موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

مشهد حزبي متقلّب ومضلّل.. ونوايا تصويت محيّرة

0 123

– محمد القوماني –

مع اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري للانتخابات العامة نهاية 2019، يتزايد الاهتمام بنتائج سبر الآراء و”البارومتر السياسي” ومستجدّات الأحزاب. وقد نشرت جريدة المغرب يوم الأحد الماضي  عن “سيغما كونساي”، مؤشّرات نوايا التصويت، والتي تصدّرتها حركة النهضة في التشريعية (3,33 %) ويوسف الشاهد في الرئاسية (30,7 (%، بفارق كبير عن صاحبي المرتبة الثانية. وفي ضوء تلك المؤشّرات ومواكبة للحوار الدائر على أكثر من صعيد من أجل تشكيل أحزاب جديدة أو تحالفات أو إطلاق مبادرات سياسية، نروم التوقّف عند المشهد الحزبي الذي يظلّ محور العملية الانتخابية، لكنّه يبدو متقلّبا ومضلّلا، فلا يساعد على فهم الحراك السياسي واستشراف نتائج التصويت، ولا يشجّع العازفين والمتردّدين على المشاركة، ولا يطمئن عن أفق الانتقال الديمقراطي بتونس ما بعد انتخابات 2019.

لا يزال الحوار الحزبي يدور حول نفس الفكرة الأساسية التي ظهرت بعد انتخابات 2011، في ملء الوسط وإحداث التوازن المفقود مع حزب النهضة. ولا تزال المبادرات في أغلبها، تدور حول نفس الشخصيات التي لعبت أدوارا متقدمة في الحكم أو المعارضة قبل الثورة أو بعدها، والتي تعيد نفس الخطابات والتكتيكات تقريبا في الضديّة مع النهضة، أو الوسطيّة أو التوازن أو الإنقاذ أو الخيارات البديلة. وهذا حراك محمود وواعد في ظاهره، لكن تحفّه أسئلة هامة حول مستقبله وقدرته على رفع التحدي بتغيير موازين القوى السياسية في أفق الانتخابات التي باتت تفصلنا عنها شهور معدودة. فما نجح مرة يفقد جدّته وجاذبيّته، ولا يبدو مضمون العواقب. وإذا لم تتوفّر عروض سياسية جديدة ونوعية، فالأرجح أن يظلّ المشهد على حاله.

عانت النخب السياسية التونسية قبل الثورة، من منع حرية التنظّم وهيمنة الحزب الواحد. وحين تمّ الاعتراف القانوني بالتعدّدية الحزبية تحت الضغط، كانت التجربة العملية مزيّفة، وصارت المعارضة القانونية ديكورا. لذلك  كان الحرص إلى حدّ الحساسيّة، بعد الثورة، على استبعاد هيمنة حزب واحد على المشهد السياسي، فتكوّنت عشرات الأحزاب في ظرف وجيز. وتمّ في الهيئة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة، إقرار مرسوم متعجّل ومرن لتنظيم الأحزاب، ووضع نظام انتخابي يمنع عمليّا هيمنة حزب واحد على البرلمان، ويفرض حدّا أدنى من التعديّة داخله.

يتجاوز عدد الأحزاب حاليا المئتين. لكن الكثرة تبدو أقرب إلى التعدّدية الشكلية. فالأحزاب التي شاركت فعليا في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 والانتخابات البلدية لسنة 2018، لم تبلغ الخمسين حزبا. والممثلة منها في البرلمان والمجالس البلدية تناهز العشرين. أمّا تلك التي تؤثّر في المشهد والقرار فحدّث ولا حرج.

ولا يوجد في منشور تنظيم الأحزاب ولا في عمل الجهات الرسمية المتابعة للموضوع، ما يعطي للعدد (216) مصداقية. فعشرات الأحزاب انقرضت “طبيعيا” وأخرى تمّ حلّها أو إدماجها، ولم تحيّن القائمة بمقتضى ذلك. والعناوين والمعطيات المسجلة عند التأسيس لم تعد لها دلالة في الواقع. ويكفي لاستخلاص الرسالة أن نذكّر بأنّ تنظيم الأحزاب على أهميته، مازال محكوما بمنشور ولم يتمّ وضع قانون بعد ثماني سنوات من الثورة، ولا مراقبة ولا محاسبة على هذا الصعيد.

وفي كلّ الأحوال فإنّ كثرة الأحزاب في وهج ما بعد الثورة كان مبرّرا إلى حدّ، أمّا اليوم فلا مبرّر لذلك. وإذا كانت الحريات التي ضمنها الدستور تتيح حرية تكوين الأحزاب، فلا شيء يعارض الحريات وحقوق الإنسان في ضبط المشهد الحزبي، ووضع آليات قانونية لحلّ للأحزاب التي لا تثبت جدارتها بالتأشيرة. فعلى سبيل المثال نرى أنّ الأحزاب التي لا تتوسّع مع السنوات بالحدّ الأدنى،  ولا تشارك في المناسبات السياسية، ولا تعقد مؤتمراتها، ولا تمسك سجلات، ولا تقدّم تقارير أدبية ومالية… يجب أن يتمّ حلّها. إذ القانون إذا لم يساعد على التنمية السياسية الفعلية، يصبح أحد عوامل المشهد الحزبي الضعيف والمضلّل.

لم تشهد بلادنا، بعد ثماني سنوات من إطلاق حرية التنظّم،  تشكّل أحزاب سياسية  وازنة وذات تمثيلية اجتماعية واضحة، رغم الكثرة. فباستثناء النهضة والنداء، مع بعض التحفّظ، لا يصحّ الحديث عن تشكيلات حزبية شعبية قادرة على المنافسة الانتخابية.

فحزب حركة النهضة يتغذّى من رصيد أكثر من أربعة عقود من النضال السرّي، ويحاول التأقلم مع الوضع القانوني الجديد الذي أتاحته الثورة، ومقتضيات المشاركة وفي الحكم، ويجتهد في تطوير نفسه فكريا وسياسيا وهيكليا، ليعيد بناءه الحزبي ويضطلع بدوره الجديد. ولا تخفى صعوبات التحوّل وتداعياته على مستقبل النهضة.

وحزب حركة نداء تونس الذي تشكّل في سياق مخصوص لخلق التوازن المفقود مع النهضة بعد فوزها في انتخابات 2011، استفاد من رصيد حزب التجمع الدستوري المنحلّ، وتغذّى من عقود احتكاره للساحة السياسية وارتباطه بالدولة، وضمّ المناوئين لحكم النهضة من روافد مختلفة نقابية ويسارية وليبرالية ونسوية، واستطاع أن يكسب الانتخابات ويتقدم على حركة النهضة، قبل أن يعقد مؤتمره التأسيسي، بفضل تصويت الضدّ (الفوت أوتيل) في تشريعية ورئاسية 2014.

أما بقية التنظيمات، سواء التي يعود وجودها القانوني أو السرّي، إلى ما قبل الثورة، أو تلك التي نشأت في سياق الانتقال الديمقراطي، فلا يخفى ما تعانيه من ضعف مادي وانحسار جماهيري،  وانقسامات وصراعات على الزعامة وصعوبات الالتقاء والتوحّد والاندماج. فهي إمّا شظايا انفجارات حزبية، أو هي أقرب إلى مشاريع سياسية حالمة. وقد كشفت الانتخابات البلدية حدودها وعجزها عن المنافسة. وهي لا تكاد تقدر على تشكيل القائمات المطلوبة، فضلا على أن تنافس على النتيجة الوطنية. وما اجتمع منها في جبهات انتخابية سرعان ما انفرط اجتماعها. وما بقي منها موحّدا سياسيا، على غرار تجربة الجبهة الشعبية اللافتة، عجزت إلى حدّ الآن عن التحوّل إلى حزب واحد.

ويمكن أن نحصي، إضافة إلى الفراغ القانوني، أسبابا أخرى عديدة لضعف المشهد الحزبي.  فعلى سبيل المثال حين يتمّ استبعاد المتحزّبين من المواقع لفائدة المستقلّين، بما في ذلك في تشكيل الحكومات أحيانا، فإنّ ذلك لا يشجّع على الانخراط في الأحزاب ولا يخدم تطوير المشهد الحزبي. وحين لا تعي قيادات الأحزاب متطلّبات الوضع الجديد، ولا تميّز بين النضال السياسي ضدّ الدكتاتورية، والطابع الاحتجاجي لعملها قبل الثورة، وبين المشاركة السياسية في الوضع الديمقراطي والتنافس على برامج لخدمة المشروع الوطني الجامع في هذه المرحلة، فإنها تضيّع البوصلة ولا تساعد بدورها على تطوير المشهد الحزبي. وحين تظلّ الأحزاب حبيسة الأيديولجيات “المُفوّتة” كما وصفها الراحل ياسين الحافظ منذ ستينات القرن الماضي، ولا تنجح في التأقلم والانفتاح على الأجيال الجديدة، ولا تطوّر وسائل اتصالها ولا أسليب خطابها ولا مضامينه، فإنّه من الطبيعي أن تشيخ تلك الأحزاب ويفتر عزمها، وتصير على هامش الأحداث وليست في قلبها كما يُفترض.

ومن جهة أخرى، فإنّ ما انتهى إليه حزب نداء تونس، من وضع سريالي يزيد في اللخبطة وعدم الثقة بالمستقبل. فالحزب الأول الفائز في آخر انتخابات عامة، والذي يقود الحكم ويمسك بأهم مفاصله منذ أربع سنوات، ينتهي في السنة الأخيرة إلى حالة من الانهيار والعبثية. ولا مؤشرات إلى حدّ الآن على تعافيه. فقد تسبّبت انشقاقاته في تكوين خمسة أحزاب من رحمه، وفقد وزنه في البرلمان، فقفز إلى المعارضة. بل نشأ بجواره حزب جديد، تتشكل أغلبيته من المنشقين عن النداء ويقوده رئيس حكومته سابقا، وهو حزب حركة تحيا تونس، الذي صار خلال أشهر، الحزب الثاني في البرلمان.  وهو وضع لا يقلّ سريالية عن الأول.

فحزب تحيا تونس الذي يُنعت بحزب الحكومة، والذي لم يتأسّس قانونيا بعد، ولم يعقد مؤتمره قبل أشهر قليلة من الاستحقاق الانتخابي، يتطلّع حسب تصريحات بعض قياداته، إلى كسب الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة ويحكم بمفرده. كما أنّ زعيمه المفترض، يوسف الشاهد، لم يعلن بعد انتماءه إليه ولا موقعه فيه. كما لم يكشف الحزب هويته السياسية وبرامجه المميزة.

فكيف لنا أن نثق باستطلاعات سبر آراء في هذا المشهد الحزبي المتقلّب؟ وأيّ أفق لأحزاب تحتل المرتبة الثالثة والرابعة والخامسة في تلك الاستطلاعات، سواء منها “المنتصرة للثورة والشعب” على غرار التيار الديمقراطي (10%) والجبهة الشعبية (8.9%)، أو “المنتصرة للمنظومة القديمة ومناهضة الثورة” على غرار الحزب الدستوري الحرّ (6.5%)، والتي لا يؤهّلها خطابها القصووي، قياسا على تجارب عديدة، إلى أن تكون أحزاب حكم؟ فهي في أقصى حالاتها لا تكاد تبلغ (10%) من أصوات الناخبين. وكيف لنا أن نعلّق الآمال على مبادرات للتجميع ولمّ الشمل، تقودها وجوه حزبية أو مستقلّة مستهلكة، تكرّر تجارب ثبت فشلها؟ فأيّة نسبة مشاركة ضرورية لمصداقية العملية السياسية نتوقّعها وأيّ حكم مستقرّ ننشده بعد انتخابات 2019 يؤشر عليهما المشهد الحزبي الحالي؟

لا نكاد نجزم بأنّ نتائج سبر الآراء المنشورة مؤخرا تشجّع على التدارك وتحفّز على مزيد العمل لكسب أصوات الناخبين؟ أم هي تزيد في المخاوف وقد لا تساعد على فتح الطريق أصلا للانتخابات؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.