رأي

“حادثة المكنين” .. الحدّ بين الحريّة والأخلاق

– بحري العرفاوي –

تداولت مساء الأحد 17 فيفري الجاري بعض الصفحات فيديو يبدو فيه مجموعة أشخاص يهتفون أمام سيارة الغنوشي “ديقاج” بعض التعاليق المرافقة للفيديو تتكلم عن “جماهير” تصدت للغنوشي وعن منعه من عقد اجتماع جماهيري، وقبل التعليق على الحادثة تتطلب الأمانة الإعلامية نقل الواقعة كما هي حتى لا يقع تلبيسٌ على الناس وحتى لا يقع الإيهام بما لا وجود له على أرض الواقع.

– أولا: مفردة “ديقاج” بوجه أي سياسي هي من بركات أشواق الثورة وعلى وقعها فرّ بن علي وترك البلاد للشعب فلا يُمكن أن يغضب منها ومن رافعيها اليوم أي سياسي حتى وإن كنا في ظروف مختلفة عن ظروف نظام مستبد، فلا يُنظر لـ “الفعلة” بغير حجمها فلا هي “مكسب” يتوهّمه خصوم الغنوشي والنهضة ولا هي “نيلٌ” أو “حطٌّ” من قَدرِ رئيس أكبر حزب في المشهد السياسي التونسي.

– ثانيا: من المهم ملاحظة أن مقرّ محلية النهضة بالمكنين هو قبالة مقهى يرتادها عموم الناس وفي نهج ضيق ولا يُستغرب أن تحصل فيها أو أمامها تصرّفات تلقائية تجاه أي “شخصية عمومية” لأكثر من سبب ـ معقول أو غير معقول ـ وقد يكون المتجمعون من الفضوليّين أكثر من “صانعي” الحدث أو مرتكبي “العبث” وهو ما حدث فعلا إذ لم يكن رافعو الشعار إلا نفرا قليلا وكان المتحلقون لاستجلاء الأمر غيرَ معنيين بـ “الفِعلة”.

– ثالثا: لا يُمكن التخوّف من أو التعويل على تلك الحادثة أن تكون تقليدا في جهات أخرى قد يزورها أو سيزورها الغنوشي أو قيادات أخرى من حركة النهضة لكون ولاية المنستير لها وضع خاص مع الحركة وهو ما يجب الاعتراف به والاشتغال على “معالجته” فالمنستير مسقط رأس الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وله فيها أوفياء بل إن بعض أبناء النهضة ظلّوا متحرّجين قُبالة أبناء مدينتهم بسبب تصريحات سابقة في حق المرحوم الحبيب بورقيبة، وفي عالم السياسة كل خطأ من أخطاء التواصل له تبعاتٌ قد تتحول إلى “مشاريع ثأر” حين يشتغل عليها أدعياء وراثة الرمزية السياسية أو التاريخية لأي شخصية عامة خاصة حين يُساء الاشتغال على أوتار جهوية وعشائرية وحتى إيديولوجية، إذ يريد بعض السياسيين استنهاض “البورقيبية” كنظرية في الدولة لمواجهة مشاريع ما بعد أشواق الثورة.

– رابعا: الغنوشي لم يكن ينوي عقد اجتماع جماهيري بالمكنين بل برنامجه كما علمنا هو الإشراف على تجديد مكاتب الحركة في كل من المكنين وجمال والمنستير وقصر هلال ولذلك دخل مقرّ الحركة بالمكنين ثم غادر باتجاه وجهة أخرى وفق برنامجه المحدّد وليس تحت وقع “ديقاج” كما يروج بعض الذين يشتهون أن يكون الأمر قد حدث كما يرْوُون.

وهنا نقف على “مشكلة” أخلاقية حين يحاول سياسيون وإعلاميون وحتى مثقفون تضخيم الحادثة ومحاولة جعلها حركة احتجاجية شعبية بوجه زعيم حزب سياسي، بل إن بعضا من النخب أبدى التذاذا بما توهّم حدوثه وأرسل تحيّاته لمن اعتبرهم أبطالا، ويعلم هؤلاء أننا في مرحلة ما بعد “الشجاعة” وما بعد “النضال” وأن ما يزعمونه من ثورية إنما هو “مهاجمة” لأعمدة من دخان وقطع من سراب.

– خامسا: البلاد تعيش أجواء ساخنة على إيقاع حركة سريعة نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية وعلى توقّعات بفوز واسع لحركة النهضة كما يؤكّد مراقبون ومراكز سبر للآراء أو نوايا التصويت وهذا ما “يُزعج” خصومها الذين بذلوا ما في استطاعتهم لإضعافها وتشويه صورتها وصرف الناس عنها من خلال ما روجوه من ادعاءات حول “جهاز سرّي” و”غرفة سوداء” و”طلب كشوف لحسابات بنكية”، غير أن المحصول لم يكن إلا في “جراب” النهضة تماما كموفور الحظ ممن تحمل له الأمواج رزقه وهو على شاطئ بحر ينتظر هدوء غضبه، أو كمن تحتطبُ له الريح كما يقول المثل الشعبي.

حركة النهضة هي المستهدفة دائما وحركة النهضة هي الأوفر حظا وحركة النهضة هي الأثقل مسؤولية تجاه البلاد وتجاه الناس وتجاه نفسها بما هي أداة لخدمة الوطن والناس.

الحركة الأوسع انتشارا والأسرع حركة والأكثر انتظاما والأقل مشاكل هي المؤهلة بالمنطق ووفق سبر الآراء للفوز في الانتخابات القادمة وهذا ما يُدركه خصومها لذلك لا يُستبعد أن تكون نواياهم هي العمل على تعطيل حصول الانتخابات على أمل أن تطرأ معطيات قد تغير المشهد وقوانين “اللعبة” بل وقد تُغير “الملعب” من أساسه.

بالنظر إلى كل ما تقدم فإن حركة النهضة مسؤوليتها في التهدئة وبرودة الأعصاب كبيرة تجنبا لأي فوضى يستدعيها خصوم الديمقراطية في الداخل وأعداء التجربة من خارج.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق