راي رئيسي

العمل الخيري .. توظيف سياسي واستغلال للمجال الإعلامي

– فائزة الناصر –

اتهم سياسيون ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي بعض الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في تونس بالارتباط بأجندات سياسية عبر توظيف أنشطتها في معارك وحملات انتخابية مشبوهة.

وأذكت الاتهامات التي وجهت لجمعيات تعمل بالتنسيق وبتمويل من جهات أجنبية الجدل حول جديّة تعاطي الحكومة والهيئة المستقلة للانتخابات مع ملفّ الجمعيات التي أظهرت حسب مراقبين مواقف سياسية معلنة لاستقطاب الأصوات استعدادا للانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة آخر العام الحالي.

وطرحت هذه التطورات قضية مراقبة تطبيق قانون الجمعيات في ظل ما يوصف باستفحال المال السياسي، وارتباط بعض الجمعيات بأجندات ذات مصالح ونفوذ طمعا في مناصب سياسية وحفاظا على مصالحها الاقتصادية.

بعد الثورة اكتسبت الحياة في تونس صبغة جديدة بسبب الظهور القوي لمنظمات المجتمع المدني التي تعدّ نتاجا طبيعيا للمسار الديمقراطي الجديد الذي تسير فيه البلاد، حالها حال تعدد الأحزاب وحرية الصحافة وباقي الحريات الأخرى. نشاط هذا الزخم من الجمعيات لم يعد يقتصر على الجانب الحقوقي أو النقابي فقط بل شمل أيضا المجالات التنموية والاغاثية والخيرية والثقافية والدينية والرقابية والتوعوية وغيرها..  كل هذا منطقي ومتوقع بل محمود في الدول الديمقراطية، ولكن الخطورة تبدأ عندما تحيد بعض هذه الجمعيات عن مجالات فعلها المدنية والحقوقية لتقتحم العمل الحزبي والسياسي وتصبح نشاطاتها الحقوقية أو الخيرية مجرد غطاء لجهات حزبية خفية عينها على كراسي الحكم..

بتنا مؤخرا نرى جمعيات المفروض أنها ذات نشاط حقوقي أو خيري تُفصح تدريجيا عن أهداف ومطامع سياسية خفية، نشاطاتها تدور أساسا حول استمالة الناخبين، تنتهك خصوصياتهم، وتجمع معطيات خاصة بالمواطنين من قبل شركات سبر الآراء أو مؤسسات بعثت للغرض. فبعض هذه الجمعيات تستغل معطيات شخصية للمواطنين بهدف استثمارها للتدخل في خيارات الناخبين والتأثير عليهم.

والعديد من هذه الجمعيات بات مجرّد شبكات يتمّ استغلالها للدعاية السياسية والحزبية وهو ما يعدّ تجاوزا للقانون الذي يحجّر على الجمعيات أن تجمع الأموال لدعم أحزاب سياسية أو مرشحين مستقلين إلى انتخابات وطنية أو جهوية أو محلية أو أن تقدم الدعم المادي لهم.

لقد أمسى هذا التداخل الذي تعيشه تونس حاليا بين العمل الجمعياتي والعمل السياسي ظاهرة مزعجة، بل ظاهرة مخيفة تهدد مسار بناء مجتمع مدني قوي ومحايد وبنّاء.

بالأمس طلعت علينا جمعية تطلق على نفسها اسم “جمعية عيش تونسي”، أطلقت كما هو معلوم عددا من الدعوات والمناشدات للتوقيع على نصّ متكوّن من 12 نقطة تحت مسمّى “وثيقة التوانسة”، وهو نصّ شعبوي بامتياز، يتضمن شعارات فضفاضة وكلام عاطفي يدغدغ مشاعر المواطنين الذين فقدوا ثقتهم في الأحزاب السياسية، ويعتبرون انها فشلت في تحقيق انتظاراتهم، هذه الجمعية “المريبة” أطلقت في بداية الشهر الحالي وأساسا مع بداية شهر رمضان حملة إعلامية واسعة وكاسحة في كل وسائل الإعلام (صحف يومية- مواقع – إذاعات وقنوات عمومية وخاصة)، كما تم توظيف ما يسمى بالذباب الالكتروني وخاصة بعد رد فعل بعض النخب التي انتبهت لخطورة ما تقوم به الجمعية من توظيف ومغالطة، هذا فضلا عن انخراط وجوه فنية معروفة في الدعاية لهذه الوثيقة.. جمعية “عيش تونسي” هي مجرد نشاط خيري لخدمة التونسيين ظاهريا ولكنها في العمق مشروع سياسي ضخم تقف وراءه جهات نافذة من الداخل ومن الخارج لخدمة أجندات إقليمية ومحافل دولية تتحرك في تونس بشكل خفي ومبطن..

واليوم يطلع علينا أيضا باعث قناة تلفزيونية وصاحب جمعية خيرية تدعى جمعية “خليل تونس” بعد أكثر من سنة من استغلاله لمنبره الإعلامي في الترويج لأعماله الخيرية وترويج صوره يعانق الفقراء والمساكين، ليعلن رسميا للرأي العام انه اليوم فهم التوانسة وأحس بما يشعرون به من مآسي وآلام وهو اليوم في أتم الاستعداد ليترشح للرئاسة ليأخذ بأيدي الفقراء والبائسين.. استراتيجية طويلة الأمد اعتمدها باعث القناة ارتكزت على ذراعه الإعلامي ممثلا في قناة نسمة الخاصة التي يشاهدها ملايين المتابعين، يستعرض عبرها وبشكل يومي أعمال جمعيته الخيرية وهي تأخذ بيدي الفراء والمحتاجين، الذين جعل من قصصهم ومعاناتهم مادة اشهارية نافذة للوصول إلى تحقيق حلمه السياسي.. دمغج المشاهد التونسي ودعدغ مشاعره حتى يكون ثمرة انتخابية جاهزة للقطف.

“بزنس العمل الخيري” في القنوات التلفزيونية والاذاعات والصحف أصبح لدى البعض تجارة رابية وسريعة وناجعة تختصر وتوجز عملية قطف الثمار السياسية..

وبقطع النظر هنا عن كون هذه المبادرة من صاحب قناة نسمة هي بادرة سيئة في تاريخ الإعلام التونسي، وعملية إشهار سياسي واضح وفج ولا لبس فيه، بقطع النظر عن هذا فإنّ الخطر الحقيقي أن هذه “الخطيئة” الإعلامية قد تدفع غدا بالعديد من أصحاب التلفزيونات الخاصة إلى تجنيد قنواتهم لخدمة غاياتهم الحزبية والسياسية، ويصبح الفضاء الإعلامي ميركاتو لكل الذين تحدثهم أنفسهم بخوض غمار السياسة والسلطة..

لم تتدخل “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لتوضيح موقفها من حملات الإشهار السياسي التي تقوم بها جماعة “عيش تونسي”؟ أو جمعية “خليل تونس” وصاحبها الحالم بقرطاج.. ولم تتدخل لا رئاسة الجمهورية ولا رئاسة الحكومة ولا مجلس نواب الشعب، من كل هذا التوظيف ومما يجري؟ وجميعهم يعرف جيّدا أنهم قادرون على تجريم ما يحدث عملا بالفصل الثاني من المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي- البصري الذي يعرّف الإشهار السياسي بأنّه “كلّ عملية إشهار تعتمد أساليب وتقنيات التسويق التجاري الموجهة للعموم والتي تهدف إلى الترويج لشخص أو لفكرة أو لبرنامج أو لحزب أو لمنظمة سياسيّة بواسطة قناة إذاعية أو تلفزيونية، حيث تخصّص للجهة المعلنة جزءًا من وقت البثّ التلفزي أو الإذاعي لتعرض فيه إعلانات تسويق سياسي بمقابل أو دون مقابل مالي من أجل استمالة أكثر ما يمكن من المتلقين إلى تقبل أفكارها أو قادتها أو حزبها أو قضاياها والتأثير على سلوك واختيارات الناخبين”، ومعلوم أيضا أن نفس المرسوم في فصله الـ45 منع الإشهار السياسي في وسائل الإعلام السمعية-البصريّة….

ويبقى فقط أن نذكّر  أصحاب القرار والأطراف المعنية بما يحدث، أنه وكما انخرطت حكومات ما بعد الثورة في تجميد بعض الجمعيات الخيرية والشبابية، وشنت ضدها حملات واسعة بدعوى ما أسموه السعي “الحثيث” لمكافحة الارهاب والتضييق على مصادر تمويلها، فلا بأس أن لو طبّق أيضا نفس الشيء على هذه الجمعيات التي تعمل بإمكانيات مالية هائلة ومريبة، وتدوس تحت أقدامها كل المراسيم والقوانين، لا بأس أن تُفعّل آليّات الرقابة على هذه الجمعيات وعلى حقيقة نشاطها الظاهر والخفي وعلى مصادر تمويلها وحساباتها وتُطبق عليها النصوص القانونية التطبيقية المنصوص عليها..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق