راي رئيسي

في عالم السياسة .. فنون تحديد الخصوم والمنافسين

– بحري العرفاوي –

دائما المواعيد الانتخابية هي المناسبات الرئيسية لاندلاع المعارك السياسية والخصومات بمستوياتها المتفاوتة بين أحزاب أو بين شخصيات سياسية أو بين منحشرين في عالم السياسة وأجندات الأحزاب.

“اندلاع” مثل هده المعارك في مثل هذه المواعيد يمكن اعتباره ظاهرة عادية وتقاليد معهودة حتى في المجتمعات العريقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان ومفهوم المدنية، غير أن المجتمعات المتحضرة تلك سرعان ما تتوقف معاركها الحزبية والسياسية بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات فيسارع الخاسرون إلى تهنئة الفائزين يعترفون لهم بالفوز ويعلنون التزامهم بما أفرزته الصناديق لا يشككون فيها ولا ينسفون العملية الديمقراطية برمتها، المجتمعات المتمدنة تخوض المعارك السياسية بأدوات سياسية وربما أيضا بأدوات غير “نظيفة” مثل تصيد “الفضائح” وتعقب المنافس في حياته الخاصة للكشف عما يعيبه ويقلل من حظوظه الانتخابية، تلك أساليب غير جيدة ولكن في بيئة معينة يمكن التعامل معها بقَدر من التناسي بعد تجاوز سخونة المنافسة وبعد أن يستقر الأمر على نتائج مشهود لها بالنزاهة والشفافية.

المجتمعات المتمدنة لا تمارس السياسة بغرائزية الأحقاد والكراهية والتشفي والانتقام ولا تظل تجتر مفردات الإساءة والإعابة بعد قول الشعب كلمته بآليات ديمقراطية وفي أجواء من الحرية والوضوح.

في عالم السياسة لا يكفي خوض المعارك بل لابد من معرفة خوضها، وأول ما يجب معرفته هو معرفة مستويات الاختلاف ومستويات الخصومة ومستويات المنافسة ومستويات العداوة، فليس من السياسة ولا من الحكمة وضع كل المخالفين والمختلفين في “زاوية” واحدة، بل إنه لمن “الغباوة” السياسية وضع الجميع في مرتبة “الخصوم” و”الأعداء” وخوض “العراك” معهم على قاعدة: إما نحن وإما أنتم.

لو وضعنا ـ جميعنا ـ “خارطة” في الأحزاب والرموز السياسية وتأملنا مواطن التقائنا بها ومواطن اختلافنا معها وبحثنا في تاريخ مواقفها ومحطات تحالفاتها وطبيعة معاركها ومستوى خلافها معنا لتبين لنا أن الأمر ليس بتلك “الحَدّيّة” الحاضرة في أذهاننا وأنفسنا ولتبين أن فرص التعاون والتقارب مع أغلب هؤلاء هو أمر ممكن جدا خاصة حين نتمثل العناوين الكبرى للسياسة وهي خدمة الناس ورعاية مصالح الوطن وحماية سيادته والدفاع عن حريات الناس وكرامتهم وأمنهم ومعاشهم، ليس ثمة اختلاف في العناوين الكبرى، الاختلاف في التفاصيل وفي الوسائل وفي الطرائق هذا أمر عادي في عالم السياسة ولا يحتاج “عراكا” إنما يحتاج حوارا هادئا عاقلا .

“الخاسر” ـ سياسيا ـ هو من يحول منافسين إلى خصوم وهو من يحول خصوما إلى أعداء وهو من لا يكسب ودّا ولا يحقق مودة ولا يتجاوز عن خطأ ولا يراعي فضيلة عند خلاف، “الخاسر” من كلما تكلم أساء وكلما تفاعل أخطأ وكلما تواصل قطع.

إن الذين يخوضون السياسة بأساليب مؤذية وبمفردات مستخرجة من قاموس رديء ، والذين يتخذون من السياسة منصة لإطلاق عقدهم النفسية وأحقادهم، هؤلاء لا علاقة لهم بالسياسة بما هي أرقى الفنون ولا علاقة لهم بعالم الناس ولا علاقة لهم بالوطن بما هو سيادة وثروة وتاريخ وهوية ومستقبل وأجيال، هؤلاء لا يمكن تركهم يعبثون بدماء الشهداء وبأحلام التونسيين وبمدخرات الوطن وبأمانة الأجيال القادمة نُخبّئها لهم وندّخرها ليوم مجيئهم معبّئين بالإرادة والمعرفة والحب.

هؤلاء يمثلون خطرا حقيقيا على السلم الأهلي وعلى النسيج المجتمعي وعلى المسار الديمقراطي،إنهم يلوثون البيئة السياسية والثقافية ويفسدون مزاج التونسيين المعتدل.

منع هؤلاء من التمادي في ممارسة العبث لا يكون بإكراه ولا بحملات تشويه     ـ بنفس أسلوبهم ـ وإنما يكون بأساليب منسجمة مع الديمقراطية ومع الحرية ومع المدنية ومع معاني دولة القانون ، حين يعي المواطنون حقيقة هؤلاء ومخططاتهم وحين يعرفون أن تونس لا يخدمها ولا يخدم أهلها إلا من كان حبه خالصا لها ولأهلها ـ كل أهلها ـ باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم منتمين لحزب أو جماعة أو جهة، وحين تختمر كيمياء المواطنة لدى التونسيين فإنهم هم من سيلفظون كل نفايات السياسة والثقافة ممن ظلوا يمثلون عبئا على أشواق الثورة وعلى رهانات التحرر والسيادة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق