رأي

في الثورة و التاريخ والسياسة

– نور الدين الختروشي –

زمن الثورات هائج دائما، في مد وجزر، متكرر بروتين الرغبة في الاستقرار على شاطئ العقل، وقوة الجذب للاستقرار في عمق مياه تتحرك دائما ولا تتقدم أبدا..

متعبة ومرهقة حد الاستنزاف انتظارية السياسة على حدود مياه الثورة الهائجة غدوا ورواحا.

نحن في زمن ثورتنا لم نغادره.. مازالت لحظة التدشين تستغرقنا وعيا وخطابا..

الثورة بصدد اعادة صياغة وعينا.. نحن بصدد استكشاف ذواتنا …

ربما لم تحن لحظة تعقل ثورتنا لأنها ببساطة لم تكتمل.. لأنها مازالت بصدد صهر وعينا  في أفق التاريخ بعد أن تشكل وعينا في بوتقة الزمن.. كنّا ننتج وعيا ليخلصنا من القدر،  فإذا بالثورة تحوّل قدرنا تاريخا..

وفي انتظار أن يتحول إحساسنا بالتاريخ إلى وعيه، لن ننجح في تعقّل الثورة ولا في التفكير فيها، ولا في عقلنة مسارها..

مدهشة عفوية القضاء عندما تتحول إلى تاريخ.. ليس مطلوبا منا كتابته بل مفروض علينا صناعته..

الثورة التونسية استثناء من دون شذوذ على الهيكل العام لتوبولوجيا الثورة كما عرفتها بقية تجارب الشعوب في التاريخ الكوني الحديث..

تمايزت ثورتنا ولم تشذ عن قواعد اللّعبة.. فهي تمايزت بقفزها عن ثابت الطليعة الثورية التي خططت للثورات من قبلنا وأنجزتها، ثم احتكرت حقيقتها بعد انتصارها، وأمّمت “مجالسها الثورية” محمولها ومصيرها، وخطّت مسار تصفية أعدائها بحبر دموي كتب تاريخ القسوة والعنف بعنوان الحرية والعدالة.

قفزت ثورتنا على ثابت العنف المادي بقدر ما حرصت على العنف الرمزي فكتبت بداياتها بحبر رمادي انبجس منه جدلا طريفا بين عمق الرغبة في تصفية القديم، ومحدودية القدرة على بناء الجديد.

تمايز ثورتنا وتمنعها حد التمرد الإبستمولوجي عن الانضباط  للجاهز من النماذج الثورية عمّق حيرة استراتيجيات التسمية الممكنة لما حدث في تونس بين 17 ديسمبر و14 جانفي 2011.

نصف ثورة؟ أم انتفاضة؟ أم ثورة؟ أم مؤامرة؟

سؤال هل هي الثورة، يبدو دون معنى بالنسبة للتونسيين، لم يتوقفوا عنده ولم يلتفتوا لدهشة حاسة التفكير لدى المنظرين لضبط “ما حدث” تحت أقانيم التسمية والدلالة.

أكثر المعذبين بسعير الحيرة والبحث عن التسمية هم الخاسرون من الثورة في الداخل والخارج وقد هرب أغلبهم إلى ملجأ نظرية المؤامرة فوجدوا فيها ما بلّل شفاههم المتيبسة من عطش الدهشة مما وقع لهم ووقع فيهم.

السؤال سؤالهم… والحيرة حيرتهم..

مجرد المشاركة في هذا السجال هو دخول إلى منطقة نُواحهم الحزين على ضياعهم ويتمهم..

لسنا معنيين بياتامى الحرية، معنيون بتحويل القدر إلى تاريخ.. معنيون بترميز هذا المسار ليخلد.. تونس تنسلخ بهمة وهدوء من القدر لتدخل التاريخ.

أنجزت الثورة مطمحها التاريخي في القطيعة مع زمن احتكار الحقيقة العامة ودشنت وطنيا زمن الحرية والحداثة السياسية. ولكنها تلكأت وتثاقلت خطواتها في انجاز مطلوبها  الاجتماعي.

نجحت في وَقت قياسي في تفسيخ أسس منظومة الاستبداد واستبدلتها بمعمودية دستورية جديدة عنوانها وجوهرها تحرير الحيز السياسي من ممكن احتكاره وتأميمه. وفشلت في هذا المسار الممتد على ثمان سنين عددا في تصفية إرث القديم اسما ورسما..

نشط القديم في المربع الرمادي الذي اختارته ثورتنا وكاد أن يعود بنا إلى المربع الأسود ذات صيف من سنة 2013 لولا اختراع التوافق الذي اهتدى إليه الشيخان في غرفة باريسية معلومة اليوم للقاصي والداني.. أمّن التوافق المسار السياسي للثورة من ممكن انزلاقه إلى مربع التهارج والتحارب الذي استدرجت إليه بقية دول الثورات في المجال العربي.

كانت أهم انجازات التوافق  هي العهدة الانتخابية التشريعية والرئاسية سنة 2014 والتي كادت أن تحسم المعركة الوطنية مع الإرهاب، وتمكنت من انجاز أول انتخابات محلية وبلدية..

فقد أُرهقت تونس الجديدة بمراوحتها بين الحدود الجاذبة نحو تاريخ الحرية والحدّ الطارد نحو زمن الاستبداد.

تعبت تونس الجديدة من الحضور الثقيل لثنائية الثورة والثورة المضادة، وَآن لها أن تخرج من زمن الثورة وسؤال الوجود التاريخي إلى زمن السياسة حيث مدار التفكير والصراع سؤال تحسين شرط الموجود السياسي والاجتماعي…

يبدو أن جيوب الردة تخسر آخر معاركها بشرط أن ننجح للمرور إلى محطة 2019 فعند حدها وحدودها سنطوي صفحة الثورة المضادة، لنبدأ كتابة مروية المنتج الوطني من حواصل بذرة الحرية في تراب عربي واسلامي أصيل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق