ثقافةدوليرأي

عملية نيوزيلندا الإرهابية والخوف من تمدد الإسلام

عند الساعة الواحدة و40 دقيقة بالتوقيت المحلي بنيوزيلندا وبينما كان معظم المصلين مشغولين بأداء صلاة الجمعة يوم 15 مارس 2019، بمدينة كرايست شيرش دخل المهاجم الإرهابي المتطرف بريتون تارانت مسجدين بالمدينة وفتح النار على جموع المصلين وأسقط 50 ضحية كما قام  بتصوير الحادثة وبثها بشكل مباشر على الإنترنت، ولم يكفه هذا وقام برفع منشور على الإنترنت يشرح فيه أفكاره والأسباب التي دفعته لارتكاب هذه الجريمة.

مع انتشار خبر الجريمة والتغطية العالمية لها، دجاءت ردات فعل المعلقين في الفضاءات العربية العامة، كما هو متوقع بعد حادث بشع وصادم كهذا، مسيسة ومؤدلجة بشكل كبير. بعض النقاشات تركزت حول مسألة “هل نصنف هذا الفعل بإرهابي أم لا؟”، وبعضها الآخر اهتم بعقد مقارنات بين هذا النوع من الجرائم وبين الجرائم المماثلة التي ترتكبها تنظيمات باسم الإسلام وسؤال: “هل الجريمة المدفوعة بنص ديني أخطر من تلك المدفوعة بعنصرية وما شابه؟”. والبعض الأخير انشغل بفضح نفاق الإعلام الغربي وتغطيته غير المتوازنة لهذا الحدث والأحداث التي يقوم بها مسلمين. ويضاف إلى ذلك أن الاصطفافات السياسية والأيديولوجية وحالة الاستقطاب الحادة االمنتشرة في فضاءات النقاش والطرح العربية انعكست على التعليقات والنقاشات التي انشغلت أكثر بالطرق التي يمكن توظيفها لدعم هذا التوجه أو ذاك.

والغائب داخل هذه النقاشات هو محاولة فهم وتفسير الحادثة: ما الذي دفع برينتون تارانت للقيام بما قام به؟ ولعل سبب هذا الغياب هو افتراض أن الإجابة واضحة ولا تحتاج لتفتيش وبحث: العنصرية، الكراهية، أو التطرف. ورغم شيوع وانتشار هذه الإجابة، إلا أنها مضللة وتحجب أكثر من كونها تكشف وتشرح. فهي تترك الكثير من الأسئلة بلا جواب، فمثلا: هناك الكثير من العنصريين والمتطرفين، لماذا لم يلجؤوا كلهم للعنف؟ والعنصرية قديمة فلماذا الآن؟ والعنصرية في كل مكان فلماذا في نيوزلندا؟ وحتى بين العنصريين الذين لجأوا للعنف نجد أن هناك اختلافات في الأهداف: فبعضهم يهاجم حكومته ومؤسساتها، وبعضهم يهاجم السود، وبعضهم يهاجم اليهود، وبعضهم يهاجم المسلمين. فكيف نستطيع فهم هذه القرارات؟ أعني قرار التحول من الاقتناع بمشروع فكري أو سياسي إلى اللجوء للعنف لتنفيذه، وقرار تحديد الهدف الذي سيوجه إليه هذا العنف.

 

 

السياق المحلي للحادثة: الإسلام في نيوزلندا

الترجمة العربية الحرفية لمدينة كرايست شيرش التي وقع فيها الهجوم هو كنيسة المسيح. وكما هو معروف، فإن نيوزليندا تنقسم إلى جزيرتين رئيستين: شمالية وجنوبية حيث تقع كرايستشيرش على الساحل الشرقي من الجزيرة الجنوبية. وتعتبر المدينة ثالث أكبر مدينة في البلاد من حيث عدد السكان والأكبر في الجزيرة الجنوبية. كما أنها عاصمة مقاطعة كانتربري إحدى مقاطعات نيوزلندا الستة عشر. وعدد سكان المدينة حوالي 388ألف نسمة، ونسبة ذوي الأصول الأوروبية منهم هو83٪ في حين أن الآسيوين9.3٪ و8.5٪ من المآوري والذين كانوا يعيشون في نيوزلندا قبل احتلال البريطانيين لها، أما البقية القليلة فمن أماكن متنوعة من العالم.

Related image

 

يعود بداية التواجد الإسلامي في نيوزيلاندا إلى بدايات القرن العشرين مع مهاجرين هنود وصلوا إلى عاصمتها أوكلاند وافتتحوا محلات تجارية، بالإضافة لمهاجرين آخرين من الهند وتركيا وصلوا إلى كرايست شيرش. إلا أن هذه الهجرات من آسيا توقفت في سنة 1920عندما تبنت نيوزلندا سياسة جديدة لاستقبال المهاجرين عرفت باسم “برنامج نيوزلندا البيضاء” والذي قام بمنع استقبال الهجرات من آسيا وحصرها فقط بأوروبا، وهو القانون الذي استمر العمل به لأكثر من 52 سنة حتى عام 1973.

والمفارقة في تاريخ المسلمين في نيوزلندا أن أوائل المسلمين الذين سيلعبون دورا كبيرا في تأسيس الجمعيات والمؤسسات الإسلامية قدموا لنيوزلندا من أوروبا وتحت مظلة هذا البرنامج الذي يسعى للحفاظ على “بياض” نيوزلندا. ففي عام 1951، بعيد الحرب العالمية الثانية، وصل إلى نيوزلندا قرابة خمسين لاجئا مسلما من البوسنة وألبانيا. بعد ثمان سنوات من وصولهم، قاموا مع المسلمين الموجودين مسبقا من الهند بالانخراط في الجمعية الإسلامية الحديثة الولادة وهي “جمعية مسلمي نيوزيلندا” ولعل أشهر شخصيات المسلمين الأوروبيين هما مظهر شكري كراسنيقي ونظمي محمد. في السبعينات تأسست جمعية أخرى في الجزيرة الجنوبية من نيوزلندا في مدينة كرايست شيرش وبدأت هذه الجمعية بالتنسيق مع الجمعية السابقة لينتج عن هذا التفاهم “اتحاد الجمعيات الإسلامية” في نيوزلندا والتي ستكون المظلة التي ستتعاون تحتها كثير من المراكز والجمعيات الإسلامية في نيوزلندا والتي سيكون من بينها المسجدان الذان تعرضا للهجوم.

 

القاتل والجذور الفكرية لمنشوره “الإستبدال العظيم

ولد برينتون تارانت في مدينة اسمها جريفتون في عام 1991 في جنوب شرق أستراليا وهي بلدة صغيرة في ولاية نيو ساوث ويلز حيث نشأ برينتون فيها ودرس في مدارسها وعمل فيها مدربا في ناد للياقة حتى عام 2011. في هذه السنة، وهو في سن العشرين، توفي والده بسبب السرطان وعمره ٤٩ سنة. بعد ذلك قرر برينتون بيع ما لديه من استثمار في عملة إلكترونية اسمها بيتكونيكت ورحل متنقلا في بلدان العالم لمدة ستة سنوات، زار فيها أوروبا وتركيا وباكستان واليابان وكوريا الشمالية وغيرها من البلدان. من بين الإنطباعات التي تركها عن رحلاته أنه أثناء إقامته في باكستان، وصفها بقوله “بلد مدهش مليء بأشخاص من أكثر الناس طيبة وكرما في العالم”. في لحظة ما في عام 2017 تقريبا، قرر برينتون تارانت الاستقرار في مدينة ديودن جنوب الجزيرة الجنوبية في نيوزلندا، سجل في ناد للرماية للتدرب على إطلاق النار، و في سبتمبر من عام2017 قدّم على رخصة حمل أسلحة، بعد شهر، وصل إلى بيته فريق من الشرطة للتأكد من ملائمته للحصول على الأسلحة، وبعد المقابلة تمت الموافقة على منحه الرخصة في شهر نوفمبر. بعد حصوله عليها، دخل على موقع شركة ” التي اشترى من خلالها، وبشكل قانوني، كل الأسلحة التي استخدمها في عمليته.

قبل قيامه بالعملية، قام برينتون برفع ملف يشرح فيه دوافعه ونظرته للعالم وماذا يتوقعه من العملية. عنوان الملف هو الإستبدال العظيم. وهو عنوان مأخوذ من نظرية مؤامراتية لكاتب فرنسي اسمه رينو كامو الذي اعتبر أن الهدف الحقيقي من سياسة استقبال المهاجرين في فرنسا، وأوروبا، من العالم العربي وأفريقيا هو استبدال المواطنين البيض الفرنسيين، والأوروبيين، بالعرب والأفريقيين.

Image result for March for Equality and Against Racism 1983

 

كانت هذه البدايات لشيطنة المهاجرين والتحذير من المسلمين منهم تصاغ ضمن خطاب وطني حتى جاءت الكاتبة بات يعور لتمنح هذا الخطاب بعدا حضاريا وثقافيا وربطته بالهوية الأوروبية العابرة للدولة الوطنية. ولدت يعور في مصر بين مجتمع اليهود المصريين، ثم انتقلت لبريطانيا لاجئة بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتعتبر من أكثر الأشخاص تأثيرا في تطوير هذا الخطاب الجديد المعادي للمهاجرين المسلمين واستحداث مفاهيمه.

Image result for Bat Ye'or

 

بالإضافة لبات يعور، نجد أن هناك كثيرا من الكتب في دول أوروبية أخرى حققت كثيرا من النجاح مستثمرة مشاعر الخوف والرعب من المهاجرين المسلمين وذلك في الرصد الذي قدمه الإيطالي فابيو بيروكو في بحثه خطاب الإسلاموفوبيا المعادي للمهاجرين في أوروبا: الجذور الإجتماعية والأساليب والفاعلينحيث سرد أمثلة كثيرة على الكتب الأكثر مبيعا وعلى تشكّل نوع من الأدبيات الخاصة لهذا النوع من الخطاب في كل أرجاء أوروبا. ففي ألمانيا، حقق كتاب ألمانيا تبيد نفسها الصادر عام 2010 مبيعات كبيرة حيث قدم نفس القصة حول كيف أن سياسات الهجرة والمهاجرين المسلمين سينهون الوجود الألماني ويحولون ألمانيا إلى بلد مسلم. وفي إيطاليا، كتبت الصحفية الإيطالية أوريانا فاليسي عدة كتب معادية للإسلام والمهاجرين والمحذرة من خطرهم على أوروبا وثقافتها مثل كتابها الغضب والعزّة. وبالعودة إلى بريطانيا، نجد أنه في ٢٠٠٦م  كتبت الصحفية البريطانية ميلاني فيليبس كتابها الذي حقق مبيعات كبيرة وعنوانه لندن-ستان: كيف تخلق بريطانيا دولة إرهابية داخلها؟ والذي حمل نفس الأفكار عن خطر الإسلام والمهاجرين. وضمن هذا السياق نشر الفرنسي رينو كامو نظرية “الاستبدال الكبير” والتي -كما بينا- مفادها أن سياسة استقبال المهاجرين العرب والافارقة من البلدان ذات الأغلبية المسلمة وكثرة الإنجاب بينهم مقارنة بقلّة الإنجاب عند البيض في أوروبا سيؤدي في نهاية الأمر لأن يحلّ هؤلاء المهاجرون مكان البيض. وداخل هذا الخطاب المكثف والمنتشر والمتنوع يتحوّل المهاجر من كونه شخصا تم استقباله بشكل قانوني من قبل الحكومة المنتخبة من الشعب إلى جندي محتل ضمن جيش من الغزاة تم تسهيل قدومه من قبل حكومة متآمرة وغير شرعية ويجب مقاومته بكل الوسائل المتاحة.

 

وقبل أن نختم الحديث عن الجذور الفكرية لهذا الخطاب، لا بد ألا ننسى السياق الأكبر الموّلد للمخاوف والتحيزات التي يتغذى عليها هذا الخطاب ويعتاش عليها، وهو سياق: الحرب العالمية على الإرهاب. ورغم أن حكومات العالم تسارعت في الانخراط في هذه الحرب ضد الإرهاب، ورغم اتفاقها أن هذا الإرهاب مرتبط بكيفية ما بالإسلام والمسلمين، إلا أن هذه الحكومات لم تتبن تعريفا متجانسا لما تقصده بالإرهاب. فمجموعة من الدول تعتبر الجماعات والحركات الإسلامية هي المقصودة بالإرهاب، لكنها تختلف حول أي هذه الجماعات والحركات. فمن هذه الدول من يقسّم الحركات الإسلامية لقسمين: حركات متطرفة (بعضها أو غالبها أو كلها إرهابية) وحركات معتدلة وذلك بناء على الأسلوب الذي تعتمده في تحقيق أهدافها السياسية: هل تستخدم العنف أم لا؟ وهناك من هذه الدول من لا تفرق بين هذه الحركات وتصنفها كلها على أنها إرهابية. وهناك مجموعة أخرى من الدول من يوسع مفهوم الإرهاب ولا يحصره فقط بالحركات والتنظيمات والمنتمين إليها بل يضمّ إليه جماعات وشعوب، مثلما يحدث في آسيا اليوم: فحكومة بورما توظف خطاب محاربة الإرهاب ضد سكانها الروهينجا لتبرير  برنامج التطهير العرقيالذي تقوم به، أما حكومة الصين فهي تحتجز قرابة المليون مسلم في مخيمات وتخضعهم لعمليات تعليم وتثقيف ممنهجة لتخليصهم من الإسلام، حيث تذكر التقارير أنه يتم إجبارهم على إعلان كفرهم بالإسلام وانتقاد عقائده ثم يجبرون على ترديد شعارات وأهازيج النظام الشيوعي وكذلك يتم إجبارهم على أكل الخنزير وشرب الخمر. فالخطاب العالمي لمحاربة الإرهاب أصبح من أفضل الخطابات العالمية التي يمكن للدول توظيفها للفرار من محاسبة خطاب عالمي آخر وهو خطاب حقوق الإنسان، بحيث يصبح هذا الأخير وغالبية المؤسسات والمنظمات والدول التي تتبناه غير قادرة على حماية المسلمين أو الإسلاميين من بطش الدول التي ترفع في وجههم خطاب محاربة الإرهاب كمبرر لإجراءاتهم وسياساتهم القمعية وغير القانونية. وفقط ضمن هذا الجوّ العالمي المحموم الذي تتنافس فيه الدول على توسيع وتضييق معنى الإرهاب الإسلامي بطريقة تجعل من كل مسلم في العالم مشتبه به حتى يثبت العكس، يتم توليد جمهور كبير راغب في استهلاك الخطاب الذي وصفناه في الفقرات السابقة.

 

 

القاتل وجذور تكتيك الذئب المنفرد

إن الجذور التاريخية والسياق العام للتكتيك الذي اتبعه برينتون تارانت لمواجهة ما يتصوره خطرا تختلف عن جذور وسياقات تطور هذا التصور نفسه، ففي أدبيات العنف السياسي، يصنف هذا التكتيك الذي اختاره تارانت بأنه نوع من أنواع الإرهاب وهو تكتيك الذئب المنفرد.

إن مصطلح الإرهاب هو مفهوم مسيّس بشكل كبير، ويجعل من استخدامه وتوظيفه في أي كتابة تحليلية مسألة صعبة. لهذا ففي هذا السياق، يعني الإرهاب أي شكل من أشكال العنف الذي يهدف لإيصال رسالة سياسية. فالهدف من الإرهاب ليس القتل أو الدمار بل إن هذا القتل والدمار هو وسيلة لإيصال رسالة سياسية لمجتمع أكبر. فالمقولة الشهيرة تقول “اقتل شخصا لترهب ألفا”.  والعمليات الإرهابية عادة ما تقوم بها جمعيات ومنظمات سرية ذات عدد قليل تحمل برنامجا سياسيا، لكن هناك أيضا عمليات فردية ولكونها فردية سميت بالذئب المنفرد، ذلك أن المنفذ فيها لا يتلقى أوامر من منظمة ما، ولا يعمل بالتنسيق معها، ولا لتحقيق أهدافها، بل يكون الإرهابي في هذا السياق يعمل من تلقاء نفسه، وفق تخطيطه هو وإرادته هو، لإيصال رسالته الشخصية التي قد تتقاطع مع رغبات وأهداف تيار فكري عريض ينتمي إليه ولكنها ليست مؤتمرة بأمره أو خاضعة له ضمن علاقة هرمية وتنظيمية. ومع وجود الإنترنت، نرى أن تارانت قام بكل شيء بنفسه بسهولة: خطط، كتب منشوره، رفعه على الإنترنت، طلب أسلحته من الإنترنت، وارتكب جريمته عبر بثّ مباشر على الإنترنت.

إن تاريخ هذا التكتيك قديم، وغالبا ما يتم اللجوء إليه في الدول ذات المؤسسات الأمنية والرقابية القوية والتي تمنع وتصعّب العمل الجماعي ولديها القدرة على كشف واختراق واحباط التنظيمات الهرمية السرية. ورغم أن لهذا التكتيك تاريخ طويل مع الأناركيين ثم اليساريين ثم مقاومي الاستعمار، إلا أنه ارتبط في الفترة الأخيرة بأقصى اليمين في الدول الأوروبية والأمريكية وذلك بعد فشل التنظيمات السريّة المسلحة التي نشأت في بداية الثمانينات. فبعد أن قتلت سلطات الإف بي آي جوردون كاهل اليميني الذي كان يرفض دفع الضرائب أثناء محاولة اعتقاله، قررت عدة مجموعات يمينية تأسيس تنظيمات سريّة لأخذ الثأر من الحكومة. ففي عام ١٩٨٣م، قام روبرت ماثيو بتأسيس تنظيم النظام الذي هدف لمواجهة الحكومة الفدرالية التي يعتبرونها واقعة تحت تحكم المجموعات اليهودية. ولكن (النظام) لم يستمر طويلا، فبعد اغتيال مجموعة من أفراده لمذيع يهودي استطاعت السلطات الحكومية القضاء عليهم ومات روبرت ماثيو مقتولا أثناء محاولة اعتقاله. في الأسلحة التي استخدمها تارانت في هجومه على المسجدين نجد رقم (١٤) مكتوبا أكثر من مرة، وهذا الرقم يشير للمبدأ المكون من14كلمة الذي طوره أحد أعضاء تنظيم (النظام) واسمه ديفيد لين والتي يمكن ترجمتها كالتالي (علينا أن نحمي وجود قومنا ومستقبل أبناءنا البيض).

 

 

في 22 جويلية 2012  نفذت أول عملية ذئب منفرد للأفكار التي تطورت عن المسلمين وخطرهم على أوروبا وهي العملية التي قام بها آندري بريفيك عندما فجر مبنى الحكومة النرويجية وأطلق النار على مخيم صيفي لشباب حزب العمال. آنذاك، نشر بريفيك منشوره المكون من أكثر من ألف صفحة وعنوانه سنة 2083  إعلان الاستقلال الأوروبي.

في هذا المنشور يقدم بريفيك نفسه باعتباره جزء من طليعة أوروبية لمناهضة مشروع أورابيا، وفيه يوضح أن مشروعه السياسي هو الحفاظ على الحضارة الأوروبية من مخطط الأسلمة الذي ينفذ عبر تواطؤ بين النخبة التي تتبنى أفكار “الماركسية الثقافية” و”التعددية الثقافية” وبين المهاجرين المسلمين الذين يصلون ويتناسلون بأعداد كبيرة. وجلّ هذه الأفكار هي نفسها التي شرحناها في الفقرة السابقة، لكن الجديد لدى بريفيك هو شرحه وتبريره لقرار تبني تكتيك الذئب المنفرد لتحقيق أهدافه السياسية. ففي فقرة من منشوره يوضح أن “المقاومة المسلحة” هي الخيار العقلاني الوحيد المتبقي لمنع أسلمة أوروبا. فبالنسبة له، لا جدوى من محاولة التغيير عبر الوسائل والطرق الديمقراطية، ذلك أن النخبة الماركسية الثقافية تملك الكثير من أدوات شيطنة من يحاولون المحافظة على الإرث الثقافي الأوروبي عبر وصفهم بأنهم عنصريين ونازيين ومتعصبين، وكذلك تقوم بتجنيس واستقبال المهاجرين المسلمين الذين سيكونون أصواتا مستقبلية لهم. ومع سرعة تناسل المهاجرين المسلمين وزيادة معدلات هجراتهم، فإن القوّة الديموغرافية للمحافظين على الحضارة الأوروبية ستضعف شيئا فشيئا.

 

بعد هذا التبرير للجوء للخيار المسلح وتوضيح كيف أن الوقت ليس من صالح المحافظين وأن المؤسسات الديمقراطية لا يمكن أن تنتج حلا، يبدأ بريفيك بشرح طريقته: الخلايا الاستشهادية المنفردة. يسرد بريفيك نفس الأسباب التي تدعو لاتباع هذا النوع من التكتيك وهي باختصار قدرات الحكومات القوية والفعالة على رصد اتصالات وعلاقات الجماعات التي تحتوي على أكثر من فرد. لهذا السبب يفضّل العمل منفردا، ويمنح العامل الحق والصلاحية على اختيار الهجوم الذي يراه مناسبا لتحقيق الهدف. ونجد ضمن تحذيراته لأتباعه المستقبليين أنه يحذر من اختيار أهداف صعبة ومؤمّنة، ويشدد على اختيار أهداف سهلة غير محروسة. وبعد بريفيك شهدت أوروبا وأمريكا عددا من عمليات الذئب المنفرد نفذها مجموعة من الأفراد الرافضين للثقافة السائدة للحكومات الأوروبية ولما يعتبرونه إضعافا للبيض أو غزوا أو تلويثا.

 

 

القاتل والجريمة: ملاحظات ختامية

Image result for Anders breivik


 

 

 

 

 

بعد أن عرفنا الهدف، لننقل إلى سؤال التكتيك. فكيف يتصور تارانت أن قتل هؤلاء المهاجرين في المسجد وسيلة فعّالة لتحقيق هدف ترحيلهم من ديار الغرب؟ حتى نتمكن من الإجابة على هذا السؤال يتوجب فهم الرمزية العالية في كل تفاصيل العملية. فمهاجمة اللاجئين في مكان عبادتهم، الذي يفترض فيه أن يكون أكثر الأماكن أمنا، والمكان الذي يعكس أحد أركان الشرعية الرئيسية التي تقوم عليها الدول الديمقراطية: حرية التدين، سيحقق الغرض من العملية وهو إرهاب بقية المهاجرين من الذهاب لأكثر الأماكن آمانا. يتوقع تارانت أنه بنشر هذا النوع من الخوف عبر هذه العملية سيستطيع التأثير على سلوك المهاجرين الحاليين والمحتملين بطريقة تدفع بتقليل تواجدهم إما بعدم الهجرة أو بالهجرة العكسية.

لكن لماذا مسجد؟ ولماذا مسلمين؟ فكما وضحنا في بداية هذه التدوينة، فالمسلمين في نيوزلندا لا يشكلون أكثر من 1٪ من سكان نيوزلندا.

هنا يطرح تارانت إجابتين توضح كيف أنه خليط بين بريفيك وروف وزيادة. الإجابة الأولى يقول فيها أنه يريد الإنتقام من الامبراطوريات الإسلامية القديمة التي استعبدت وقتلت واعتدت على كثير من الأوروبيين وخصوصا في الفترة العثمانية في مسلسل لم ينتهي إلى اليوم مع عمليات داعش في أوروبا التي كانت أحد أسباب قراره في التحرك. أي أنه يرى هجمات داعش وحروب الدولة العثمانية ودولة الأندلس بأنها كلها تندرج ضمن نفس الشيء الذي يسميه “الإسلام” الذي أصبح أشبه ما يكون بالعدوّ الحضاري والثقافي التاريخي، وأن هذه الجرائم التي قام بها هؤلاء المسلمين يتحمل وزرها كل مسلم أيا كان، وأنه بقتل مسلمين عشوائيين لا علاقة لهم بأي شيء من هذه الحروب والجرائم فهو ينتقم من هذا العدوّ الحضاري والثقافي التاريخي. نلاحظ أن هذه الإجابة ليست وطنية، فهي لا تعنى بنيوزيلندا كدولة ذات حدود وسيادة، بل تعني بهوية عابرة للحدود اسمها الهوية الأوروبية. وهذه هي الإضافة الرئيسية التي قدمتها عملية تارانت، فهي أول عملية يقوم بها يميني خارج حدود بلاده التي يحمل جنسيتها. فهو استرالي يقوم بمهاجمة مهاجرين نيوزلنديين بحجة أنهم غزاة على أرضه وبلده.

أما الإجابة الأخرى فهي تكتيكية. يقول تارانت أن السبب الذي دفعه لاختيار المسلمين من بين بقية مجتمعات المهاجرين هو “لأنهم أكثر مجموعة مكروهة في الغرب ومهاجمتهم تلاقي كثيرا من الدعم”. وهذه الإجابة تكشف تداخل كافة مستويات الخطابات التي تشيطن المسلمين: من خطاب محاربة الإرهاب الذي تتبناه الحكومات والإعلام العام وغيره إلى خطاب حركة مواجهة الجهاد بطريقة تجعل المسلمين في البلدان الغربية أكثر المجموعات وضوحا واستباحة وأقلها جاذبية للتعاطف.

لنختم الآن بهذه الملاحظة الأخيرة. إن الأشخاص الذين يقومون بعمليات الذئب المنفرد يعلمون جيدا أن عملياتهم صغيرة وعدد ضحاياها قليل. أي أنهم يعلمون أن الأثر المباشر لعملهم ليس بذاك الأثر الكبير. لكن ما يعولون عليه لتحقيق أهدافهم هو ردات فعل الآخرين. فهم يختارون عملياتهم وأهدافهم بطريقة تهدف لاستغلال التناقضات الاجتماعية واستفزاز ردات فعل كبيرة تحقق الهدف من العملية. لننظر مثلا لعمليات ١١ سبتمبر. فهذا الحدث ما كان له أن يكتسب هذه الأهمية لو لم تردّ عليه الحكومة الأمريكية بإعلان الحرب العالمية على الإرهاب واحتلال بلدين. وهذا التعويل على ردات الفعل لا يخفيه برينتون تارانت، وسأضرب مثالين على ذلك. أما المثال الأول فهو يقول أنه اختار الهجوم باستخدام سلاح ناري حتى يمنح الديمقراطيين في أمريكا فرصة لاستغلال حادثته كي يلغوا حق حمل السلاح في أمريكا مما سيضطر المدافعين عن هذا الحق للجوء للعنف للرد على ذلك وهو الأمر الذي سيخلق حربا أهلية في أمريكا. وبالنسبة لتارانت، أمريكا هي عدوه الكبير لأن نموذجها التعايشي والتسامحي وثقافتها الفردانية الاستهلاكية هو أكبر ما يهدد العرق الأبيض. فاختياره للسلاح الناري يهدف لزيادة الاستقطاب الأمريكي حول قضية حمل السلاح هناك. ونحن نرى هذه الأيام كيف أن ردّة فعل الحكومة النيوزلندية على عمله كانت بإصدار قانون سريع يمنع بيع الأسلحة الآلية، وهو الأمر الذي لفت اهتمام الديمقراطيين واللبراليين الأمريكيين الذين بدأوا بعقد مقارنات عن سرعة استجابة نيوزلندا وتلكؤ الأمريكيين في هذا الموضوع. والمثال الثاني يتمثل باستهدافه لتركيا في منشوره ومطالبته باستعادة كنيسة أيا صوفيا حيث يقول أنه يريد من عمليته أن تخلق نوعا من الشرخ بين تركيا وبين الناتو حتى يتم إخراجها منه وتعود لموقعها التاريخي كعدو للأوروبيين. ورغم غرابة الفكرة وسطحيتها، إلا أنها صادفت هوى لدى رئيس شعبوي لا يتوانى عن توظيف أي شيء للفوز في انتخاباته في تركيا.

 

بقلم سلطان العامر
موقع أعوادقش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق