راي رئيسي

بين الدبلوماسية الشعبية والحسابات السياسية
زيارة الأستاذ راشد الغنوشي إلى باريس

– بحري العرفاوي –

أوردت صفحة الأستاذ راشد الغنوشي خبرا عن زيارة يؤدّيها رئيس الحركة إلى باريس تمتد من 14 ماي إلى 20 ماي 2019 مرفوقا بوفد. وتشمل الزيارة لقاءات مع مسؤولين في الرئاسة ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والجمعية الوطنية (البرلمان) ومجلس الشيوخ الفرنسي ومجموعة من رموز السياسة الفرنسية…

تأتي هذه الزيارة في إطار الديبلوماسية الشعبية التي تقوم بها حركة النهضة في التواصل مع شركاء تونس الإقليميين والدوليّين وذلك “لتعزيز مجهودات الديبلوماسية الرسمية ضمن السياسات الخارجية الكبرى للدولة ومصالحها العليا”.

خبر الزيارة أثار ردود فعل واسعة لدى النخب وحتى لدى عموم المتابعين للشأن العام. ردود فعل انقسمت بين محتجّين على الزيارة يرونها “دبلوماسية موازية” وبين فخورين بها وهم أبناء الحركة يرون حركتهم تكبر سياسيّا ودبلوماسيّا ويشعرون بأن “اللعب مع الكبار” لا يقدر عليه إلا المقتدرون حين يتعامل معهم العالم على قاعدة “المصالح المشتركة”.

حركة النهضة التي كان رئيسها حريصا أيما حرص على تحقيق التوافق بين الفرقاء السياسيين وكان حريصا أيضا على مشاركة حركته في حكومة وحدة وطنية بعد انتخابات أكتوبر 2014 تُثبتُ باستمرار التزامها بممارسة دور إيجابي باتجاه دعم شروط الاستقرار للخروج من الأزمة الاقتصادية وتجاوز التهديدات الأمنية.

على المستوى الخارجي الأستاذ راشد الغنوشي يستثمر علاقاته الخارجية الواسعة ويمارس ما أطلق عليه بـ “الدبلوماسية الشعبية” لتعزيز المجهود الحكومي في مدّ جسور التواصل مع الدول الصديقة والشقيقة وخاصة مع دول الجوار وأهم الدول الكبرى. ولعلّه يحظى بِصدقية كبيرة لدى قادة تلك الدول أو لعله يمثل “ضمانة” لتفاهمات و”تعهدات” لا تُتداولُ عادة في الإعلام.

حركة النهضة تنفي كونها تمارس دبلوماسية “موازية” أو أنها تشتغل للحساب الخاص وهي تؤكّد أن في نجاح التجربة التونسية نجاحا لها كحركة وكفكرة وكمشروع قادر على الإسهام مع شركاء الوطن في خدمة تونس وأهلها وفي تقديم ترجمة عملية لفكرة التوافق بين الفرقاء السياسيين ـ مع أنه من حقها تحصين نفسها بما هي تنظيم وأفراد ومصالح بوجه ما تتعرض إليه باستمرار من تهديدات ومحاولات إقصاء وإخراج من المشهد السياسي تمهيدا لمعاودة التصفية على الطريقة الاستئصالية القديمة أو ربما أشدّ ـ وهو ما تعبر عنه جهات عدة في الداخل والخارج، وليس خافيا على أي مراقب ما يحصل اليوم من محاولات تأثير على الانتقال الديمقراطي وعلى المحطة الانتخابية القادمة.

الدبلوماسية الشعبية هي واجب وطني يجب أن يسهم فيه كل مواطن حين تتاح له فرصةُ مخاطبة الآخرين أو التعامل معهم بما يقدم صورة جيدة عن وطنه سواء كان سياسيا أو دبلوماسيّا أو عاملا في الهجرة أو مثقفا أو عالما أو مفكرا أو مسهما في ندوات إقليمية أو دولية في أي مجال من المجالات.

زعيم حركة النهضة وبحكم إقامته القسرية لعقدين كاملين بالمهجر استطاع ربط شبكة علاقات يحظى فيها بثقة كثير من قادة العالم وهو يُعتبر صاحب فكر معتدل ومنتصر للحريّات ولحقوق الإنسان وللتجديد الديني وهذا ما يساعده اليوم في ممارسة شكل من أشكال الدبلوماسية المعاضدة لدبلوماسية الدولة لا تتعارض معها ولا تسد عليها مسالك ولا داعي للتوجس منها فتونس اليوم محتاجة فعلا إلى أن يتحول كل مواطن فيها إلى دبلوماسي سواء خاطب الآخرين أو تعامل معهم أو قدم للعالم صورة إيجابية عن المواطن المتوازن المتمدن المنسجم مع ملامح عصره.

مشكلة خصوم النهضة ليس في كونها تُطبع مع دول استعمارية كما يقولون وإنما في كونها تقتحم مساحات ظلوا يعتبرونها خاصة بهم وما كانوا ليتصوروا أن حركة ذات مرجعية إسلامية ستقدر على اقتحام عوالم الحداثة والأنوار والديمقراطية تنال فيها ثقة قادتها وتحقق معها تواصلا وتبني معها جسورا وتناقش معها مصالح وبرامج مستقبلية…خصوم النهضة كانوا يعيبون عليها ما يعتبرونه انغلاقا وانكفاء على النفس وها هم يعيبون عليها انفتاحها وتواصلها مع الآخر.

الضامن الوحيد للسيادة الوطنية ولمسار الانتقال الديمقراطي هو الوحدة الوطنية حين يستجمع التونسيون طاقاتهم لخدمة الوطن وحمايته من السقوط في التبعية ومن التداعي أمام تهديدات الإرهاب الداخلي والخارجي..الوحدة الوطنية لا بمعنى التخلي عن حق الاختلاف والتنوع وإنما بمعنى عدم التورط في الاستقواء بالجهات الأجنبية على شركاء المواطنة وتعني عدم السعي لهزم المخالفين سياسيا بأساليب من خارج آليات الديمقراطية وتقاليد الفرز الانتخابي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق