راي رئيسي

الجبهة الشعبية: تفكك تنظيم أم موت فكرة؟ (1/2)

– نور الدين الختروشي –

عندما نتذكر أن يسار مؤتمر قربة 71 للاتحاد العام لطلبة تونس قد أمضى عقدين في التهارج بين القبائل الماركسية في الجامعة التونسية لينجز المؤتمر 18 للمنظمة الطلابية. عندما تستحضر تاريخ العبث التنظيمي لليسار الطلابي في الجامعة وخارجها، لا يمكن لك إلّا أن نسجّل بدهشة نجاح الهمامي وبلعيد ورفاقهم في تأسيس الجبهة الشعبية بعيد الثورة كحاضنة لأهم المكوّنات السياسية والحزبية لليسار التونسي.

نسجل على الهامش هنا مفارقة طريفة حول فكرة التنظيم التي اشتغل عليها لينين وأبدع اليسار في التنظير لها فانتشرت التنظيمات اليساريّة في عالم الخمسينات والستينات بصيغ مختلفة من أوروبا إلى آسيا إلى أمريكا اللاتينية وصولا إلى إفريقيا، وتركت لنا تراثا تنظيميا عالميّا فعرفنا فكرة التنظيم المسبحي المفتوح والعنقودي المغلق والازدواجية والسرية والأذرعة المسلحة والاختراقات والتنويت… الخ بين صفحات متون التنظير التنظيمي الماركسي..

ومع ذلك ومع كل ثراء هذا التراث الماركسي اللينيني وتنوّعه فقد كان الإسلاميّون في المسألة التنظيمية أكثر لينينية من اليسار العربي وكأنّ لينين عندما أعلن في المختارات أن “التنظيم هو العلم الام للعمل الثوري” لم يسمعه سوى حسن البنا.

اليسار التونسي يبدو أنه وبالمقارنة مع تجارب اليسار المغربي مثلا والعربي عموما كان الأضعف تنظيميا وسياسيا. فاليسار التونسي وإن نجح تاريخيّا في التموقع العميق ثقافيّا ونقابيّا في المجتمع المدني، فإنّه فشل في التنظّم السياسي، ولم تسجل الذاكرة السياسيّة الوطنيّة حضورا سياسيّا مباشرا ومؤثرا في المجتمع الحزبي سواء في الحقبة البورقيبية أو مع العهد النوفمبري ولكن لم يسجّل اليسار أي حضور مؤثر في الحياة العامة رغم وجود حواضن حزبيّة رسميّة وغير رسميّة يسارية التأسيس أو قريبة منه.

لم يستغرب المتابعون للشأن العام إعلان 9 نواب من الجبهة الشعبية انسحابهم من كتلة الجبهة الشعبية فقد برزت مؤشرات التصدّع بين أهم مكوّنين للجبهة (الوطد والعمال) منذ أشهر وتفاقمت مع التجديد لزعامة الهمامي منذ شهرين، وخرجت للعلن في شكل تهديد رسمي من رموز الوطنيين الديمقراطيين للخروج من الجبهة بسبب أزمة الديمقراطية والتسيير والتي سبق لحزب الخضر بزعامة عبد القادر الزيتوني التنبيه لها منذ 2014 وانسحب من الجبهة لنفس السبب.

لا شكّ عندي أن خروج حزب الوطنيين الديمقراطيين ليس مجرّد انشقاق في الجبهة بل هو إعلان عن موتها ونهاية تجربة طريفة وواعدة لتوحيد اليسار التونسي وإدماجه في المشاركة الجادّة في  ورشة البناء الوطني الديمقراطي المفتوحة منذ الثورة.

حيثيّات الخلاف والاختلاف بين المعنيّين معلومة للرأي العام وعنوانها تنظيمي يتصل بالثقافة التسييريّة الستالينية التي يتهم بها زعيم الجبهة وحزب العمال على ما هو متداول في المنابر العامة.

ما يستوقفنا في هذا التحليل ليس الجانب التنظيمي في الموضوع بل الجانب السياسي ومن تحته النظري.

سياسيّا لن تنسى الذاكرة الوطنية لتونس ما بعد الثورة انحراف الجبهة الشعبية بالصراع السياسي إلى أفقه الثقافي والهووي الزائف، وتحديد تناقضها الأساسي من منظور أيديولوجي حاد حدّد الإسلاميين كنقيض للمشروع الوطني، وقفزت عن التناقض التاريخي الذي فرضه زمن ما بعد الثورة بين تونس الاستبداد وتونس الديمقراطية. وقد كان تحالف الجبهة المهين لتاريخها النضالي في إطار جبهة الإنقاذ للإطاحة بحكومة الترويكا، ثم مساندتها لمرشح المنظومة القديمة في مقابل المرزوقي في رئاسيات 2014 خطأ استراتيجيّا شرّع بجديّة للتشكيك في انحياز الجبهة كممثل رئيسي لليسار التونسي للثورة والديمقراطية. وشرع لاستدعاء الذاكرة الوطنية الحديثة التي تحيل على اختيارات استراتيجية قاتلة قام بها سلف اليساريين التونسيبن كموقفهم من الاستقلال في بداية تشكلهم في حضن الحزب الشيوعي الفرنسي في عشرينات القرن الماضي وموقفهم من قرار التقسيم في آخر الأربعينات.

اليسار التونسي الذي سقط مرّتين في امتحان التاريخ عند عنوان الاستقلال في العشرينات وعند عنوان القضية الفلسطينية في الأربعينات سقط للمرة الثالثة في نفس امتحان التاريخ عند عنوان الديمقراطية بعد الثورة.

هذا السقوط التاريخي يحيل على أزمة عميقة في وعي اليسار التونسي لنفسه أولا، ولعالمه ثانيا، وللحظة الوطنية ثالثا.

الخطأ في التعاطي مع يوميّات السياسة وتقديراتها يفصح عن فشل الخط والسياسات، ويعالج بالمراجعة وتصويب الأداء وتجويده، أمّا الخطأ في التعاطي مع عنوان المرحلة والتحدّي المركزي المتداعي على أطرافها، فيحيل دائما على خيانة تاريخية فاضحة.

اليسار التونسي يوم استجلب لجبهة الإنقاذ المنظومة القديمة ممثلة يومها في حزب نداء تونس أعاد هيكلة المرحلة البينية المابعد ثورية، ودفع بالنهاية حركة النهضة للتوافق مع القوى المتضرّرة من الثورة لتجنيب البلاد مكره الحرب الأهلية.

ولن تكفي المؤرخ في غد قريب عودة يسار الجبهة للتشنيع على الإسلاميين يوم أن” افتكّوا” منه حلفاءه بداعي الضرورة السياسيّة لتبرير خطأهم التاريخي القاتل، لأن ذلك اليسار هو من ضحّى بالضرورة التاريخية الدافعة نحو القطع الجذري مع منظومة الاستبداد والفساد في اللحظة التأسيسية زمن التوهّج والزخم الثوري الجارف، ودفع الإسلاميّين للشرب من مرّ الضرورة السياسية بالتوافق مع المنظومة القديمة.

ما نريد أن نخلص إليه في الجزء الأول من هذا التحليل أن تفكك الجبهة الشعبية وإن كان سببه المباشر سياسيّا، ويعكس بالنهاية فشل اليسار التونسي الخالد في امتحان الوحدة التنظيمية، فإن ما وراء السبب المباشر أزمة أعمق بكثير تتصل في عمقها بنهاية فكرة اليسار نفسها وهي أزمة كونيّة تتجاوز في عمقها مسار الالتقاء والتفكّك الذي يغشى أغلب تجارب التنظم والتحزّب في المجال السياسي الوطني هذه الأيام، لتستغرق خارطة اليسار في العالم. وما التراجع المهين للاشتراكية الاجتماعية في انتخابات البرلمان الأوروبي في الأسبوع الفارط سوى مؤشر جديد على عمق أزمة فكرة اليسار من جذورها.

اليسار الذي صنع فكر عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وسياسته، تدفعه تسارع التحوّلات الحضارية العميقة والمتسارعة والتي تحرّكها في العمق أزمة كونية حادّة وعميقة تتصل بجذور السؤال الفلسفي الأوّل: كيف نعيد الاندماج في عالمنا؟ أو كيف نتعاطى مع زمن حضاري كوني جديد بلا ملامح واضحة تتساكن فيه أبشع كوابيسنا مع أجمل أحلامنا.

عالم السيولة والتوحش والرفاه وتحطيم الحدود والقيود يحتاج إلى منهج تعاطي جديد وأدوات تحليل جديدة وصيغ وأنماط حياة مغايرة لما عرفناه في القرن الماضي. واليسار العالق بين ستالينية القرن العشرين وليبرالية بدايات هذا القرن غير مؤهل بأقانيمه الكلاسيكية وفي مقدّمتها الصراع الطبقي لفهم عمق الزلزال الحضاري الذي نعايش نسق حركيته الجنوني في كل الاتجاهات. ولعل بروز فكرة ما بعد الكولينيالية آخر المحاولات اليوم لترقيع وتجميع شظايا فكرة اليسار وإعادة إدماجها في عالم يتجاوز بل يدمّر بقسوة قوالب تفكيرنا الكلاسيكية في موجودنا التاريخي والحضاري.

سنحاول مقاربة الجانب الكوني العام من أزمة الإيديولوجيا اليسارية في الجزء الثاني من هذا المقال.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق