رأي

لماذا نتفاءل بمستقبل عربي أفضل؟

محمد القوماني

عاد الجدال مجدّدا حول المستقبل العربي وتباينت الآراء بين متفائلين ومتشائمين، لا سيما في التفاعل مع  الحراك الشعبي في كلّ من الجزائر والسودان خاصة، ومن خلال متابعة مُجريات الحرب المستعرة بليبيا، وما تشي به الأحداث عموما من تطوّرات إقليمية هامّة لا تخفى تداعياتها على تونس. إذ يرى البعض فيما يحصل موجة جديدة من أجل الديمقراطية وإعادة بناء الفضاء السياسي بوضع حدّ لهيمنة رموز أنظمة سياسية فقدت شرعيتها وتواصلها مع الإرادة الشعبية، وفي ذلك تعزيز للتجربة التونسية التي ظلّت استثناء نجاح في موجة الربيع العربي. ويرى آخرون أنّ ما يحصل اختراقات خارجية لمزيد إضعاف الجسم العربي، واستيعاب لتطلّعات الشعوب نحو الحرية، ضمن سيناريوهات التحكّم فيها من خلال المؤسسة العسكرية، حتى لا تتكرر التجربة التونسية من جهة، وحتى نتفادى سيناريوهات تفكيك الدولة وسيادة الفوضى من جهة أخرى.

خابت آمال المتآمرين على الربيع العربي في الديمقراطية، بالتخويف من التجارب الفاشلة والمُفزعة في العراق وسوريا واليمن، وبالمراهنة على التصادم بين الشعب والجيش. فقد خرج السودانيون والجزائريون في مسيرات مليونية سلمية للمطالبة بالتغيير والإصلاح، والتداول الديمقراطي على الحكم عبر انتخابات حرة وتعدّدية وشفافة. وكانوا يعلنون صراحة رفضهم للعنف والفوضى.  وقد وجدوا تجاوبا من المؤسسة العسكرية التي أعلنت في كلّ من البلدين الانحياز لإرادة الشعب. وتمّ إنهاء حكم كلّ من بوتفليقة في الجزائر وعمر البشير في السودان.

ولئن وجد الحراك الشعبي غطاء آمنا في الانحياز المبكّر له من المؤسسة العسكرية، ليستمرّ ويزداد زخما، فإنّه أبدى ذاتية وعبّر عن إرادة صلبة ووضوح في الهدف. فلم يقبل الجزائريون بتخلي بوتفليقة عن العهدة الخامسة التي خرجوا للتظاهر ضدّها في البداية، واستمرّوا رافضين للمقترحات المتتالية في خطاباته الموجهة للمتظاهرين حتى إعلان استقالته. وهاهم يواصلون الاحتجاج على مشاركة رموز من النظام السابق في عملية الانتقال السياسي حسب مقتضيات الدستور التي دعا الجيش إلى اعتمادها.

وفي السودان لم يرض المعتصمون بإعلان المجلس العسكري “اقتلاع” الحكم القائم واعتقال عمر البشير، وإقرار فترة انتقالية لمدة عامين وإعلان حالة الطوارئ وحظر الجولان. واستمروا في اعتصامهم حتى أسقطوا  بعد يوم واحد نائب البشير الفريق عوض بن عوف  من رئاسة المجلس العسكري، الذي أدخل تعديلات جوهرية على قراراته في البيان رقم واحد. ولا يزال التفاوض جاريا حول صيغة الفترة الانتقالية.

وفي الحالتين الجزائرية والسودانية، مع الإقرار باختلاف السياق والمسار، يهمّنا أن نرصد المتغيّر البارز في تعاطي الجماهير الغاضبة مع المؤسسة العسكرية نفسها، وتطوّر تعامل هذه الأخيرة مع الأحداث. فقد صارت الانقلابات العسكرية التقليدية غير مستساغة، وبات قمع المتظاهرين مكلفا جدا. وتأكدت شرعية المطلب الديمقراطي. وتلك خطوات هامّة لا يُستهان بها.

وفي الحالة الليبية، وبصرف النظر عن مجريات الحرب التي قد تطول،  بات مؤكدا تحطّم إرادة الفريق المتقاعد خليفة حفتر، في السيطرة السهلة على العاصمة طرابلس. واستفاق “الفاتح” الجديد على حقائق ميدانية عسكرية، ومواقف دولية بدّدت أحلامه وفضحت حلفاءه وأحرجتهم. وبدا واضحا أنّ قطاعا واسعا من الليبيين متشبّث بالدولة المدنية والحلّ السياسي السلمي والاحتكام إلى الانتخابات الديمقراطية في اكتساب الشرعية. ويلقى هذا التوجّه دعما داخليا وخارجيا غير خاف.

وفي ميدان معركة الديمقراطية ضدّ الاستبداد والفساد، كما في ميدان المقاومة ضدّ الاستعمار والاستيطان، تبدو المؤشّرات إيجابية ومدعاة للتفاؤل بمستقبل أفضل. فعلى سبيل المثال لم يعد العدوان الإسرائيلي البري أو الجوي على لبنان أو غزة نزهة للصهاينة، بل صار لعنة عليهم، ومجرّد التفكير فيه يُقضّ مضاجعهم ويفسد أيامهم ولياليهم. فقد استطاعت صواريخ المقاومة وبنادقها وابتكاراتها الحربية، أن تسقط أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وأن تصنع توازن رعب مع جيش الصهاينة، لا تخفى آثاره في الحدّ من العدوان.

قد يستشعر البعض مصاعب الانتقال الديمقراطي وكلفته، فيستوحشون الطريق ويغلب عليهم التشاؤم. وقد يستعجل البعض النتائج الإيجابية والغنائم فيضيق صبرهم. وقد ينظر البعض لموازين القوى الدولية فيتسرب إليهم اليأس من كسب المعركة. ولهؤلاء نهمس أنّ إدراكنا لضرورة النهوض الحضاري مجدّدا، وإقبالنا على المعارف الجديدة، والأخذ بشروط التحديث، وتقليد الغرب، وغيرها من الخطوات التي أثارت جدلا كبيرا بيننا منذ ما يزيد عن القرن ونصف، لم تؤت أكلها كاملا ولم تجعلنا في مصافّ الدول الحديثة والمصنّعة والمكتفية بذاتها. وإذا كان الأخذ بالمعارف الحديثة في بلادنا، أو من خلال التعلّم بأنحاء العالم المتقدم، لم يؤمّن نقلتنا الحضارية، في المستوى المادّي على الأقلّ، فما بالك بما يستوجبه التمدّن في السلوك والتدرّب على المواطنة، وتحقيق الديمقراطية وتغيير سلوك الحاكمين والمحكومين على السواء، وتلك من المسائل الذهنية والمعنوية والخُلقية التي تبدو أصعب من الوجه المادي للتحديث. والحديث قياس.

تقول الحكمة أنّ طريق الألف ميل تبدأ بميل واحد. ونحسب أنّ ما تمّت مراكمته على مدى عقود من النضال الديمقراطي عبر أجيال متعاقبة ومن مدارس فكرية وعائلات سياسية متعدّدة، قد أثمر موجات من ربيع عربي ديمقراطي، مهما تلبّدت في سمائه من سحب داكنة، ومهما دوّت في أرجائه من رعود، ستشعّ شمسه وتزهر وروده. وليست فعاليات الموجة الأخيرة من السودان إلى الجزائر وإرهاصات أخرى في أكثر من بلاد عربية، سوى مؤشرات على غد لن يكون إلاّ  أفضل.

ولأنّ الظلم مؤذن بالخراب، والعدل أساس العمران، ولأنّ الاستبداد غطاء للفساد، والحرية شرط لكلّ صلاح، فإنّ مستقبلا عربيا ديمقراطيا كفيل بتأمين حوكمة راشدة، وضمان عيش أرغد وجودة حياة وسيادة على الأوطان والثروات. وحين نستحضر مسيرة نهوض شعوب في كوريا والصين والبرتغال على سبيل المثال، كانت أوضاعها قريبة منا في ماضي الأعوام، أو تغيّر أوضاع بلدان على غرار أثيوبيا والصومال، وتحسّن معدلات التنمية بها، التي كانت بالأمس القريب أسوأ منا أحوالا، عندها نستعيد الأمل والثقة بالنفس والمستقبل، وندرك أنّ النهوض بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ليس من المحال. وأنّ تغيير موازين القوى لصالحنا ليس مستحيلا. فليس أخطر على الأفراد والشعوب من سريان الإحباط واستبداد اليأس بالنفوس. وإنّ غدا لناظره قريب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق