أهم الأحداثرأي

تصريح الغنوشي .. مناورة أم طبخة جديدة؟

– محمد الحمروني –

يوم الأحد الماضي كان برنامج عمل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يقتصر على الإشراف على عدد من المؤتمرات المحلية لحزبه في أجواء احتفالية عاديّة تعكس ترسخ ثقافة الديمقراطية داخل مؤسسات الحزب التي لم تنقطع فيها سنّة المؤتمرات والانتخابات حتى في ذروة القمع خلال عهدي بورقيبة وبن علي. كان نشاطاً عاديا تحوّل إلى زلزال سياسي بتصريح فاجأ الجميع بما في ذلك الداخل النهضوي.

لماذا لم ينتظر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تنظيم ندوة صحفيّة لإبداء الموقف الجديد من حكومة الشاهد

ما الذي حصل ليتحدّث الغنوشي لأوّل مرّة عن إمكانية اللجوء لحكومة انتخابات أو حكومة تكنوقراط؟ ولماذا لم ينتظر تنظيم ندوة صحفية للإعلان عن ذلك؟

مصادر مؤكّدة أوضحت أن التصريح جاء بقرار فرضته عدّة معطيات وفي سياق تراكمات وشعور من رئيس حركة النهضة بأن الطرف الآخر ونعني به مجموعة “تحيا تونس” تتصرّف بمنطق الأمر الواقع وأن بقاء الحكومة إلى غاية الانتخابات أصبح محسوما وأن النهضة لم يعد لها من خيار سوى العودة إلى وضعية التوافق مع النداء أي نحن نحكم وأنتم تشاركون.

رفض الإطاحة بالحكومة لم يكن تمسّكا بالشاهد ولا دفاعا عنه بل موقفا شجاعا دفاعا عن الدولة وعن موقع النهضة في منظومة الحكم

الغنوشي حين رفض الإطاحة بيوسف الشاهد لم يكن ينوي تشجيعه على تكوين حزب أو التمرّد على رئيس الجمهورية وحزبه النداء. وتؤكّد مصادرنا أنّه لم يحدث أي نوع من التنسيق بين الطرفين وأن موقف الشيخ لم يكن في نطاق صفقة مع الشاهد أو برغبة القطع مع سي الباجي .

لم يكن وقتها ثمة ما يوحي بسيناريو كتلة الشاهد أو باستقالة سليم العزابي أو بتحوّل وليد الجلاد ومحمود البارودي إلى ناطقين باسم الحزب الجديد.

رفض الإطاحة بالحكومة لم يكن تمسّكا بالشاهد ولا دفاعا عنه بل موقفا شجاعا دفاعا عن الدولة وعن موقع النهضة في منظومة الحكم.

ما يدلّ على ذلك هو حوار الغنوشي الشهير في 1 أوت 2017 والذي عارض فيه ترشح الشاهد للانتخابات الرئاسيّة ودعاه إلى التفرّغ لشؤون الحكم، والذي تحوّل لاحقا إلى قرار من الشورى لم يتم تعليق العمل به أو إلغاؤه إلى حدّ الآن.

البعض رأى في التصريح المثير مناورة سياسية ولكن مصادرنا تؤكّد أنّه ليس مناورة بأي وجه من الوجوه وأنّه تحذير جدّي لجماعة “تحيا تونس”، بعد بيان الشورى، من الخلط بين الحزب والدولة. والمقابلة التي دارت بين الغنوشي والشاهد يوم انعقاد الشورى الأخير ودامت ساعة ونصف تحدث فيها رئيس حركة النهضة بصراحة مع رئيس الحكومة ونقل له مخاوف النهضويّين.

ثقة الغنوشي في الشاهد ثابتة لكنها اصطدمت في الأسبوع الماضي بسلوكات أعضاء “تحيا تونس” الاقصائيّة

الجلسة دارت في أجواء هادئة ولكن يبدو أن راشد الغنوشي بات يميز بين يوسف الشاهد ومحيطه القريب والبعيد وأن احترامه لرئيس الحكومة وهو من ضمن الأسس التي دفعته للموافقة على تعيينه وإسقاط مشروع الإطاحة به، لا يلغي توجّسه من بعض بارونات مشروعه وأجندتهم السلطوية بل من طريقة تشكل المشروع نفسه الذي لم تتحدّد هويته وأصبح مضمونه الوحيد هو الوجود في الحكم.

الثقة في الشاهد وهي ثابتة لدى الغنوشي اصطدمت في الأسبوع الماضي بسلسلة من السلوكات من بارونات مشروعه بما ينمّ عن عقلية هيمنة واستفراد بالسلطة بل واستهتار بها إلى الحدّ الذي يدفع حزبا بأكمله للتنقل لباريس على هامش زيارة رئيس الحكومة ودعوة وزير النقل السابق عبد الرحيم الزواري للجلوس في الصف الأوّل في معهد العالم العربي بباريس بل وتكليف “ملك” استطلاعات الرأي حسن الزرقوني بتنشيط حوار الشاهد!

وما زاد الطين بلة هو تصريح لوفيغارو الذي تبرأ فيه رئيس الحكومة من النهضة على اعتبار أن تشريكها في الحكومة قرار الباجي قائد السبسي. وكأنه يؤكّد ما بدأ يرشح من أخبار حول مخطط الاستحواذ على السلطة التنفيذية برأسيها، بالدفع بالشاهد للترشّح للرئاسيّة والتخلّص منه بالتالي بصورة مهذبة وتسليم القصبة لمرّشح “عبد الرحيم الزواري” وبعض اللوبيات لرئاسة الحكومة بعد الانتخابات وهو وزير النقل الحالي هشام بن أحمد.

لماذا التصريح يوم الأحد بالذات؟

الواضح أن القطرة التي أفاضت الكأس هي سبر الآراء الذي أعدّه الزرقوني في غير موعده ويمكن تلخيصه كالتالي: النهضة بصدد التغوّل والنداء في طريق الانهيار ولا أمل إلّا في الاصطفاف وراء الشاهد ومشروعه لإنقاذ تونس من خطر هيمنة الإسلاميين .

الغنوشي اعتبر سبر الآراء إعلان حرب سياسيّة، على النهضة ونداء تونس في نفس الوقت أي إفراغ حزب الرئيس الباجي من كوادره وقواعده وعزل النهضة في زاوية ضيقة لذلك بادر إلى التصريح في رسالة واضحة بأن النهضة لم تُخدع وأن الطرف الآخر لم يحسم المعركة لصالحه بعد بل قد يكون كشف أوراقه دون وعي وبصورة مبكّرة جدّا.

هل تعني تصريحات الغنوشي الأخيرة اتفاقا مع الشاهد على تشكيل حكومة جديدة يسندها الائتلاف والنهضة والمشروع يعود إليها النداء بشكل علني تتوفر فيها ضمانات عدم الخلط بين الحزب والدولة؟

السؤال الآن هو ماذا بعد تصريح رئيس حركة النهضة وهل نحن مقبلون على “طبخة سياسية جديدة” ومع من ستكون؟

المسألة تبدو واضحة في ذهن الغنوشي الذي بدا حريصا في آخر مكتب تنفيذي أشرف عليه على تبيان أن تصريحه هو التحذير الأخير قبل المرور إلى الخطوة القادمة التي لم تشأ مصادرنا الكشف عنها وهل تعني العودة إلى التوافق مع رئيس الجمهورية وحزبه الذي قد يشهد ديناميكية إيجابيّة في الفترة القادمة؟

أم هل تعني اتفاقا مع الشاهد على تشكيل حكومة جديدة يسندها الائتلاف والنهضة والمشروع يعود إليها النداء بشكل علني لا مقنّع وتتوفر فيها ضمانات لكل الأطراف بعدم الخلط بين الحزب والدولة؟

أم هل تعني تقليص الحكومة الحالية وإعطائها إمكانية أكبر للعمل على مواجهة الأولويات الاقتصادية؟

سيناريوهات عديدة يمكن أن نستخلص منها النقاط التالية :

أولا: أن النهضة وكما أكد ذلك بيان مكتبها التنفيذي لن تبقى في وضع المتفرج ازاء لغة الغرور والصلف التي يتحدث بها البعض في المشروع الجديد وأن ذلك يسري أيضا على موضوع استغلال الدولة وأجهزتها لغايات حزبيّة انتخابية.

ثانيا: أن الثقة في الشاهد وهي ثابتة وقويّة ليست محلّ مزايدة أو تشكيك ولكنها لا تكفي لإعطاء صك أبيض له خاصة وقد أظهر حزبه ضعفا فادحا في تأطير المتحدثين باسمه أو في التصدّي لمحاولات التموقع التي يقوم بها بعض المحسوبين على لوبيات المال والجهويات.

راشد الغنوشي لا ينظر منذ البداية بعين الارتياح لتموقع رئيس الجمهورية في مواجهة النهضة بعد سنوات من التوافق

ثالثا: أن راشد الغنوشي لا ينظر منذ البداية بعين الارتياح لتموقع رئيس الجمهورية في مواجهة النهضة بعد سنوات من التوافق وأن الغنوشي حريص كل الحرص على إيجاد صيغة مثلى لإدارة الفترة القادمة تضمن الحفاظ على الاستقرار الحكومي والاستقرار السياسي في آن.

الواضح أن الأسابيع القادمة ستشهد تطوّرات في هذا الاتجاه أو ذاك وأن النهضة قد تكون بصدد بلورة موقف من جماعة “تحيا تونس” شبيه بموقفها من ابتزاز النداء لها قبل وبعد الانتخابات البلدية إن لم يوفق يوسف الشاهد في تأطير مشروعه وقبل ذلك في ضمان تحييد أجهزة الدولة ومؤسّساتها عن التجاذبات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق