رأيراي رئيسي

نهايات المستبدين وبدايات الشعوب
حتى لا تهاجرنا العصافير

بحري العرفاوي

مواسم الحرية هي كما مواسم هجرة الطيور حين تغادر مواطن الضيق والعطش والجوع باتجاه فضاءات أرحب مجالا وأوفر حظوظا للحياة والخصوبة والتجدد.

هذه المواسم لا تحصل كل يوم إنما تحصل حين تجتمع “أسرار” ومواعيد مع القدر، هي مواسم لا يضرب لها الناس مواعيد وإنما تستدعيهم كما يستعدي المستقبلُ شبابا وأطفالا أن هلمّوا اصنعوا مجدكم وغادروا عجزكم وكسلكم وخوفكم.

من خاصيات مواسم هجرة الشعوب ـ على خلاف هجرة الطيور ـ أنها لا تحدث من مكان إلى آخر وإنما من حال إلى حال، مواسمُ لكسر القيود وإزاحة غطاء الخوف والتردد، مواسم تبدو فيها الجماهير كما الموج الذي لا يصمد أمامه حاجز ولا يغالبه طاغ ولا باغ.

التونسيون الذين أرعبوا بن علي بأصواتهم وقبضات أيديهم وصرخاتهم “ارحل” كانوا يومها كما قَدَرٍ لا رادّ له ولا يعلم المستبدّ من أين خرج له هذا القدرُ ولا من أين نزل وكأنه الغيبُ يفتح على عصر للتونسيين جديد.

في عالم الطير ثمة نظام حركة ومسارات عبور وثمة قيادات وخلايا تسيير وتدبير كما لو أنها “أمة” بل إنها أمة كما عبّر عنها القرآن وكما عالم النمل والنحل أيضا ، وتلك عوالم تشتغل بالفطرة التي فطرها الخالق عليها فاحسن خلقها وقَدّرها تقديرا.

في عالم الناس ثمة عقلٌ موجبٌ للمسؤولية وثمة إرادة حرة متبوعة بالمحاسبة، الشعوب التي تتحرك كما القَدَر يحتاج تحركها عقلا مُبدعا وإرادة حرة حتى لا تكون تحركاتها كما ماءِ سحابٍ لا بئر امتلأت ولا حرث ارتوى ولا حدائق شربت وهو الخسران والسفاهة والعبث، وأي سفاهة أكبر من تفريط في “قَدرٍ” يَقذف به الغيب فيبعث الرعب في مستبد ظن أنه ينامُ على طبقات سحابٍ لا يمسه سوء ولا تطاله غضبة شعب.

خروج بن علي والقذافي ومبارك وعبد الله صالح من المشهد السياسي العربي كان “عُروجا” بالشعوب نحو أحلام وآمال وانتظارات ومواعيد مع مستقبل ظنوه أُغلق بوجوههم وسُدّت منافذه.

هذا كلام جميل في الثورة والشعوب والأشواق والقَدر والغيب ومواسم “هجرة” الطيور، ولكن أسئلةً تزعج الساسة حين يُنادَون ليقفوا أمام “مُنجزاتِ” ثمانية أعوام، منجزات الاقتصاد والتشغيل والصحة والتعليم والأمن والثقافة والرياضة والفنون والفلاحة والتجارة، تلك “التفاصيل” والتفصيلات هي المزعجة للعقل السياسي وهي التي تُفسد على الحالمين حُلمهم حين تنتزعهم من عوالم المتخيّل إلى عالم الناس ودبيب الشوارع وحاجات الأطفال والبنات والأمهات والآباء، هذه الأسئلة تطالعنا ونحن نندفع بحماسة لنعطي “دروسا” لشعوب أخرى من أشقائنا نشعر أننا نحن “معلموهم” وأننا من استدرّ من عوالم الغيب قَدَرًا فتح على مستقبلٍ للشعوب واسعٍ رحيب، يشعر التونسيون ـ ولهم الحق في ذلك ـ أن شعوب العرب من مصر إلى الجزائر والسودان وليبيا وغيرها “مدينةٌ” كلها إلى ولاعة البوعزيزي وإلى روحه التي استحالت غضبا وحماسة وتوغلا في “الغيب” المُثقل بدعوات المظلومين وشهقات الأطفال ودموع المُيتمين والمغدورين في أحلامهم وشبابهم، التونسيون يرون أنهم هم المخولون لتقديم “نصائح” لحراك الجزائر وحراك السودان يخشون عليهم من مصير المصريين مع عسكر السيسي حين اختطف حراكهم وأجهض “قَدَرٌا” مازال أشقاؤنا المصريون يتهجون رموزه ويرقون مراقيه حين كَسر بهم السيسي مَرْقى الحُلم.

حين تكون الشعوب غضبة صماء قُبالة الاستبداد فمن واجبنا وحقنا أن ننحاز إليها وأن نبدي لها مواقف ووجهات نظر، وأن نُسدي إليها نصائح مُستخلصة من تجربة الثمانية أعوام ، يُعوّلونا على نخبتنا الأكثر اتزانا وإلماما وحكمة واستشرافا ووعيا بمخاطر أعداء الداخل والخارج، ولا يُعتَبر ذاك “تدخلا” في شأن داخلي ولا انحشارا في ما لا يعنينا بل إنه يعنينا اتساع دائرة التحرر وامتداد قَدر الشعوب حتى نكون أكثر تحصّنا من عودة الاستبداد وحتى نقطع على الحالمين بعودته خيوط أحلامهم وأوهامهم.

ولكن حين يكون في شعوب الحراك أكثر من وجهة نظر أو حين يكون “صراعٌ” بين جماعات ومحاور فلا يكون من الحكمة ولا من مقاصد الثورة أن نُسهم في تأكيد حالات الانقسام والاصطفاف إنما يكون من الحكمة العمل على منع توسع مسافات الصراع بين أبناء الشعب الواحد حتى لا تُفتَح منافذ لقوى الشر من عرب وغرب لا تعنيهم حرية شعوب ولا كرامة مجتمعات ولا رفاه مواطنين إنما تعنيهم مصالحهم فقط.

“مواسم الهجرة” في بلادنا العربية لم تتوقف عن الدفع بأسراب العصافير في رحاب سمائنا وفي ربوع أوطاننا وهي كرامات من الله وبركات من عوالم الغيب وهي “قَدَرٌ” يعجز الطغاة عن فهم أسراره، وعلى شعوبنا أن تُحسن التقدم في هذا الزمن الذي لا يمكن أن يتكرر إذا ما ـ لا قدر الله ـ خرجنا منه بسوء تقدير وفساد تدبير وضَعْف ضمير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق