موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الشاهد .. رئيس حكومة في معطف المارد

0 170

– نور الدين الختروشي –

يمكن القول أنّنا ومنذ انتخاب رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات قد دخلنا الزمن الانتخابي في ظل تطورات مفاجئة للمشهد العام والخارطة الحزبية لعل أبرز تلك التطوّرات التي يمكن أن  تلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية في المدى القريب هو تشكّل حزب الشاهد الذي اختار له أنصاره مدينة الزعيم بورقيبة للإعلان عنه.

وبقطع النظر عن المرحّبين بالمبادرة من حيث المبدأ، أي من حيث الحق الدستوري في تكوين الأحزاب والجمعيّات، والمحترزين عنها أو المعارضين لها بدعاوي متعدّدة، أهمها خشية جزء كبير من الرأي العام من إمكانية توظيف مقدّرات الدولة في تأسيس الحزب.

بقطع النظر عن المواقف المساندة أو المعارضة لحزب الشاهد، فالثابت أننا أمام تحوّل جديد في الخارطة الحزبية وموازين قوّة متحركة، لعل أبرز مؤشراتها تقلّص حضور حزب نداء تونس، وبروز طرف حزبي وازن في المشهد من جبّة النداء، بل وفي مقابله، وبالضدّ عنه هيكليا، رغم انه “الشبيه” رؤية ومضمونا.

حزب نداء تونس الذي كان حالة استثنائية تقترب من الشذوذ في لحظة تأسيسه ومسار تطوره واستواءه على سوقه، كان أيضا حالة استثنائية في مسار تفكّكه وتحلّله، سواء من جهة سرعة نسق التفكك  التي واكبته، أو من جهة العبثية التي استغرقت بروز شقوقه ومشتقاته على الساحة.

الجديد مع حزب الشاهد بالمقارنة مع السابقين في مسار الانشقاقات التي عرفها حزب النداء هو جذرية رغبته في وراثة مشروع النداء، فقد جاءت ولادته في شكل إعلان حرب تطهير شاملة ضد الحزب الأم.

الشاهد لم يختلف مع حزبه الأمّ على آليّات تسييره، أو انحراف خطّه السياسي، كما كانت الحالة مع مبادرات الانشقاق السابقة رغم أن شيئا من هذا قد حضر في خطاب الشاهد ومن معه في تبرير خطوة التأسيس، ولكن البارز للمتابع النابه لمسار خروج الشاهد أن الرجل بصدد افتكاك إرث النداء أفكارا (فكرة النمط التونسي والحداثة  والبورقيبية)، وموروثه السياسي (فكرة التوازن مع النهضة)، ورصيده البشري (نواب الحزب وإطاراته التي التحقت بأجهزة الدولة).

فالشاهد وإن كانت خطوته من حيث الشكل تأسيسية، فقد أبدى قدرة وازنة على حسم خصومته مع نجل الرئيس، وسرعة فائقة على اعادة ترتيب توازن الساحة بعنوان موت النداء، فاذا كانت مبادرات الانشقاق السابقة على النداء قد أضعفته، فإن مبادرة الشاهد الأخيرة قد أنهت عمليا وجود النداء،  وأعلنت نهايته.

ليس مهما التركيز على دور حركة النهضة في إسناد الشاهد ودعمه المباشر، أو غير المباشر، في تفسير سرعة تحوّل الشاهد من وزير أول لدى القصر إلى رئيس حكومة كامل بصلاحيات دستورية تفوق صلاحيات الرئيس،  ومن رجل النداء في القصبة إلى سكين في خاصرة الحزب الذي فوّضه. الأهم من كل هذا – وهو مهم – في تقديري التركيز على جرأة الشاهد لحظة رفضه لرغبة قرطاج في تغييره، واستماتته في صراعه المفتوح مع السبسي الصغير، ودفع الصراع معه إلى أقاصي القطيعة الجذرية بمنطق “أنا أو أنتم”.

فالرّوح القتالية العالية والمفاجئة للشاهد كانت المحدّدة في تمسك النهضة به، فالنهضة التي كانت وراء بقاء الشاهد /الوزير، لا شك أنّها تفاجأت بالشاهد /السياسي الذي لم يكتفي بإبداء رغبته في البقاء في القصبة، بل برز كزعيم جديد طموحه يتجاوز بكثير مهمته “القصيرة” في الوصول بالقاطرة الرسمية إلى محطة الانتخابات.

فقد لبس الشاهد جبة الكائن السياسي الشرس الذي يموء في داخله جوع متجدّد للسلطة، ومن أجل إطفاء نهمه الباطن والظاهر للحكم، استعمل كل المتاح السياسي للتخلص من سلطة قرار القصر أوّلا، ومن سلطة وصاية الحزب (النداء) ثانيا، ومن سلطة رقابة الشريك (النهضة) ثالثا.

الشاهد الذي بدأ معركته بتهشيم صورة الرئيس، وإعلان الحرب على نجله،  يبدو أنّه بصدد الإفلات الأنيق من دائرة الرقابة المعنوية التي مارستها عليه النهضة إلى وقت قريب. ولعل تجاوز الشاهد لمطلب النهضة في أن يعلن عدم نيّته  للترشح للانتخابات القادمة، رسالة قويّة في اتجاهها بأنه بصدد صناعة مستقبله السياسي في أفق الزعامة السياسية التي لا تكتفي بالحضور في المشهد، بل الطامحة إلى تغيير معادلاته وموازين القوّة المتحكمة في مآلاته.

عرفت الحالة التونسية باستثناءاتها المتواترة، والشاهد يمثل بالنهاية حلقة في مسلسل الاستثناء التونسي، فلا أحد تصوّر أو تنبأ بسرعة تحول الشاهد من “عجينة صلصال” في يد الرئيس ونجله، إلى المهندس الجديد لمشهد حزبي وسياسي متحرك في كل الاتجاهات ومفتوح على كل الممكنات.

صحيح أنّه لولا اعتراض النهضة على الفصل 64 من وثيقة قرطاج، لما بقي الشاهد، وصحيح أكثر أنه لولا موقعه الدستوري على رأس الجهاز الحكومي لما تشكّل حوله حزام برلماني وسياسي بهذا الحجم والعمق، ولكن يجب الإقرار بالعامل الذاتي المتصل بالقدرة الشخصية على الاستفادة من معطيات الساحة المتصلة أولا باستغلال تصدّع العلاقة بين النداء والنهضة عشيّة الانتخابات الجزئية بألمانيا، ورعونة نجل الرئيس وجنرالاته في حزب نداء تونس، وخفة الرئيس في الاستجابة لعبث الندائيين بعنوان التوافق، وحالة الترهل العام الذي أصابت حزب النداء في الأشهر الأخيرة، ومنطقة الفراغ التي برزت بتقلص تأثيره في مربع التوازن مع النهضة. هذه المؤشرات وغيرها أحسن الشاهد وفريقه التقاطها للمضي قدما في استراتيجية السطو الممنهج على إرث وميراث النداء وموقعه من خارطة التوازن الحزبي.
الحاصل أن الشاهد يكبر ويكبر بسرعة، ولا أحد من قرطاج إلى مونبليزير مرورا بالبحيرة   قادر على فرملة سرعة النسق الذي يتطوّر به الشاهد من رئيس حكومة مستأمن على الاستقرار السياسي وتوفير مناخ انتخابي سوي، إلى زعيم وازن ومؤهل للعب أدوار مفصلية  في هندسة المشهد الانتخابي وخارطة توزيع المواقع والأدوار بعده.

قد تصحُّ مخاوف المحذرين من “ظاهرة الشاهد”، وقد تثبت بشائر المتحمّسين له، ولكن ما صح إلى حدّ اليوم أن الرجل بصدد تغيير موازين القوّة بإمعانه في “قتل الأب”، وإصراره لا على هزيمة غريمه نجل الرئيس، بل على  تكفين ودفن نداء تونس وَشطبه نهائيا من دائرة رسم مستقبل العملية السياسية، وهذا لن يكون دون ثمن ودون تداعيات على مؤشر الاستقرار السياسي وعلى المشهد السياسي الذي تهيمن عليه الحسابات الانتخابية في ظل أزمة سياسيّة تراوح مكانها بين مؤشرات الانفراج والتعقيد في خط دائري أصبح مملا بقدر ما هو مضر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.