رأي

تعثّر انطلاق “شركة تحيا تونس”!

– محمد القوماني –

انطلقت أشغال المؤتمر التأسيسي لحزب حركة تحيا تونس يوم السبت 27 أفريل 2019  في رادس، بتلاوة الفاتحة على أرواح المفقودين في حادث السبّالة من ولاية سيدي بوزيد. ولم تظهر على الصفحة الرسمية للحزب صور بحجم ما تمّ الترويج إليه منذ مدّة، بل كان الحضور عاديا جدا في صفوف المؤتمرين، أمّا الضيوف فلا أثر لهم. ولم يشكّل المؤتمر حدثا يُذكر، ناهيك أنّه تزامن لسوء الحظ، مع فاجعة عاملات الفلاحة الكادحات. وفي خطوة مفاجئة في اليوم الثاني أعلن المنسّق العام للحزب سليم العزابي تأجيل فعاليات حفل اختتام المؤتمر لمساء يوم الاربعاء 1 ماي 2019، “نظرا للمتابعة الشخصية من قبل رئيس الحكومة لآثار الفاجعة على عائلات الضحايا و بطلب منه، واعتبارا لحالة الحزن العميق التي تسود كامل تراب الوطن”. كما جاء في بلاغ الحزب. والحال أنّ المؤتمر اشتغل ليوم كامل بعد خبر الحادث، والشاهد لا يشارك في أشغاله.

وفي الأثناء بدأت تتسرّب من رادس أخبار، وتُكتب تدوينات لقيادات بالحزب، تفيد أنّ خلافات حادّة تهدّد استمرار المؤتمر، بما جعل قرار التأجيل مناورة لتطويق الخلافات والبحث عن مخارج. وقد ذكر العزابي في أوّل تصريح صحفي له يوم السبت “أننا في المؤتمرات نعرفوا كيفاش ندخلوا وما نعرفوش كيفاش نخرجوا”.

فمنذ إعلان تأسيس حركة تحيا تونس يوم 27 جانفي 2019 بالمنستير، زعم التحياويون أنّهم “سيأتون بالشمس من برج الأسد”. وصدّعوا الآذان بأنّ حزبهم، خلافا لبقية الأحزاب، سيكون ديمقراطيا منذ المهد، بالانطلاق من انتخابات محلية وجهوية قاعدية، تتوّج بمؤتمر وطني يعتمد الانتخابات آلية وحيدة في اختيار قيادته. وها أنّ  ثلاثة أشهر مضت الآن عن تلك التحضيرات، ولم نسجّل انتخابات في أيّة جهة، بل تمّ اعتماد التوافق في القائمات. وفي انطلاق المؤتمر الوطني تمّ الحديث أيضا عن توافق حول أعضاء المجلس الوطني وعن الأمين العام وعن سائر المناصب القيادية. وبدا المؤتمر شكليّا إلى حدّ كبير، وكان التركيز على التنظيم والإبهار في الافتتاح والاختتام. لكن يبدو أنّ الرياح جرت بما لم يشته السَّفَنُ.

فعلى غرار تجربة نداء تونس،  تسرّبت أخبار عن وجود خلافات مبكّرة وحادّة بين الروافد المكوّنة للحزب، وخاصة بين ذوي الأصول الدستورية وذوي الانتماء السابق لأحزاب الوسط الاجتماعي من الجمهوري وآفاق تونس والنقابيين وغيرهم. ورشح أنّ التجمعيين السابقين يتوجّسون  من إرادة المجموعة الأقرب للشاهد و العزابي في إقصائهم من تولّي مناصب حسّاسة و مسؤوليات قيادية، وأنّهم غير راضين عن مخرجات المؤتمرات الجهوية، وأنّ بعض القائمات تغيّرت حسب ادعائهم. ويرجّح أنه إذا لم تتمّ ترضيتهم، فالأقرب أن ينسحبوا ليلتحقوا مجددا بنداء تونس أو الحزب الحرّ الدستوري.

وفي المقابل يتوجّس البعض الآخر من رغبة التجمعيين بقيادة عبد الرحيم الزواري ومن حالفهم على غرار المهدي بن غربية، من محاولة الاستحواذ على الحزب بتقلّد المناصب القيادية المؤثّرة. وفي هذا السياق كتب القيادي مصطفى بن أحمد على صفحته الخاصة بالفايس بوك مساء انطلاق المؤتمر “إنّي مستعدّ لأدفع حياتي من أجل حرية تفكيري وإبداء رأيي، ولذا الذين يفكرون في إسكاتي يمضمضو، أقصى ما يمكن ينتزعوه مني هو نخليهالهم واسعة وعريضة وللحديث بقية”. وقد عاد  من الغد ليتبرأ من تهمة السعي إلى إقصاء الدستوريين، ويؤكّد أنّ الخلافات لن تشقّ الحزب، وأنّ الجميع سيتوحّدون مساء الأربعاء. لكنه “استغرب أسلوب التجييش العاطفي ضدّه، وهو أسلوب لا يختلف عن أسلوب التكفير”، وهذا ما يعزّز فرضيّة وجود خلافات حادّة في انطلاق المؤتمر الوطني، رغم صمت قيادات أخرى تعوّدنا منها حضورا إعلاميا لافتا وتدوينات حينيّة.

أمّا عن المضامين التي اجتمع حولها المؤسسون، ويُفترض أنّه على أساسها يتمّ الانخراط في الحزب، فلم تتناول وسائل الإعلام شيئا منها، ولم يُعرب المتحدّثون باسم الحزب عن أيّة عناوين واضحة أو أفكار أو مقترحات، تمّت مناقشتها والاتفاق حولها أو الاختلاف عليها. واكتفوا بما قيل يوم إعلان الحزب أنه ذا “مرجعية ديمقراطية وحداثية، تقوم على الفكر البورقيبي والفكر الإصلاحي التونسي، والتصدي لأي مشروع رجعي”، وفق  ما قال مصطفي بن أحمد، أحد أبرز أعضاء الحزب، خلال تلاوته لبيان الحركة في المنستير ورئيس لجنة اللوائح برادس. وتلك شعارات فضفاضة يردّدها أكثر من طرف حزبي، ولا تبدو لها مصداقية في صفوف التحياويين، الذين لم تبرز بينهم إلى حدّ الآن، شخصيات فكرية أو سياسية وازنة ومؤهلة لتوضيح هذه الشعارات، أو ذات رصيد في هذا المجال.  ولذلك تدور الخلافات حول أشخاص ومواقع وروافد، أمّا اللوائح فقيل أنّها جاهزة وسيتم إقرارها في ختام المؤتمر. ويشكك البعض في نشرها بعد المؤتمر. والخشية أن يكون أغلب الذين حضروا  في رادس، وبعدد دون المأمول كما أسلفنا، من نوعية من حضروا مؤتمر نداء تونس في المنستير، ولا يعرفون لماذا جيء بهم؟ ولا على ماذا سيصوّتون؟ وهل يحضرون مؤتمرا أم مهرجانا؟.

ويبقى الأهمّ من كلّ ما سبق، التساؤل من جهة عن طبيعة هذا الكيان السياسي المزمع تأسيسه؟ وعن موقع رئيس الحكومة داخله؟ فقد راج قبل الإعلان أنّه “حزب الشاهد”. وصرّح قياديون من بينهم العزابي أنّ “الشاهد زعيم حزب تحيا تونس”. والحال أنّ الشاهد لم يعلن انتماءه إلى الحزب إلى حدّ اليوم، ولم يحضر اجتماعات علنية له. وأنّ الزعامة السياسية تنحتها السنون والتجارب والنجاحات، ومن المجاز أو إفراغ المفاهيم من محتوياتها، وصف الشاهد بالزعيم، وهو في المرحلة الأولى من تجربته السياسية. ومن جهة ثانية، يتساءل البعض عن مستقبل حزب روّج لديمقراطية مثالية سيتأسّس عليها، وتبيّن في الواقع أنّه يقوم على التعيين باسم التوافق. إذ قال بعضهم أنّ أعضاء المجلس الوطني لتحيا تونس، عيّنهم العزابي والشاهد، وأنّ هامش التنافس في الحزب الجديد أقلّ بكثير مما كان عليه التنافس في اللجنة المركزية للتجمع الدستوري المنحلّ. بما يجعل الحزب أقرب إلى “شركة”، لها مجلس إدارة، نعلم رئيسه فقط وبعض أعضائه، وتباع أسهمها في البورصة، ولم يتبين بعد وزنها في السوق. وشتّان بين إدارة حزب سياسي وإدارة شركة.

وفي انتظار ما سيسفر عنه المؤتمر الذي نخطّ هذا المقال قبل اختتامه، ونشر مخرجاته، تبدو انطلاقة حزب حركة تحيا تونس متعثّرة، وتبدو الخلافات مرشّحة لمزيد التعقيد والتصعيد في تحديد المسؤوليات الأولى في القيادة، وفي تحديد قائمات الحزب للانتخابات التشريعية.  وهذه مؤشّرات لا تطمئن على استقرار الحكم بعد انتخابات 2019. فهذا الحزب الذي يرشّح نفسه للحكم أو لخلق التوازن مع حركة النهضة، لن تقلّ تداعيات فشله المحتمل سلبية عن الحكم والبلاد، عمّا عشناه ولازلنا من تداعيات فشل نداء تونس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق