أهم الأحداثالافتتاحيةسلايدر

النداء التاريخي.. تحالف وطني أم انقلاب إماراتي؟

افتتاحية العدد 108

دولة الإمارات شجّعت بكل قوة نداء تونس في انتخابات 2014، ولولا ذلك الدعم السخي الذي تلقاه النداء، ما كان ليحقق ما حققه في تلك الانتخابات.. وكان حكام الإمارات، يطمحون من خلال صناديق الاقتراع إلى تحقيق أهدافهم التي عجزوا عن تحقيقها عبر محاولات الإرباك والفوضى. ولكن أجنداتهم التي نجحت إلى حد ما في بعض الدول على غرار مصر، فشلت بعد أن اصطدمت بالموقف الوطني للباجي قائد السبسي في أزمة 2013 وبعد انتخابات 2014 وفي إدارة الأزمة الليبية.

‎ولكن عرّاب الثورة العربية المضاد، لا يبدو أنه يئس من انفاذ مخططاته في بلادنا، وفي حركة عبثية صماء كصخرة سيزيف، يعود هذا العرّاب ليتبنى نفس الخطط، عارضا خدماته على من يتطوع لترويج مشروعه التخريبي للقضاء على سيادة الدول وتحطيم كل تجربة ديمقراطية.

زيارة محسن مرزوق لبنغازي ولقائه خليفة حفتر

وربما هذا ما يفسّر إلحاح جماعة المشروع على دعم حفتر وتطاولهم حتى على الديبلوماسية التونسية بتصريحاتهم التي أدلوا بها إلى مواقع إماراتيّة مفادها أن الدبلوماسية التونسية أخطأت في دعم حكومة الوفاق، وأن حركة مشروع تونس تعترف بحفتر.

هذه التصريحات لم تكن الوحيدة، ولن تكون الأخيرة، فقد تتالت التصريحات المشابهة، من بعض الأطراف التي يبدو أنها تحاول تقديم أوراق اعتمادها لدى دحلان وأعرافه. ‎وفي هجمة إعلامية حاقدة ومغرضة، تقودها قنوات ومواقع اماراتية على بلادنا، لا تتورع عن الكذب والتلفيق، كما هو عهدها دائما. وبتحركات ميدانية لا تخفى على متابع، كشرت الإمارات عن أنيابها، ونزلت بثقلها في تونس، لأنها تدرك جيدا أهمية الانتخابات القادمة، في تثبيت الخيار الديمقراطي ومنع عودة الاستبداد.

‎حتى أنها باتت كأنها طرف في الصراعات والمعادلات السياسية الداخلية، وأحد الماكينات الرئيسية لبث الاحباط والفشل والفتنة.. وتأجيج مشاعر الحقد والكراهية والتفرقة بين فئات المجتمع التونسي.

الإمارات لا تعتبر حزب تحيا تونس حزبا قادرا على تحقيق أجندتها المستقبلية، إلى حدّ الآن على الأقل، حيث أن خطابه ما زال ملتزما بسقف العيش المشترك ويدفع نحو شراكة محدودة ولكنها تكفي لإدارة الشأن العام بنجاعة

‎لذلك هي لا تبدو متحمسة لأصحاب المواقف الوطنية، وتدعم من يكون أكثر ولاء وطاعة لمشروعها الانقلابي، وكل من يكشف عن استعداده لبيع نفسه وذبح بني وطنه من أجل عيون الامارات وأموال الامارات..

‎لذلك هي لا تبدو متحمسة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد مثلا بسبب بعض المواقف الوطنية التي اتخذها، وذلك رغم عدم وضوح علاقته بالنهضة، وتتالي المؤشرات على أنه قد يكون بصدد الاستعداد لكشف أجندة أخرى غير التي التزم بها إلى حد الآن، حتى أنّ الغنوشي تحوّل عنده بين عشية وضحاها إلى حسن البنا؟

‎كما أنّ الإمارات لا تعتبر (على الأغلب) حزب تحيا تونس حزبا قادرا على تحقيق أجندتها المستقبلية، إلى حدّ الآن على الأقل، حيث أن خطابه ما زال ملتزما بسقف العيش المشترك ويدفع نحو شراكة محدودة ولكنها تكفي لإدارة الشأن العام بنجاعة.

ولكن الواضح أنها تعتبر نداء تونس خطرا على مشروعها وهو ما يفسّر الدعم الواضح لحزب عبير موسي وربما المشروع الجديد لمرزوق وطوبال والذي تفوح منه روائح دحلانية.

‎إذا الطرف الذي يبدو أكثر تعبيرا إلى حد الآن عن الأجندات الإماراتيّة الحاقدة والدموية، هي عبير موسي التي أبانت من خلال خطابها الذي ينضح حقدا وكراهية، أنها يمكن أن تكون “وكيلا” جيدا، ومنفذا أمينا لأجندات “الكفيل” الإماراتي.

ولكن هذا لا يقلّل من قيمة ارتباط هذا “الكفيل” بمهدي جمعة الذي تربطه به علاقات تاريخية متينة، ظهرت نتائجها أثناء الفترة القصيرة التي قضاها في القصبة والتي نفذ فيها حرفيا خارطة طريق إماراتية في ليبيا من إعداد قائمة الممنوعين من دخول تونس إلى إيقاف الرحلات الجوية من الغرب بما سبب خسائر فادحة للناقلة الوطنية.

‎والآن يبدو أن هذا “الكفيل” بصدد إحياء ورقة صديقه محسن مرزوق عبر بوابة إحياء النداء ليكتمل المشهد..

لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود إشارات إلى أن التحالف الجديد المسمى النداء التاريخي سيعيد تجربة النداء الأصلي، فمرزوق تطوّر خطابه تجاه النهضة وهو نفسه ظل مغضوبا عليه في الإمارات إلى وقت قريب.

وهيمنة طلبة التجمع على المشروع وفي مقدّمتهم حسونة الناصفي ومحمد الطرودي تحتمل كل تأويل:

– فمن جهة قد تكون لهم أجندة أخرى يمكن أن تستفيد من السخاء الإماراتي ولكن بعد الانتخابات قد يكون لها موقف آخر، وهو ما تؤكده بعض الكواليس المطمئنة بأن طلبة التجمع لا يحملون رؤية استئصالية وأن بعض مواقفهم من النهضة مجرد “ماعون صنعة” ظرفي.

– وقد يكونون وقعوا بالفعل في الفخ وأصبح الرهان على توحدهم في جسم كبير يكتسح الساحة التجمعية كما أشرنا إلى ذلك في مقال سابق مقدمة لانقلاب على الشاهد وحزبه الجديد.

الحذر من سياسات الامارات واجب وطني مقدس والحذر ممن يروجون لها أوجب، فما يخطط له حكام الامارات، ليس الحرية والديمقراطية بل هو انقلاب يعيد عقارب الساعة إلى الوراء

‎في جميع الحالات، وبالنظر إلى ما سببه التدخل الاماراتي من كوارث في العديد من دول الربيع العربي، بدءا بالانقلاب في مصر وما خلفه من بشاعات لا زالت تهز الضمير العالمي إلى اليوم، والحرب الأهلية في ليبيا وعبثها بكل مقومات الأمن القومي العربي، ويجدر بنا كتونسيين أن ننتبه إلى خطورة هذا المشروع الذي يبشر بالخراب.. ويعدنا بالدماء والسجون والحروب الأهلية..

‎الحذر من سياسات الامارات واجب وطني مقدس والحذر ممن يروجون لها أوجب، فما يخطط له حكام الامارات، ليس الحرية والديمقراطية بل هو انقلاب يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويضع بلادنا من جديد في قبضة الاستبداد، ويعيد انتاج نفس الرموز ونفس الشخوص بما في ذلك منظومة الفساد..

إن مشروع النداء الكبير سيكون إضافة للديمقراطية إن كان أصحابه يؤمنون فعلا بذلك ولا شك أنهم سيجدون الاهتمام ولكن البدايات تدل على أن المسار محفوف بالشبهات وأننا قد نكون بصدد تشكل جبهة سياسية وانتخابية اماراتية تضم عبير موسي ومهدي جمعة ونداء مرزوق والناصفي، جبهة غايتها واضحة ومعروفة ولا تبشر بأي خير لأنها ببساطة مشروع فتنة داخلية وتقسيم للتونسيين لخدمة أجندة مجنونة ومتغطرسة ومعادية للحرية وللمسار الديمقراطي الذي تمضي فيه تونس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق