أهم الأحداثالافتتاحيةسلايدرغير مصنف

نبيل القروي وألفة ترّاس وعبير موسى.. هل يقلبون المعادلة؟

محمد الحمروني

آخرها الجبهة الشعبية التي دخلت يوم أمس إلى نادى الشقوق، بعد أن انسحب عشرة من النواب من كتلتها النيابية لتفقد الجبهة بذلك رسميا، كتلها.

حالة من التشظي والهشاشة التنظيمية، وصراع حاد ومحموم على التموقع، جعلت الغالبية الساحقة من الأحزاب في بلادنا، وبعضها أحزاب حاكمة، تدخل مرحلة من التآكل الذاتي أو الداخلي، جراء الصراعات التي تشقّها طولا وعرضا.

وضع زاد من سوداوية الصورة المرسومة لحالة التنظم السياسي في بلادنا، وارتباط هذه الصورة بالزبونية والتموقع والبحث عن المناصب، وعمّق المشكل السياسي وسيزيد من عزلة الأحزاب بعد أن أكدت فشلها في تأطير الجماهير ممّا فسح المجال واسعا لبعض القوى التي تركب العمل الجمعوي أو الخيري لإحداث اختراقات خطيرة في الساحة السياسية.

حالة تفاقمت أكثر منذ 2016 وانشغال المنظومة الحاكمة منذ ذاك التاريخ بالصراعات داخل حركة نداء تونس، واستنزاف هذه الأزمة لكل جهد واهتمام وتفكير مؤسسات الدولة.. حتى كادت البلاد أن تدخل في حالة من الشلل لولا مبادرة النهضة واصرارها على الاستقرار الحكومي ودعمها حكومة الشاهد.

وضع سَمَحَ بظهور حزب حركة تحيا تونس، التي علّق عليها البعض آمالا كبيرة في إعطاء أمل جديد للانتظام الحزبي في بلادنا، وإيجاد منظومة حكم قوية وصلبة، قائمة على اتفاق سياسي واضح، إلا أن سلسلة من الأخطاء التي رافقت هذه التجربة من ما قبل التأسيس إلى ما بعده، وظهور بوادر صراع تموقع حاد للغاية إضافة إلى تحوّل هذه الحركة إلى حزب حكومة عمق عزلة الأحزاب وزاد في سوداوية النظرة إليها.

ورغم أن 48% من الوزراء ينتمون إلى حزب تحيا تونس مقابل 20% بالمائة للنهضة التي تدفع فاتورة قبولها بالتحوير الوزاري الذي منح الشرعية للشاهد، فإن تحيا تونس يواصل السير نحو الهاوية بالمنظومة الحاكمة، بلهفته على الحكم ومناوراته تجاه النهضة باسم تجميع العائلة الوسطية في كل الاتجاهات بما في ذلك الحزب الحرّ الدستوري لعبير موسي مع وعد بتشكيل حكومة دون النهضة بعد الانتخابات بعد أن بات في شبه المؤكد لمخططي تحيا تونس حصول موسي على عدد محترم من المقاعد.

هذا السلوك أربك المنظومة وجعلها تفكّر في المستقبل في ظل بوادر استحالة الشراكة مع طرف مسكون بهاجس السيطرة والتحكم .

وهذا الارتباك فسح المجال أمام عيش تونسي وصاحبتها ألفة التراس وصاحب قناة نسمة نبيل القروي ومستقلين مثل قيس سعيد لتصدر المشهد، وزاد من نفور الناس من السيستام الذي باتو يحملونه المسؤولية كاملة عن تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتهرئة صورة الساسة والسياسة في بلادنا.

وهو ما يفرض في المرحلة القادمة وقفة تأمل قبل فوات الأوان لتعديل الأوتار  ولم لا تعديل رزنامة الانتخابات ببعض أسابيع إن اقتضت الضرورة اجراء تغيير جوهري في مشهد الحكم لأن المطلوب ليس ديمقراطية شكلية ولكن مضمون ديمقراطي.

والنهضة باعتبارها الشريك الأساسي في الحكومة بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لأداء شركائها في الحكم، وتصويب الأمور أو الانسحاب من منظومة الحكم والتوافق على حكومة انتخابات..

صحيح أن النهضة تنازلت لصالح البلاد ومن أجل انجاح عملية الانتقال الديقمراطي، وصحيح أيضا أن هذا الخيار جنب البلاد الكثير من الويلات، ولكنه خلق في المقابل اشكالات أخرى ليس أقلها أننا بتنا مهددين اليوم بديمقراطية شكلية تُحترم فيها بعض المواعيد وبعض القوانين شكلا ولكننا في المضمون أبعد ما نكون عن الممارسة الديمقراطية الحقيقية والفعلية..

يضاف ذلك طبعا إلى بروز الظواهر التي تحدثنا عنها وهنا أريد تسجيل الملاحظات التالية:

أولا: عيش تونسي الذي بات أكبر تهديد للديمقراطية في بلادنا، لأننا إلى اليوم لا نعرف مصارد تمويل هذه الجمعية، ولا يعلم أحد أهدافها الحقيقية، وهل هي مجرد عمل جمعوي أم أن المراد منها في النهاية سياسي؟ ونحن تابعنا خلال شهر رمضان الجاري حملة إعلامية ضخمة للغاية أُنفقت فيها مئات الملايين من الدينارات، واستعملت فيها قنوات محددة، وهو ما يثير المخاوف من وجود اتفاقات ضمنية بين هذه القنوات وعيش تونسي تكون فيها هذه الاعلانات مقدمة لفرض اصطفافات سياسية على هذه القنوات في المستقبل.

ثانيا: نبيل القروي وجمعية خليل تونس، وإعلانه الترشح للرئاسية، فإن هذا الإعلان يطرح مشكلا أخلاقيا بالأساس، ويقوم هذا المشكل على محاولة الربط بين الاعانات المقدمة للمحتاجين والأثمان السياسية المقابلة لها. إضافة إلى إشكال ثان يتعلق بالعلاقة بين العمل الخيري الانساني والتوظيف السياسي لهذا العمل واستغلال المجال الاعلامي في عملية التوظيف تلك.

ولكن وفي جميع الحالات لا أعتقد أن شيطنة الرجل وشن حملات عليه بالشكل الذي رأيناه في الفترة الأخير مفيد للتجرية، فالرجل جزء من المشهد السياسي ولعب دورا بعد الثورة في خدمة نداء تونس وهو من مؤسسيه وساهم في حلحلة أزمة 2013 بمشاركته في تنظيم لقاء باريس، ولا مجال للتعاطي معه وكأنه شخص غريب عن السياسة، فالرجل سيكون له حضور بكل تأكيد في الرئاسيات القادمة وربما في التشريعية أيضا، ولا بد من التعاطي مع هذا الواقع بكل عقلانية ودون حماسة زائدة أو زائفة. وهو من جانبه مطالب باستثمار رصيده استثمارا جيدا وعدم هدره في المغامرات أو التحالفات الهشة.

ثالثا: عبير موسى التي تصرّ على الحروب السياسية القائمة على التنافي والاقصاء، وهي قد تنجح بذلك في حشد جزء من المنظومة القديمة حولها، ولكن جزءا كبيرا من هذه المنظومة المتعقلة والرصينة لن تنجّر إلى إعادة التجميع حول شعارات الاستبداد والتلويح بالقمع فهذه الشعارات باتت من الماضي، وكل من سيمضي في هذا الخيار سيكون مصيره التهميش والعزلة.

الخلاصة أن هذه الثالوث نجح في زلزلة المشهد ونحن نعتقد أن شهر جوان القادم سيكون حاسما في تحديد الخارطة المستقبلية أي التوافقات أو الطلاقات وتشظي مشهد يتجه نحو فوضى سياسية يجب التعاطي معها بكل جدية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق