راي رئيسي

الفساد الاقتصادي ثمرة واعية للفساد السياسي

– فائزة الناصر –

اختلاس وإهدار لموارد الدولة أو تبديدها، استغلال نفوذ، إثراء غير مشروع، محسوبية، رشوة موظفين عموميين، تهرب ضريبي، احتكار ومضاربة، تلاعب بالأسعار وتخريب للقدرة الشرائية للمواطن، إعاقة النمو الاقتصادي وتقويض خطط التنمية، هروب المستثمر الوطني والأجنبي، استنزاف موارد الدولة، بما يحرم قطاعات هامة مثل الصحة والتعليم والخدمات من الاستفادة من هذه الموارد،تنامى الفساد بصورة لافتة وتمترس بجميع أشكاله وفي جميع المجالات، أمام عجز شبه تام لأجهزة الدولة الرقابية والعقابية… هكذا يبدو المشهد العام بعد ثماني سنوات من الثورة.

كل هذا يجعلنا نتساءل هل الفساد الاقتصادي ثمرة فساد سياسي أم هو العكس؟ وهل الفساد ظاهرة موضوعية أم هو ثمرة سياسة واعية؟ وما السبيل إلى لجم هذا الغول؟

بالشفافية وبالمساءلة، أم بالعقوبة الزاجرة، أم بتغيير البنية التي أنتجت الفساد؟

أو بكشف لوبياته ومحركاته؟ ثم لماذا شهدت مرحلة الانتقال الديمقراطي تفشي ظاهرة الفساد بهذه السرعة والكيفية؟

وهل تحول التعددية والديمقراطية دون الفساد أم أنها تفضي إلى تعدد أنماطه؟

وإذا كانت الديمقراطية منقذا من الفساد فلماذا عمّ في مرحلة نهاية الاستبداد وبداية الديمقراطية؟

لقد عرفت بلادنا بعد ثماني سنوات من الثورة ملامح واضحة للدولة الصلبة أو جماعات الضغط من بينهم أباطرة للمال الفاسد والإعلام الموجّه وأسماء مافيوزيّة صار الجميع يعلم دورها في صناعة الحكم قبل الثورة وبعدها وتأثيرها المباشر في أطوار الانتقال الديمقراطي، وتوجيهه بكل الوسائل بما في ذلك الاغتيال السياسي والاستثمار في الدم.

والدولة الصلبة بتسرّبها إلى مجالات المال والأمن والإعلام تسيطر على الدولة والإدارة وتمثّل الراعي الأول للفساد الذي صار بنية متكاملة..

ومصطلح الدولة الصلبة يستعمل لوصف أجهزة حكم غير منتخبة، أو جماعات الضغط والمصالح التي تتحكم بالتوجهات العامة للدولة، ويكون هدفها إما المؤامرة على نظام الحكم القائم، أو الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها، عن طريق أشخاص متنفذين في جميع مؤسسات الدولة ويعملون على تحقيق أهداف مشتركة، ولهم قدرة التأثير في القرارات السياسية للدولة.

وهي أيضا مركب إداري وسياسي وإعلامي وتشريعي يتكون من رجال دين وأصحاب أموال، تجمعهم جميعا رابطة واحدة منطقها ومؤداها الحفاظ والابقاء على مصالحها وامتيازاتها الخاصة واستثناؤها من أي مصالحة أو محاسبة أو تتبع قضائي..

إن جماعات الضغط أو الدولة الصلبة هم قطعا بقايا الأنظمة الدكتاتورية التي سقطت نظريا لكنها لا تزال تحافظ على مواضع متقدمة وحساسة في الدولة والإدارة ومازالت تتمتع بمصادر نفوذها المالي والإعلامي وعلاقاتها المحلية والدولية، التي منها تشكل كتلة صلبة تعمل على عرقلة وإجهاض مسار الثورة السياسي بالتأثير الناعم كما في تونس أو العنيف كما في مصر أو بالإبادة الجماعية باستقدام التدخل العسكري الخارجي كما في سوريا واليمن وليبيا..

نعم إنها دولة الفساد التي تلقي بظلالها على بلدنا رغم ما عرفته من إصلاحات وتحوّلات عميقة، فهي ماضية في الدفاع عن وجودها وكينونتها بأي ثمن..

فسادها له قلاع كثيرة تحصنه وترعاه وتحفظه من المهالك، فينمو ويترعرع وتتقوى شوكته ويحكم بقبضته على الدولة ويزرع بذور الاستدامة والمكوث الأبدي، إنه دولة داخل الدولة لها مؤسساتها ونخبها وقانونها الخاص، تملك وسائل الترغيب والترهيب والاكراه، وتزرع إيديولوجيتها للسيطرة على العقول ،وتعمل على تدجينها وتطويع تفكيرها لصالحها، وتملك قدرة خارقة للاستقطاب والاستدراج إلى مدارجها ومسالكها ومهالكها.

لقد تقوت دولة الفساد على الدولة الرسمية بفعل ضعفها وهوانها ووهنها ولكونها أرض مشاع ومستباحة، ورغم وجود بعض المناوشات والاستفزازات بينهما من حين لآخر فسرعان ما يعقبها فترة مهادنة وتطبيع طويلة..

ولدولة الفساد هذه سفراء النوايا السيئة يحشدون الدعم الدولي لقضاياهم غير العادلة وفي مسعى أيضا لتحسين وتمتين العلاقات مع دول الفساد الكبرى لتبادل الخبرات والتقنيات في استدامة الفساد وإطالته وتعظيم شأنه بين الدول والأمم وابرام اتفاقيات بشأن التطبيع الكلي مع الفساد.

لقد كشف المسار السياسي المتعثر منذ العهدة التأسيسية مدى نفوذ جيوب الدولة الصلبة، وقدرتها الفائقة على مسايرة الموجود السياسي ثم اختراقه وتجديد حاجتها للانحراف به نحو نظام أقل شفافية من مطلوب الديمقراطية.

فدفعت من خلال احتضانها للفساد بجميع أشكاله نحو خلق حالة سخط شعبي بسبب انعكاسات هذا الفساد الاقتصادي والاجتماعي أمام ضعف مؤسسات الدولة واسترخائها ومن ثم صنع الرمز المخلص والملهم من بقايا الأنظمة البائدة قاطرة الثورة المضادة..

إذا الفساد المستشري والمتنامي الذي نراه اليوم هو في الحقيقة ليس إلا ثمرة فساد سياسي، وظاهرة موضوعية وثمرة سياسة واعية..

فالاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار وتخريب القدرة الشرائية للمواطن والقدرة التنافسية للمؤسسات وتدمير العملة المحلية، كلها مظاهر لفساد اقتصادي تحرك خيوطه دولة صلبة أو مجموعات ضغط ترفض أن تفقد موقعها في الدولة أو تتخلى عن امتيازاتها وترفض مخرجات الثورة، وتعتبرها خطرا على وجودها ومستقبلها، وهي معنية أكثر من أي شيء بتدمير هذا المنجز وإخراجه في ثوب الخطيئة التي قادت إلى الوضع المتردي الذي أصبحنا عليه..

ويكفيها أن تحرك أذرعها وماكينتها ليمارسوا البلطجة الاقتصادية من احتكار ومضاربة وتلاعب بالسلع والأسعار، لتنسج الصورة التي تريد تمريرها للمواطن التونسي وترسّخها في لاوعيه، ليبحث من حيث لا يشعر في المنقذ المخلّص من داخلها ويلعن من جاءت بهم الثورة ويحملهم مسؤولية كل الفشل والخراب الذي سوقته هي وأذرعها.. وبدل أن يكون الفساد ربيب الاستبداد يصبح الفساد ربيب الحرية الديمقراطية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق