جمركية وعدم تطوّر البنية التحتية، والعمليّات الارهابية على الحدود وارتفاع متوسط كلفة التصدير وضعف شبكات النقل البري والبحري والحديدي، إلى جانب القيود على حركة رؤوس الأموال، سيوفر سوقا تضم نحو 100 مليون نسمة بما يجعل من هذه المنطقة وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر ويخفض تكاليف حركة التجارة ورأس المال والعمالة ويكسب المنطقة مزيدا من الصلابة لمواجهة الصدمات الخارجية وتقلب الأسواق، بحسب الدراسة.

وانتهى معدو الدراسة، إلى أن اندماج دول المغرب العربي، يمكن أن يقوم بدور مهم في استراتيجية تشجع زيادة النمو في المنطقة خاصة في ظل تقديرات مختلفة تشير إلى أن الاندماج الاقليمي قد يسهم في زيادة النمو في كل بلد مغاربي بنحو نقطة مائوية على المدى الطويل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.