رأيرأي

احتكار ومضاربة .. بارونات السوق تتحكم في قوت المواطن
متى تستعيد الدولة هيبتها؟

فائزة الناصر

مع الارتفاع المطرّد في الاسعار، خاصة في المواد الغذائية ذات المصدر الفلاحي، ومع الغلاء الذي لا يطاق في المعيشة الذي ارتفع أكثر من 5.5% وارتفاع بعض المواد الأساسية أكثر من 10%،  وأمام ضعف تدخل الدولة، بات من الضروري أن نطرح جملة من الأسئلة التي لا بد من إيجاد الأجوبة الواقعية لها.. فمثلا من حقنا أن نفهم لماذا يعجز المواطن عن شراء انتاج بلاده الفلاحي؟ ولم تعجز الدولة على تعديل هذه الأسعار؟ ومن يتحكم اليوم في السوق وفي أسعار المواد الغذائية؟ ولم نأكل من وراء البحار ما يمكننا انتاجه؟ ومن يسيطر على غذائنا؟ وهل أمننا الغذائي مهدّد اليوم، ومن يهدّده؟

قد نقفهم جيّدا ما تحدث عنه بعض الخبراء من أن من بين أهم أسباب هذا الشطط المطرد في الأسعار، ضعف الامكانيات البشرية والمادية الموضوعة على ذمة المراقبة الاقتصادية، وأن الامكانيات المتاحة لا تخول لهذا الجهاز القيام بدوره في الرقابة، قد نفهم أنّ الواردات قيمتها ترتفع مع تراجع قيمة الدينار، وتراجع قيمة الدينار في تونس أدت إلى ارتفاع قيمة المواد الاستهلاكية الموردة وكذلك مدخرات الانتاج، قد نفهم أنّ المحتكرين والمتحكمين في مسالك التوزيع يتحكمون في عرض السلع والمواد التي يقع انتاجها في البلاد والمستوردة أيضا، وأنّ هناك العديد من المتدخلين الذي أصبحوا يشاركون في الحلقات بين المنتج والمستهلك ويدخلون للمضاربة وللترفيع في الأسعار حتى أنهم في بعض الأحيان عندما يتوفر المنتوج يقومون بخزنه ولا يبيعونه حتى يساهموا في المضاربة والترفيع في الأسعار.

ونفهم جيّدا أيضا أنّ دولة حسب المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة، لا تملك من 5.5 مليون هكتار من الأراضي الفلاحية القابلة للزراعة، سوى 500 ألف هكتار، أي أنها لا تملك سوى 9% من مجموع الأراضي الفلاحية القابلة للزراعة، في حين تملك الشركات والخواص وبعض الأجانب قرابة 91% من هذه الأراضي، أكيد جدا هذه الدولة لن يكون بمقدورها فرض أي شيء لتعديل السوق..

ففي الوقت الذي كان فيه الشعب ينتظر انفراجا على المستوى الاقتصادي، يخفف عنه ضيق الواقع اليومي، لم تتأخر الحكومة بحل أزماتها وخيباتها المتتالية على حساب القوت اليومي للطبقة المسحوقة. فغلاء المعيشة ارتفعت أكثر من 5.5 في المائة، وبعض المواد الأساسية ارتفعت أكثر من 10 في المائة.. وعلى امتداد 6 سنوات انطلاقا من 2011 تقهقر الدخل الفردي من 4200 دولار أمريكي إلى حوالي 3500 دولار أمريكي يعني تقريبا فقدان ربع القيمة الشرائية ويُضاعف هذا الفقدان مرتين ونصف إذا ما احتسبنا فارق العملة..

والمؤلم حقيقة في الأمر انّ المواطن الضعيف “الزوالي” كما يقول البعض ظل طيلة هذه الفترة “ماركة تجارية” مسجّلة يتجار بها المتاجرون بالحقوق والحريات إما تصفية لحسابات سياسية ضيقة، وإما لتسجيل ضربات موجعة للحكومات المتعاقبة بعد الثورة، وإما لخوض معاركهم الانتخابية الاستباقية، وبين التباكي على قفته والتنديد بغلاء سعر الفلفل والمطالبة بثورة البطاطا وذرف الدموع الغزار على امرأة لم تأكل اللحم لفترة طويلة، ظل المواطن المسحوق رهين وضعيته الاجتماعية التي تتآكل يوما بعد يوم..

صحيح هناك حلفة مفرغة أو دوامة نعيش فيها منذ الثورة، بين الزيادة في الأسعار والزيادة في الأجور والإضرابات وتراجع الانتاج أو توقفه. فعند تآكل المقدرة الشرائية للمواطن من الطبيعي أن تطالب المنظمة الشغيلة بالزيادة في الأجور، ولكن هذه الزيادة ستتبعها زيادة في نفقات الدولة وبالتالي عجز موازنات الدولة سيزيد مما سيحتم علينا الاتجاه للتداين الخارجي ويعمّق الأزمة الاجتماعية.. صحيح ان الحكومة أخطأت، حسب خبراء ومراقبون، عندما قبلت بالزيادة في المؤسسات العمومية، تليه الزيادة في الوظيفة العمومية مما تسبب في الزيادة في سعر المحروقات، التي لم تكن كما روّج البعض بطلب من صندوق النقد الدولي، وإنما لخلاص الأجور وترقيع نسبة العجز في الميزانية التي لم يبرمج فيها أي زيادات في الأسعار.

صحيح أن هناك تضخم مالي سواء تضخم المورد بحكم انزلاق قيمة الدينار التونسي بسبب العامل المتعلق بالسياسة النقدية ودور البنك المركزي، أو التضخم الداخلي الذي يأتي من ضعف آلة الانتاج في تونس وعدم التحكم في شفافية مسالك التوزيع خاصة المراقبة على المضاربة، وهذا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع الأسعار..

صحيح أنّ الاقتصاد التونسي هو اقتصاد استهلاك بالأساس وليس اقتصاد انتاج بمعنى أنه اقتصاد طلب وليس اقتصاد عرض، والدليل على ذلك نسبة العجز التجاري المتفاقمة والتي وصلت إلى حدود 16 مليار دينار في 2017، فالإنتاج الفلاحي والصناعي محدودان خاصة وأن الاقتصاد التونسي يخضع الآن إلى موجة تضخمية قوية بحكم انحدار الدينار التونسي وارتفاع كلفة الإنتاج عموما، وهذا جعل نسبة التضخم تصل إلى 7.7 في المائة وهي أعلى نسبة منذ 20 عام تقريبا لتنجر  عنها من ثمة ارتفاعات مشطة في الأسعار..

ولكن الثابت رغم كل ما عددنا من أسباب قد تؤدي عمليا إلى هذا الارتفاع المتواصل في الأسعار والضغط على المقدرة الشرائية للمواطن، هو  أنّ السبب المباشر  الذي يتصدر المرتبة الاولى والمباشرة هو انتشار مسالك التوزيع العشوائية وخاصة التهريب إضافة إلى الاحتكار والمضاربة للبضائع والأسعار، فمسالك التوزيع في تونس أصبحت تحت تصرف كامل للمحتكرين وبارونات السوق.. فنسبة الخضر والغلال التي تدخل سوق الجملة حسب ما يؤكده خبراء تمثل حوالي 20 في المائة من النسبة الجملية وبالتالي فإن النسبة الكبرى تتحكم فيها المسالك غير القانونية بسبب ضعف الدولة والحكومة. والذي كانت استتباعاته الطبيعية خلق الضغط على الأسعار، وتآكل المقدرة الشرائية للمواطن التونسي خاصة متوسطي الدخل والفقراء..

لقد أصبح القطاع الموازي قوة المضاربة، فكتلة الأموال المتداولة في السوق حسب ما يؤكده خبراء الاقتصاد، والخارجة عن المسالك المالية الاعتيادية والقانونية (النظام البنكي) والمتجهة إلى المسالك الموازية تقدر بـ13  مليار دينار.. وهذه المضاربة ستنعكس حتما على سلة المستهلك ويكون المتضرر الأول منها الطبقة الوسطى والضعيفة، فمسالك التوزيع الموازية التي لا تعمل على تطبيق القانون في توزيع بعض المنتوجات منها الخضر والغلال وعديد المواد الأخرى والتي تشهد ارتفاعا مشطا يصل إلى 70 و80 و100 في المائة وفي بعض الأحيان 200 في المائة فبعض هؤلاء المضاربين في عديد القطاعات غالبا ما يقومون بالترفيع في الأسعار استباقيا.

وتبقى الحقيقة الثابتة من كل ما بسطنا من معطيات وأرقام أنّ الحكومة رغما عنها شاءت أم لم تشأ هي المسؤول رقم واحد عن التصدي لحيتان وبارونات السوق من المحتكرين وخوض معركتها الحقيقية مع اعدائها الحقيقيين والضرب بقوة على أيدي مافيات الفساد لتستعيد دورها ومبادرتها وتسيطر على السوق وتحسن تسيره والتحكم به، بعيدا عن المزايدات السياسية والحسابات الانتخابية والمصالح الحزبية الضيقة، علها تنجح بذلك في امتصاص حالة الاحتقان الاجتماعي المتنامية والمنذرة بالانفجار في أي لحظة..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق