رأي

مجزرة نيوزيلندا .. ومسالخ الاستئصاليين

– بحري العرفاوي –

ما من خطاب إلّا وله تجلّياته السلوكية في شكل مشاريع إحيائية أو في شكل فواجع وجرائم، ومن من ممارسة إلا وهي تعبير عن خطاب وعن رؤية و عن عواطف معينة.

ما الذي يمكن أن يُنتجه خطاب الكراهية؟ ما الذي يمكن أن تنتهي إليه إيديولوجيات الاستئصال والأحقاد والعنف والعنصرية والتعالي والفوضى؟ أي منزلة للإنسان يمكن أن تحققها أنظمة القتل والذبح والتعذيب والدفن تحت الأنقاض وفي الخرسانات وفي المقابر الجماعية بالصحاري والجبال والأودية؟ ما دور النخبة العربية والأنظمة الحاكمة في تبخيس قيمة الإنسان العربي المسلم في عيون الآخرين فيتجرؤون عليه يُهينونه ويسفكون دمه بدم بارد بل وباعتزاز يسمح للقاتل بتصوير جريمته وتوثيقها؟

إن الكلمة هي أشبه ما تكون ببذرة لا ندري أين تحملها الرياح فتكون نبتة فتنتج ثمارا من جنسها، في زمن سرعة الاتصال والتواصل وقد أصبح العالم خيمة مفتوحة يرى فيها الجميع أنفسهم ويستمعون لكل ما يقال ويقرؤون كل ما يُكتب،لم تعد كلماتنا حبيسة مجالسنا الضيقة أو أوطاننا بل أصبحت كما بذرة تحملها الرياح بأقصى سرعة ونحو أبعد نقطة من عالم لم يعد فيه بعدٌ.

وحين ندرس الظواهر والأحداث ونبحث عن أسبابها ومقدماتها علينا ألا نذهب بعيدا وإنما نبدأ بمحيطنا وبأنفسنا لنسأل عن دورنا وإسهاماتنا في تلك الحوادث والظواهر سواء بقصدنا أو بغير قصدنا.

المجرم الذي تقدم بدم بارد نحو مسجدين في نيوزيلندا وصبّ حمم رصاصه على عشرات المصلين وهم سُجّدٌ هل وجد في نفسه ارتباكا وترددا وهو يتقدم نحو دماءِ مسلمين غافلين في غير وضعية قتال؟ هل شعر بندم بعد تنفيذ جريمته؟ لقد عبر في رسالته الطويلة على كونه في كامل “مداركه” وعن كونه واعيا بفعلته بل وفخور بها حتى أنه وثقها لتكون شاهدة له لا عليه في تاريخ يظنه لا يتسع للمسلمين.

إن جرائم القتل لا تعبر عن شجاعة القاتل بقدر ما تعبر عن احتقاره للقتيل وعن حقده عليه وعن استصغاره له، ومثل هذا الحقد والاحتقار للمسلمين في عينيْ هذا المجرم وفي عينيْ من يُشبهونه ليس نتيجة اختلاطه بهم وتعامله معهم إنما نتيجة خطاب استئصالي عنصري حاقد متعالٍ، خطاب لا تُنتجه فقط نُخبٌ أجنبية في بلاد الغرب وإنما وأساسا خطاب تنتجه نخب في بلاد العرب والمسلمين، نخب تعاني عقدة الهزيمة تجاه “الآخر” فتبحث عنده عن القبول والرضا وتحرص على إثبات ولائها له وتبرّئها  من هويتها وتاريخها ومعتقدها، ولذلك لم يكن غريبا أن نرى تلك “النخبة” في غالبها تصمت عن تلك الجريمة بل وتحاول صرف الأنظار عنها بذكر جرائم أخرى يقترفها شباب محسوب على الإسلام ضد مواطنين أبرياء في بلاد الغرب أو ضد بني أوطانهم في بلاد الإسلام وكأن تلك الجرائم تبرّر غيرها أو كأن المجرمين الذين يدعون “إسلامية” إنما يعبرون عن روح الإسلام أو عن طبيعة المسلمين أو عن إيديولوجيا “الحركات الإسلامية”.

مجزرة مسجديْ نيوزيلندا ليست بعيدة عن مسالخ الاستئصاليين ضد شركائهم في الأوطان سواء من خلال حملاتهم التحريضية أو من خلال اصطفافهم مع الأنظمة المستبدة في جرائم التعذيب والتقتيل والتهجير والسجون.

ما أقدم عليه ذاك القاتل جريمة فظيعة بالتأكيد وقد لاقت إدانة عالمية واسعة حتى من رئيسة حكومة نيوزيلندا نفسها، ولكنها تطرح علينا نحن العرب والمسلمين أسئلة حول مدى إسهامنا في تجرّؤ الآخرين علينا وفي مدى تقصيرنا في التعبير عن معاني الإسلام الحقيقية: معاني “التعارف” و”الحرية” و”العدالة” و”الجمال” و”الحب”، تلك المعاني الأصيلة في الإسلام وهي معان مفتوحة للإنسانية كلها وأما “الحروب” و”القتال” فهي من الحالات الطارئة عند ضرورة منع المظالم والعدوان والغزو الخارجي للأوطان بما هي جغرافيا وثروات وثقافات ومعتقدات وحريات.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق