دولي

الحرب في ليبيا والرهان المغاربي

محمد كشادة – صحفي وباحث ليبي –

يبدو أن صانع القرار السياسي في حكومة الوفاق قد أدرك أهمية الرهان على دول المغرب العربي لمواجهة الهجمة الشرسة على ليبيا، بعد الموقف التاريخي القوي لتونس والجزائر ولقاء وزراء خارجية البلدين والدعوة لوقف الحرب، ورفض قصف عاصمة مغاربية.

وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا يزور تونس الأحد 28 أفريل 2019م، وفي مؤتمر صحفي أكد الخطر الذي يهدّد كل دول المغرب العربي نتيجة الحرب في ليبيا، وأنّ هناك مخططا يستهدف كل دول المنطقة.

كما التقى الوزير فتحي باشاغا بوزير الداخلية التونسي هشام الفوراتي، وأطلعه على تطوّرات الوضع الأمني في ليبيا، وأكد وزير الداخلية التونسي هشام الفوراتي على موقف تونس الداعي إلى الوقف الفوري للاقتتال مراعاة للمصلحة الوطنية العليا لليبيا، والمحافظة على المسار السياسي كسبيل أوحد لحلّ الأزمة، وأن تونس تواصل الجهود الأممية لإيجاد تسوية سياسية شاملة تقوم على التوافق بين كافة الأطراف بما يحفظ أمن واستقرار وسيادة ليبيا.

ليبيا.. سيناريوهات مظلمة

لا شك بأن ما يجري الآن في ليبيا، وتلك الحرب الدائرة على أطراف طرابلس تشكل تهديدا وجوديّا ليس للدولة الليبية فقط، بل لكل دول المغرب العربي. صراعات المحاور في المنطقة العربية ورغبة محور السعودية الإمارات مصر البحرين في واد ثورات الربيع العربي، وإعادة إنتاج الأنظمة الدكتاتورية التي انهارت في عام 2011م، كل ذلك يؤكّد بأنّ تداعيات الحرب في ليبيا ستكون عابرة للحدود، وأنّ استمرار هذه الحرب سيكون طوفان يجتاح كل دول المنطقة.

إن الدول العربية الداعمة لحفتر في حربه التي يشنها على طرابلس لا تكترث بالتداعيات الخطيرة ولا بدماء وأرواح الشعب الليبي، وهي لا تملك أن تظل بيدها مسارات تطوّر الأحداث في أزمة تدخل فيها كثيرا من اللاعبين الإقليميين والدوليّين، لا يملك الأشقاء العرب الذين يسخرون إمكانياتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية لدعم حفتر أن يقدموا لنا إجابات واضحة عن مدى قدرتهم على الإمساك والتحكم بالملف الليبي، حتما سوف يخرج ملف الأزمة الليبية من أيديهم، وتصبح ليبيا رهينة لعبة الأمم الكبرى. لقد أضاع العرب بخلافاتهم وأجنداتهم المتصارعة العراق وسوريا من قبل، والآن فعل نفس الشيء في ليبيا، من يريد أن يعرف ماذا ستفعل السعودية والإمارات في ليبيا فلينظر إلى اليمن، باسم مكافحة المدّ الشيعي الإيراني وحماية الأمن القومي لدول الخليج العربي أطلقت عاصفة الحزم في مارس 2015م، إلّا أن السعودية والإمارات قد انحرفتا عن الأهداف المعلنة، تم تقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ بينهما، وتمت السيطرة على المدن الساحلية الهامة والموانئ، ودفع الشعب اليمني وما زال يدفع فاتورة باهظة.

إن ليبيا مهددة بأن تصبح سوريا جديدة، وتصريحات الرئيس التركي أردوغان ليست عبثية، ومن المؤكد بأن محور مصر الامارات السعودية لن تروق له تصريحات أردوغان، وسوف يستمر في دعمه لحفتر، إنها إرهاصات معركة كبرى، ومحاور دولية وإقليمية تتشكل، وعلى دول المغرب العربي أن تأخذ زمام المبادرة، وأن تعلن تضامنها مع ليبيا، أن ليبيا الغنية بالنفط والغاز رقم اقتصادي مهم في منطقة المغرب العربي، 74 مليار برميل احتياطي النفط، و174 ترليون قدم مكعب احتياطي الغاز، فهل تترك هذه الثروة الهائلة لكي يدمرها محور الشرّ العربي، وبحجج وذرائع كاذبة؟ لماذا تترك الإمارات مهمّة تحرير جزر طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى التي تحتلها إيران منذ عام 1971م، وتتوسع وتتمدّد إلى اليمن وجيبوتي والصومال وإريتريا وليبيا وموريتانيا؟ هل يريد أصحاب الأمر في الإمارات اليوم بناء إمبراطورية عربية تمتد من الخليج إلى المحيط؟ لسنا مجانبين للصواب إذا ما قلنا بأنه زمن الحروب العربية العربية، حين يوظف أشقاؤنا في الإمارات والسعودية أموالهم في شن الحروب وتدمير الدول العربية، ويتركون العدو الحقيقي وهو إسرائيل.

إن ليبيا المضطربة اليوم حين تكون مستقرة تنعم بالأمن فإنها تفتح أبوابها لجيرانها، فتنتعش حركة التبادل التجاري، وانسياب السلع والخدمات، وحركة الأفراد، وتأتي العمالة من الدول المغاربية لتشارك في بناء ليبيا، وتستفيد من فرص العمل.

اتحاد المغرب العربي.. عملاق على خرائط الجغرافيا

إننا على ثقة بأن تفعيل اتحاد المغرب العربي، وصوت الشعوب المغاربية الرافض للحرب والمساند للشعب الليبي في معركته لبناء دولة ديمقراطية مدنية، سوف يحدث تغييرا استراتيجيا في حلبة الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ في ليبيا، في الوقت الذي بدأت تتراجع فيه ثورات الربيع العربي أمام ضربات القوى المضادة، أثبتت الشعوب العربية في الجزائر والسودان بأن صوت الشعوب هو الأقوى. وبأن حسابات بعض الدول الكبرى والأنظمة العربية الموالية لها هي حسابات خاطئة.

ونحن أبناء الشعوب المغاربية يجب أن ندرك مقوّمات قوتنا، وأن نستثمرها وفق رؤى استراتيجية لكي ننهض، ونحمي وجودنا وأمننا القومي، ومستقبل أجيالنا القادمة.

جاء في تقرير لمركز برق للدراسات والأبحاث بعنوان: “اتحاد المغرب العربي: الواقع والتحديات”: “إن المتمعن في الخريطة الجغرافية لدول المغرب العربي سيجد تكاملا وتناسقا طبيعيين، وذلك لما تزخر به هذه الدول من موارد طبيعية مختلفة ومتنوعة، وحدود مشتركة برية وبحرية تساعد على حركية وتنقل الأفراد والبضائع بكل سهولة من موريتانيا إلى تونس أو العكس، كما أن وحدة اللغة والدين والثقافة تشكل عاملا إيجابيا إضافيا. فدول الاتحاد تتمتع باقتصاديات متنوعة حيث تعتمد كل من تونس والمغرب بشكل كبير على الفلاحة وأنشطة متنوعة بينما ليبيا والجزائر فتعتمدان على إنتاج الغاز والنفط وتتوفر موريتانيا على مخزون كبير من ثروات معدنية وطبيعية، ناهيك عن اليد العاملة المؤهلة المتوفرة في دول المنطقة الأمر الذي يوحي بتكامل اقتصادي يحقق اكتفاء ذاتيا لدول المغرب العربي ويجعل منه اتحادا قويا ومنافسا لباقي التكتلات الإقليمية المجاورة”.

وجاء في الدراسة أيضا: “تبلغ مساحة اتحاد المغرب العربي حوالي 5.782.140 كلم مربع، وتشكل هذه المساحة حولي 42 % من مساحة الدول العربية مجتمعة تتركز 41 % منها في الجزائر، ويصل طول الشريط الساحلي لدول الاتحاد 6505 كلم، ويصل تعداد سكانه حوالي 80 مليون نسمة حسب إحصائيات عام 2000 حيث يعيش 78 % من سكانه مناصفة في الجزائر والمغرب، وتبلغ نسبة المساحة الصالحة للزراعة من مساحة الاتحاد إلى ما يقارب 3.7 % تقع 43 % من هذه الأراضي في المملكة المغربية، كما يبلغ مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول اتحاد المغرب العربي 389.6 مليار دولار أمريكي وهو ما يعادل حوالي 32 % من إجمالي الناتج المحلي للدول العربية، ويصل معدل النمو السكاني لدول الاتحاد المغاربي إلى 1.7 %”.

إذن من العبث أن يظل هذا العملاق – اتحاد المغرب العربي – معطلا، خاصة في ظلّ التحديات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية، وخاصة المنطقة المغاربية. واقع عربي متأزم، وغياب كامل لدور الجامعة العربية. نحن على ثقة بأن الوحدة الاندماجية بين دول المغرب العربي ليست بالأمر السهل لأسباب كثيرة، وأيضا في ظلّ بعض الخلافات بين بعض الدول المغاربية خاصة الجزائر والمغرب بشأن الصحراء الغربية، نحن نريد اليوم خلق قواسم مشتركة بين الدول المغاربية، وتنسيق السياسات والمواقف تجاه القضايا في المنطقة خاصة القضية الليبية، نريد أن تصبح ليبيا قضية مغاربية بامتياز، وان تتكتل كل الدول المغاربية لدعم صمود قوى الثورة الوطنية في ليبيا، وان يقول الأشقاء المغاربة بصوت عالي: لا لتدمير ليبيا، وأن يرتفع صوت الشعوب المغاربية رافضة للحرب في ليبيا، وداعمة للحل السياسي.

الدول المغاربية.. تاريخ من التضامن في زمن الحروب

في التاريخ دروس وعبر، ومواقف مشرفة، وما أحوجنا نحن أبناء هذا الجيل أن نتعلم من تجربة ونضالات الأجداد. يخبرنا التاريخ عن قصة حرب السنوات الأربعة بين ليبيا والولايات المتحدة الأمريكية ما بين عامي 1801م-1805م وكيف ساندت دول المغرب العربي ليبيا في مواجهة الغزو الأمريكي والغطرسة الأمريكية.

يقول التاريخ: ” في الوقت الذي وقعت الولايات المتحدة اتفاقيات صداقة مع المغرب والجزائر ودفعت الرسوم اللازمة لذلك وقدّمت الهدايا القنصلية المتعارف عليها وقتها، فإنها استخدمت سياسة مختلفة مع ليبيا وتونس تقوم على إثارة المشكلات والتعامل وفقا لمبدأ ازدواجية المعايير والتهرّب من دفع الرسوم لتأمين سفنها التجارية كما فعلت مع المغرب والجزائر، أي أنها كانت تريد أن تجرّ ليبيا وتونس إلى الصدام المسلح والحرب وقد أمكن لها أن تؤمن ظهرها بعد أن أخرجت الجزائر من معادلة الصراع.

 تم توقيع اتفاقية الصداقة والسلام بين ليبيا والولايات المتحدة في 4 نوفمبر عام 1796م ودفعت الولايات المتحدة مبلغ 40000 دولار للحكومة الليبية مع الهدايا القنصلية التي تقدر بمبلغ 12000 دولار، وقدمت بعض الذخائر البحرية وأقمشة قنب وقار وألواح أخشاب وغيرها من لوازم البحرية فما الذي حدث بعد توقيع الاتفاقية؟

لم يسد السلام علاقات البلدين، والولايات المتحدة لم تكن تريد السلام أصلا مع ليبيا كما كان توجه سياستها مع الجزائر والمغرب وتونس، فلقد ثارت الخلافات بخصوص تفسير بنود الاتفاقية الموقعة بين البلدين خاصة المادة الأولى والمادة الثانية عشر من الاتفاقية، كما أن الليبيين كانوا غير راضين على المبلغ الذي دفعته الولايات المتحدة نظير توقيع اتفاقية السلام بين البلدين إذ كان أقل من المبالغ التي دفعت للجزائر وتونس، لقد كان الأمريكيون يتعمدون إهانة شعور الليبيين بقوة واستقلال بلادهم وقد كان ردّ يوسف باشا القره مانلي حازما تجاه هذا الاستخفاف الأمريكي المتعمد، فقد أكد لانجرام القائم بالأعمال الأمريكي في طرابلس في عام 1798م بأن على الولايات المتحدة أن تعامل ليبيا كدولة مستقلّة إذا أرادت أن تقيم معها علاقات طيبة، وكرر نفس الموقف في عام 1799م أثناء لقائه مع جيمس كاثكارت أول قنصل أمريكي في ليبيا إذ قال له: بأنه أمير مستقل ولا يخوّف بالجزائر أو تونس ولا حتى بالسلطان العثماني فهو يحكم في مملكته تماما كما يفعل داي الجزائر في بلاده.

لكن الأمريكيين أصرّوا على تصعيد الموقف مع ليبيا إلى أن وقعت الحرب بين البلدين في عام 1801م وحتى عام 1805م، وقد جاءت الحرب بعد فشل الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها التي تنص عليها اتفاقية السلام عام 1796م، فقد امتنعت الولايات المتحدة عن دفع مبلغ 6000 دولار وهي أموال مترتبة عليها طبقا لبنود الاتفاقية، كما أنها ماطلت في إرسال قنصل أمريكي الى بلاط طرابلس حتى عام 1799م أي بعد حوالي عامين من توقيع الاتفاقية، وهي يضأ أي الولايات المتحدة لم تفي بوعدها بتسليم البحرية الليبية سفينة حربية كتعويض عن استلام ليبيا مبلغ اقل من المبالغ التي دفعت للجزائر وتونس، ولقد انتهى هذا الخلاف الليبي الأمريكي إلى إعلان الحرب من قبل ليبيا على الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1801م .

وإزاء إعلان الحرب قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تضرب الحصار على طرابلس، وهي نعتقد بأن الحرب ستكون نزهة وأن شعب ليبيا الأمن في بلاده سيركع لها ويعلن استسلامه، وحاصر الأسطول الأمريكي طرابلس من عام 1801م الى عام 1802م، وفشل الحصار لأن البحرية الليبية استطاعت أن تخترقه بل نجحت في عام 1802م في أسر سفينة أمريكية اسمها فرانكلين كانت متجهة إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، وتم نقل قائدها والبحارة الذين معه إلى طرابلس وطاف بهم الجنود الليبيون في شوارع طرابلس وسط هتافات الجماهير وابتهاجهم، وكان على الولايات المتحدة أن تدفع حوالي 5000 دولار فدية لبحارتها الذين تم أسرهم، واستمر الأسطول الليبي يحقق الانتصارات في اختراق الحصار الأمريكي وافشل المخطط الأمريكي الذي يرمي الى قطع الإمدادات من السفن التي تحمل الأسلحة والذخيرة والمواد الغذائية والقادمة من دول شمال أفريقيا والمشرق العربي، وهنا يسجل التاريخ الموقف العربي الشجاع الذي وقفته دول شمال إفريقيا تونس والجزائر والمغرب، فهي على الرغم من اتفاقياتها الموقعة مع الولايات المتحدة قد ساهمت في دعم صمود الشعب الليبي”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق