موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

حركة النهضة.. وأسبوع الهجمات المرتدة

0 192

– لطفي هرماسي –

 

(1)

ثمن مجلس شورى حركة النهضة في دورته الخامسة والعشرين (9 و10 فيفري 2019) المناخات الجديدة بانفراج الأوضاع الاجتماعية وذلك إثر التوقيع على اتفاقية الزيادات في أجور أعوان الوظيفة العمومية وإلغاء الإضراب العام وحل مشكلة قطاع التعليم الثانوي التي أرقت الأسر التونسية بالاتفاق مع الجامعة العامة للتعليم الثانوي بالإضافة إلى توفق مجلس نواب الشعب إلى سد الشغور وانتخاب رئيس للهيئة المستقلة للانتخابات.

وتضمن بيانه رسائل سياسية من أهمّها دعوته للالتزام التام بتحييد مؤسسات الدولة وإدارتها وأجهزتها عن التجاذبات السياسية ووقوفها جميعا على نفس المسافة من جميع الأحزاب والمنظمات والمواطنين. كما أكد على أن الحركة معنية بالانتخابات الرئاسية.

ويبدو أن الرسالتين السياسيتين الأهم في هذه الدورة لم تحظيا بالتحليل والدراسة من قبل الساحة السياسية ووسائل الإعلام التي انشغلت أكثر بما بدا لها تمرّدا من لطفي زيتون على الحركة ومؤسّساتها وعن تبنيه لمقاربة دعا من خلالها حركته إلى القيام بجملة من الإصلاحات لاستكمال تحويلها إلى حزب مدني.

تلقفت كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ما اعتبرته بشرى لحالة التمرّد في حركة النهضة من أحد رموزها وانهالت عليه استقبالا وحفاوة لكنها لم تجن من ذلك سوى ما يجنيه صاحب الغربال من الماء لأن زيتون قد عبّر عن أن مؤسسات حزبه ما تزال قادرة على استيعاب وإدارة الاختلاف في التقدير والتعدّد في وجهات النظر وذاك أيضا ما أكده بيان المكتب التنفيذي للنهضة المنعقد يوم 13 فيفري 2019 والذي عبر عن اعتزازه بما يدور داخلها من آراء ومواقف فكريّة وسياسيّة وما يجري على هامشها من نقاشات وجدل وحوارات مثلت عامل إثراء وتطوير لتوجهاتها ومواقفها منذ انبعاثها، وتعرف أغلب مؤسّسات الحركة حوارات معمقة تنتهي إلى بلورة المواقف الأكثر تعبيرا عن الضمير الجمعي لمناضليها وأنصارها ولتطلّعات الشرائح الاجتماعية التي تمثلها.

 

(2)

تحت شعار “نهضة بلادنا بديمقراطيّة أحزابنا” انطلقت يوم السبت الماضي (16 فيفري 2019) حركة النهضة في إنجاز مؤتمراتها المحليّة التي سيتم خلالها انتخاب أكثر من 280 مكتبا محليّا بكلّ المعتمديات وإفراز ما يقارب ألفي مسؤول محلّي في كنف احترام القانون العام المنظّم للبلاد والقوانين التي صادقت عليها النهضة في مؤتمراتها باعتبارها حزبا ديمقراطيا تتعزز داخلها عمليّة التداول على المسؤوليات بصفة دوريّة كل سنتين ويتركّب المكتب المحلي من 7 إلى 10 أعضاء يكون ثلثهم على الأقل من النساء والشباب.

هذا الحراك الداخلي الذي يعيشه الحزب الأول في البلاد والذي سيدوم خمسة أسابيع يجوب خلاله طاقمه القيادي كل أنحاء البلاد بوهادها وفيافيها ومناطقها الجبلية وصحرائها ليتواصل مع عموم المنخرطين ويضعهم في صورة الوضع السياسي العام ويحفزهم للانتشار استعدادا للانتخابات التشريعية التي تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للنهضة والرئاسية التي عبّرت عن أنها معنية بها.

يوما السبت والأحد المنقضيان كانت صور المؤتمرات النهضاوية تكتسح الفضاء الأزرق تتصدّرها صور قياداتها وعلى رأسهم رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي في كل شبر من تراب الوطن وكانت الممارسة الديمقراطية القاعدية والانتقال الجيلي السلس تعبران عن قناعات وتقاليد تأصلت داخلها انضافت لها مؤخرا ومنذ المؤتمر العاشر تقنية التصويت الإلكتروني بالبطاقات الذكية التي تنم عن فجوة كبرى بينها وبين بقية مكوّنات المشهد السياسي التي ما تزال بعض مكوّناته عاجزة عن التوافق حول لجنة انتخابية داخلية؛ غير قادرة على عقد مؤتمر لأن قياداتها تستمد شرعيتها من التعيين ومن القرابة والصداقة والعلاقات السياسية والمالية المريبة.

المؤتمرات المحلية لحركة النهضة هجمة مرتدة تصفع بها أدعياء الديمقراطية والحداثة وتجيب بالممارسة لا بالقول والخطب والشعارات على من يطلقون على أنفسهم أنصارا للحداثة ومن يصنفون أحزابهم بالديمقراطية وهم أبعد ما يكونون عن الديمقراطية. تجيب بالممارسة الرصينة والواقعية السياسية أدعياء حرية المرأة والحركات النسوية ممن لا ينجحون في صناعة رمزيات سياسية نسوية وممن يعجزون عن إيصال كوتا من النساء ضمن هياكلهم الحزبية التنفيذية في حين تزخر النهضة بالقيادات النسوية في كل هياكلها القيادية المركزية والجهوية والمحلية.

المؤتمرات المحلية التي تعقدها النهضة ضربة ارتدادية تفتتح بها الزمن الانتخابي باحترافية عالية وتسويق ذكي باهر للصورة علق عليه الصحفي بأخبار القناة الوطنية فطين حفصية في تدوينة نشرها على صفحته كتب فيهاː “جولة سريعة عبر صفحات ومواقع الأحزاب والائتلافات السياسية في شبكات التواصل الاجتماعي والنات تؤكد “الفجوة الرقمية والاتصالية” الكبيرة بين حركة النهضة والبقية بل إن هناك أحزاب مازالت تتواصل مع وسائل الاعلام بالطرق التقليدية المعتمدة أساسا على الفاكس أو المكالمات الهاتفية زمن الثورة الاتصالية فما بالك “بالجماهير””.

 

(3)

يذكر المتابعون للشأن العام أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد اتصل برئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي لاجتماع عاجل رغم ضغط التزامات الرجلين التي من أهمها وضع اللمسات الأخيرة لاتفاق وزارة التربية مع الاتحاد العام التونسي للشغل حول ملف قطاع التعليم الثانوي والاستعداد لزيارة فرنسا بالنسبة للشاهد والإشراف على أشغال الدورة الخامسة والعشرين لمجلس الشورى بالنسبة للغنوشي.

لم يكن للاجتماع من مبرّر سوى توجّس الشاهد من إمكانية تغير موقف النهضة من الائتلاف الحكومي بعد الإعلان عن تأسيس حركة تحيا تونس. ويبدو أن دعوة الشاهد للغنوشي كان هدفها الأول والأخير إرسال رسائل طمأنة للنهضة في علاقة بمستقبل الائتلاف الحاكم قبل الانتخابات وبعدها وإفراغ شحنة التوتر النهضاوي إزاء توظيف الشاهد لمؤسسات الدولة وأجهزتها في مشروعه السياسي.

وغادر الشاهد البلاد متوجها إلى باريس حيث حظي باستقبال أكّدت حرارته والمناخات البروتوكولية وحجم وعدد التعاقدات الجديّة التي أمضتها معه ترحيب فرنسا به وبمشروعه السياسي واستعدادها لتقديم الدعم اللازم له بل ومراهنتها عليه مستقبلا. ولعل الرسالة الأسوأ التي تلقتها النهضة من هذه الزيارة تمثلت في حجم مشاركة ممثليها في الحكومة خلال زيارة الشاهد لباريس وخصوصا إقصاء وزير تكنولوجيا المعلومات أنور معروف الذي كان من المفترض أن يكون هو من يمضي على تعاقد تونسي فرنسي في مجال مشاريع “الستارتاب” بالإضافة طبعا إلى عقد اجتماعات لحزب الشاهد بفرنسا بالتزامن مع زيارته لها وهي رسالة تؤكد مرة أخرى تعنته وعدم تخليه عن ازدواجية الأهداف (زيارة رسمية / اجتماعات حزبية) وازدواجية المواقف (تحالف مع النهضة / تحجيم مشاركة ممثليها في الحكومة) والانزياح السريع عن الوعود التي لا تصمد أسبوعا واحدا.

والهجمة المرتدة جاءت من خلال تصريح رئيس حركة النهضة الذي لمّح فيه لوجود مشاورات مع عدد من الأطراف حول إمكانية التوافق حول حكومة انتخابات أو حكومة تكنوقراط لتشعل الضوء البرتقالي أمام مركب الشاهد الذي يسير بسرعة جنونية ولا يتقيد بقوانين المرور الذي لا يسمح للسائق أن يقود وأن يلعب دور شرطي المرور في الآن ذاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.