رأيراي رئيسي

هل تنجح تحركات الشاهد الأخيرة في إخماد الاحتقان الاجتماعي؟

لطفي هرماسي

مداخل مدن مغلقة، فلاحون غاضبون، بحّارة محتجون، مفروزون أمنيّون يهددون بالانتحار، إضرابات قطاعية، سنة جامعية في مهب المجهول، أسعار يشتد لهيبها بشكل غير مسبوق قبيل حلول الشهر الكريم… تلك أهم ملامح المشهد الاجتماعي الوطني الساخن هذه الأيام والذي يتميز بارتفاع نسق التحركات الاحتجاجية التي توشك أن تلامس جل الفئات الاجتماعية. فإلى جانب المعطلين والأساتذة والجامعيين والطلبة والفلاحين والبحارة، عادت تحركات عملة الحضائر من خلال تجمعات ومسيرات شهدتها عدة جهات يشارك فيها أكثر من ستين ألف عاملة وعامل من ضحايا التشغيل الهشّ في تونس بعد الثورة.

تحركات قوية للفلاحين والبحّارة بسبب مخاطر تهدد مواردهم بالتراجع نظرا لضعف الدعم الحكومي لهذا القطاع الاستراتيجي الذي سيتضرر كغيره من القطاعات من الترفيع الأخير لسعر المحروقات بالإضافة إلى ما يعانيه من أوضاع متردية تشكو منها منظومات الحليب والبيض والدواجن واللحوم والأبقار.

وفي نفس السياق سجلت عدة منظمات وطنية ونقابية على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل رفضها للزيادات الأخيرة وتداعياتها على كلفة النقل وعلى مجمل القدرة الشرائية للمستهلك داعية الى التراجع عنها. وبالتوازي مع ذلك، تستمر تحركات شعبية  في عديد الجهات للمطالبة بالحق في الماء وتجويد المرافق الصحية وتحسين المرافق العمومية والتشغيل والتنمية والبيئة السليمة نذكر منها تحركات ببعض المناطق بكل من منوبة وبئر علي بن خليفة والقيروان والسند وملولش وجندوبة والقصرين وغيرها، ينضاف الي كل ذلك تنام للشعور بالامتعاض لدى عموم المواطنين بسبب تردي مستوى العيش وتدهور المقدرة الشرائية واستمرار صعود أسعار المواد الغذائية والمواد الأساسية مع اقتراب حلول شهر رمضان المعظم.

كل هذه التحركات المدنية السلمية تطالب أساسا بتغيير وتعديل سياسات حكومة الشاهد ووقف التدهور الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق من خلال إجراءات عاجلة تضع حدا  لانزلاق الدينار وعجز الميزان التجاري والتضخم المالي والتهرب الضريبي والتمييز الجبائي تمهيدا لمراجعة جذرية وعميقة لمنوال التنمية الحالي.

هذا التشخيص الوارد في تقارير وبيانات المنظمات الوطنية لاسيما منها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويشاطره كل التونسيين بمن فيهم رئيس الدولة في جزء من خطابه يوم 20 مارس الماضي، وجل الاحزاب السياسية في بياناتها المتواترة يؤشر من جملة ما يؤشر إليه إلى موجة ثانية من الاحتجاجات خلنا جميعا أنها خمدت بإمضاء اتفاقيات الزيادة في الأجور لفائدة منتسبي القطاع العام والخاص والوظيفة العمومية، وبالاتفاقية المبرمة بين وزارة التربية والجامعة العامة للتعليم الثانوي.

ففي أوج استعدادات البلاد لولوج المسار الانتخابي، وقبيل تمتيع الموظفين والعمال بمفاعيل الزيادات المستحقة في مرتباتهم والتي نالوها بعد مسار نضالي دام عدة أشهر تخللها إضرابان عامان، يعلن البنك المركزي عن الترفيع في  نسبة الفائدة المديرية الموظفة على القروض بمائة نقطة أساسية (من 6.75 إلى 7.75) بدعوى التحكم في نسبة التضخم التي لم تنجح الحكومة في تخفيضها تحت 7 %، وهو إجراء اعتبر كل  التونسيين أنه سيمتص الزيادة في الأجور خاصة وأن أكثر من ثلث العائلات متحصلة على قروض وستتأثر مداخيلها جراء الترفيع في نسب الاقتطاع الشهري، ويبدو انه تم التراجع عن هذا القرار بعد اتصال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي بمحافظ البنك المركزي وبرئيس الجمعية المهنية للبنوك ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حول الموضوع وانعكاساته الوخيمة على التونسيين ومطالبته بعدم الترفيع من نسب اقتطاع قروض السكن والبناء والاستهلاك معتبرا أن سياسة افتكاك المكاسب (الزيادات في الأجور) والالتفاف عليها بهذه الطريقة مرفوضة.

واستنادا لآلية التعديل الدوري لأسعار المحروقات المعمول بها منذ جويلية 2016، ووفق إملاءات صندوق النقد الدولي، أقدمت وزارة الصناعة منذ أيام على الترفيع مجددا في أسعار المواد البترولية مما أجج احتجاجات واسعة قادها أساسا سواق “التاكسيات” وسيارات الأجرة والنقل الريفي والحضري مطالبين بالعدول عن هذه الزيادات، أو الترفيع في معاليم النقل، وقد وافقت الحكومة ممثلة في وزارة النقل على هذا المطلب انطلاقا من شهر جانفي 2020.

السواق وأصحاب وسائل النقل العمومي غير المنتظم، بعد أن عادوا إلى النشاط من جديد طبقا لوعد الحكومة فكروا وقدروا، وقرروا العودة مجددا للاحتجاج لأنهم تذكروا أن هذه الحكومة راحلة بعد انتخابات 2019، وانهم في حاجة إلى زيادات يدفعها المواطنون من جيوبهم المثقوبة من الإفلاس حالا ودونما تأخير، ثم أقدموا في تصعيد مفاجئ على تنظيم سلسلة من الإضرابات العشوائية، وإغلاق لمداخل المدن في ساعات الذروة الصباحية دون مبالاة بمصالح المواطنين والتلاميذ والطلبة، وحالات بعض المرضى والحوامل.

في ذات الوقت تشهد أسواقنا ثلاثة أسابيع قبيل حلول شهر رمضان ارتفاعا مشطا في أسعار المواد الغذائية الأساسية، الخضر والغلال واللحوم والأسماك مع تواصل شح كميات البيض والزيت النباتي، ومؤشرات تناقص مستمر في كميات الحليب المتوفرة في المحلات التجارية، وتلويح من قبل بعض القطاعات على غرار قطاع بيع اللحوم بأن الزيادات ستتصاعد تدريجيا لتبلغ اللحوم الحمراء سعرا قياسيا تاريخيا (35 دينارا) وهو وضع غير مقبول بتاتا، ولا يمكن الصمت حياله.

وقد شهدت بداية الأسبوع الحالي، على هامش ندوة للولاة بسوسة، زيارة تفقدية لرئيس الحكومة إلى سوق الجملة بمدينة المكنين أعلن خلالها عن تنظيم حملة مداهمات متزامنة في كافة أنحاء الجمهورية لمخازن التبريد وذلك للحد من ظاهرة الاحتكار، ووعد بتزويد السوق بكل المواد الأساسية قبيل حلول شهر رمضان مع حملة للضغط على الأسعار، والضرب على أيدي المحتكرين.

فهل ستكفي هذه الإجراءات والزيارات والتحركات الاستعراضية للتعديل من المقدرة الشرائية للمواطن وامتصاص حالة الاحتقان الاجتماعي التي باتت تعيشها البلاد باستمرار؟ أم ستتبعها إجراءات أخرى في سياق الاستجابة للشروط المجحفة للجهات المانحة تستوجب الحد من تدخل صندوق التعويض وتجعلنا نشهد موجة أخرى من الترفيع في الأسعار؟

وهل أن الإجراءات الأخيرة للشاهد ناتجة عن انحياز صادق لهموم المواطنين وشعور بالمسؤولية على ما بلغته أوضاعهم من ترد، أم أنه يندرج في سياق حملة انتخابية، وترويج لصورة يتم توظيفها لاحقا لصناعة رمزية زعيم جديد يتفاعل إيجابيا مع مشاغل واحتجاجات المواطن؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق