دولي

دولة الإمارات.. ومحاولة بائسة للهيمنة على ليبيا

محمد عمران كشادة – صحفي وباحث ليبي –

عبثا تحاول دولة الإمارات أن تهيمن على ليبيا، إنها بلا شك محاولة بائسة. فلا حقائق التاريخ ولا حقائق الجغرافيا يمكن أن تستسيغ هذا التعدي السافر على سيادة دولة، وهذا العبث غير المبرّر بأمن وطن ومستقبل شعب.

يوم الخميس 5 ماي 2019م قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش: “إن الأولوية في ليبيا لمواجهة التطرّف والإرهاب ومساندة الاستقرار للخروج من الأزمة التي طال أمدها”. وأضاف قرقاش: “ان اتفاق أبوظبي أعطى الفرصة لدعم العمليّة التي تقودها الأمم المتحدة، وأنه في الوقت ذاته، تستمر الميليشيات المتطرّفة في التحكم بالعاصمة طرابلس وتعطيل البحث عن حل سياسي”.

يبدو بأن أصحاب الأمر في دولة الإمارات يريدون دفع ليبيا إلى حرب أهليّة مدمّرة، في هذا التصريح لأنور قرقاش لا تبدو هناك أي قيمة لاتفاق الصخيرات، ولا لحكومة الوفاق، ولا للحلّ السلمي للأزمة الليبية. بل شعارات محاربة الإرهاب وهي شعارات زائفة، وإن الإرهاب الحقيقي هو ما يقوم به حفتر وبدعم من دولة الإمارات. وليس من حق دولة الإمارات أن تحدد لليبيين أولوياتهم.

قبل أكثر من 200 عام عندما كانت الدولة القره مانلية في ليبيا دولة معترف بها وتوقع الاتفاقيات مع الدول، وكانت تربطها بالدول العربية القائمة، والدول الأوروبية علاقات سياسية واقتصادية، واصطدمت بالولايات المتحدة الأمريكية وهي تدخل إلى منطقة البحر المتوسط لأول مرة. في ذلك الزمن البعيد لم تظهر على خرائط الجغرافيا في المنطقة العربية دولة اسمها الإمارات العربية المتحدة. بل كانت هناك مجموعة من الإمارات المنقسمة والمتصارعة بينها والتي كانت تسمى بالإمارات المتصالحة. وعندما أعلن في ديسمبر عام 1951م عن مولد الدولة الليبية الحديثة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، كان العالم سيشهد مولد دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر عام 1971م، أي بعد أكثر من 20 عام من مولد الدولة الليبية، فلماذا ينسى الأشقاء في دولة الإمارات هذه الحقائق؟. وإذا كان النفط والغاز والموقع الاستراتيجي من أهم مقوّمات القوة الاقتصادية لأي دولة في عالم القرن الواحد والعشرين فإنّ دولة الإمارات بما تملك من نفط وغاز وموقع استراتيجي لا يمكنها أن تنافس ليبيا. لذا فإنّ ما تقوم به دولة الإمارات اليوم من هجمة شرسة على ليبيا لتدميرها ومنع قيام قوّة اقتصادية منافسة لها لن تكون إلا محاولة بائسة وحرب خاسرة.

لن يكون مصير ليبيا مثل اليمن التي تقاسمت فيها دولة الإمارات النفوذ مع السعودية، وسيطرت على المواقع والموانئ الاستراتيجية الهامة، جزيرة سوقطرى، وجزيرة ميون في مدخل باب المندب، وميناء عدن، وغيرها من المدن اليمنية ذات الموقع الاستراتيجي على شاطئ بحر العرب، وتسببت الإمارات وحليفتها السعودية في مأساة إنسانية للشعب اليمني لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث.

دولة الإمارات التي تدعم حفتر في حربه المزعومة على الإرهاب، وتؤجج الصراع في ليبيا، ارتكبت جرائم كبرى في حق الشعب الليبي، وهي جرائم لن تسقط من ذاكرة الليبيين، كان للأمير زائد بن سلطان رحمه الله قول شهير في أثناء حرب أكتوبر عام 1973م عندما اتفق العرب على حظر الإنتاج النفطي للضغط على الدول الغربية المساندة لإسرائيل. فقد قال الشيخ زايد: “إن الذين قدّموا دمائهم في معركة الشرف قد تقدّموا الصفوف كلها، وإن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي، إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرّة أخرى، فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية البترول وبين أن نعود إلى أكل التمر”. والآن قد تنكر أبناء زايد أصحاب الأمر في دولة الإمارات اليوم لهذه الحكمة، فلم يعد للدم العربي حرمة، وأصبحوا يتحركون على الساحة الإقليمية والدولية في مستوى أكبر من حجم دولتهم التي لا تتجاوز مساحتها 85 ألف كم2، وبتعداد سكاني ضعيف، وسخّروا قدراتهم وإمكانياتهم الاقتصادية في مشروعات توسع لا تخدم مصالحهم، بل تخدم مصالح دول استعمارية كبرى.

إن شعار محاربة الإرهاب الذي ترفعه دولة الإمارات ليس إلا كذبة كبرى، للحقيقة وجه آخر: ثمة صراع محاور ونفوذ في المنطقة بين دولة الإمارات وحلفائها من جهة، وقطر وتركيا وحلفائهما من جهة أخرى. كما أن دولة الإمارات تريد الإجهاض على كل ثورات الربيع العربي. في جويلية 2017م قال السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة في مقابلة على قناة PBS الأمريكية: “إن الخلاف مع قطر ليس دبلوماسيا بقدر ما هو خلاف فلسفي حول رؤية الإمارات والسعودية ومصر والأردن والبحرين لمستقبل الشرق الأوسط، إن ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات هو حكومات علمانية مستقرّة ومزدهرة، وذلك يتعارض مع ما تريده دولة قطر حسب تعبيره”.

وقد كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن أن دولة الإمارات ضخّت كثيرًا من الأموال في إطار جهودها الهادفة إلى إجهاض الربيع العربي، وتهميش دور الإسلام السياسي في المنطقة، وفي تقرير أصدرته الفايننشال تايمز تحت عنوان: “الإمارات تضخ أموالًا لتهميش دور الإسلام السياسي في المنطقة”.. قالت صحيفة فايننشال تايمز: “إن أحد أسوأ الأدوار التي تقوم بها دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تتمثل بمحاربة الإسلام في الحياة العامة في البلاد العربية، لا سيما تلك التي حطّ فيها قطار ثورات الربيع العربي هو ضخ الكثير من المال لتهميش الإسلاميين”.

وكشفت تقارير الأمم المتّحدة عن انتهاك الإمارات لحظر السلاح المفروض على ليبيا، و قال خبراء من الأمم المتحدة: “بأن الإمارات صدّرت بشكل غير مشروع أسلحة إلى ليبيا، وإنهم تلقوا معلومات تفيد بأن أبو ظبي نقلت عتادا عسكريّا إلى مدينة طبرق شرق البلاد”.

كما نقلت وكالة فرانس برس الثلاثاء 7 ماي 2019م عن مصادر مطلعة أن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة يحقق الآن في غارات شنتها قوات خليفة حفتر باستخدام طائرات بدون طيار صينية الصنع على مدينة طرابلس.

وقالت الوكالة: “إنها اطلعت على تقرير سرّي أعدّه فريق الخبراء والذي يشير إلى بقايا بعض الصواريخ المستخدمة في الغارات التي شنتها قوات خليفة حفتر على طرابلس وهي عبارة عن صواريخ جو-أرض يتم إطلاقها من طائرة بدون طيار صينية الصنع من نوع وينغ لونق”.

وأضافت الوكالة: “بحسب التقرير الأممي إن طائرات وينغ لونق والصواريخ المستخدمة في الغارات على طرابلس تمتلكها الإمارات والصين وكازاخستان فقط، والذي يعزز فرضية تورّط الإمارات في القتال الدائر في جنوب طرابلس”.

يبدو أن أصحاب الأمر في دولة الإمارات وهم يتجهون إلى بناء إمبراطورية عابرة للحدود والقارّات يراهنون على قوّة الاقتصاد الإماراتي والموارد المالية الضخمة التي بحوزتهم، وهو رهان خاسر لدولة تركت العدو الحقيقي الذي يحتل جزرها (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى)، وتركت إسرائيل، واتجهت لبناء أمجاد زائفة والتوسّع وراء أوهام الهيمنة والسيطرة على حساب دماء الشعوب العربية.

إن ليبيا التي لم ترضخ لإيطاليا الفاشية وقدمت أكثر من نصف مليون شهيد في 35 عاما هي عمر الاحتلال الإيطالي في ليبيا، سوف يلقن رجالها الأحرار دولة الإمارات درسا قاسيا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق