ثقافة

مالذي تختلف فيه الآثار الاسلامية عن غيرها في تونس

إذا كانت الآثار أثر بعد عين فإن الاسلامية منها لا تزال حية تنبض بالحياة

إذا كانت الآثار عموماً مجرد أثر بعد عين، وأطلال بعد سالف العظمة، فالآثار الإسلامية لا تزال حية تنبض بالحياة، سواء بقيت على حالها، أم تم تحويلها بمكر الليل والنهار إلى مرافق أخرى، كما حدث مع آلاف المعالم الثقافية في تونس كالمساجد أو المدارس أو الضيع الزراعية في السهول والجبال، أو المستشفيات، أو النواعير والآبار ودواليب الماء، والأحياء السكنية التي أصبحت مزاراً سياحياً يستهوي ملايين السياح، وتجدد لاستخدامها كمراكز تجارية وأماكن للراحة والاستجمام.

تؤكد المستشرقة الألمانية «زيغريد هونكة»، في كتابها «شمس الله تشرق على الغرب»، أن كثيراً من النباتات والخضراوات والغلال المفيدة نقلها العرب إلى الغرب عبر تونس ثم الأندلس، كما أن البناء بالحجارة مأخوذ من المسلمين، وكان معظم البناء في أوروبا من الخشب، لا سيما بريطانيا.

لا شك أن المسجد يمثل قطب الهندسة المعمارية للمدن الإسلامية، إلى جانب المدرسة والمستشفى والسوق.. ونظرة على هندسة المدن الإسلامية تؤكد هذه الحقيقة التي تم إغفالها في هندسة كثير من الأحياء في هذا الزمان، ومثال على ذلك مدينة القيروان (160 كيلومتراً جنوب غرب تونس)، فأحياؤها العتيقة تعد نموذجاً في هذا السياق؛ بل هي أفضل وأروع وأحدث ممّا تلاها حتى اليوم، حتى قيل: لو حيّد جامع عقبة بن نافع، والسقية، والأسوار، وأحياء المدينة العتيقة، وعين «بروطة»، لما بقي في المدينة ما يستحق الزيارة.

يعد الجامع الكبير بالقيروان -الذي يعرف باسم الفاتح العظيم عقبة بن نافع- من أشهر الآثار الإسلامية في العالم، وليس في تونس فقط، وقد أدى المسجد أدواراً ثقافية عبر العصور منذ تأسيسه عام 50هـ/ 670م؛ ففيه كانت توضع الخطط الحربية، وفيه كانت تعلم المسائل الشرعية، وفيه كانت تدرس جميع العلوم؛ فأبو جعفر أحمد بن إبراهيم خالد القيرواني -المعروف بابن الجزار القيرواني- الطبيب المشهور عالمياً حتى اليوم كان من رواده، ويعتبر كتابه «زاد المسافر وقوت الحاضر» من المراجع التي يستفاد منها حتى اليوم، وكتابه «سياسة الصبيان وتدبيرهم» يعد من المراجع في الطب، ولديه أكثر من 9 مؤلفات مشهورة في ميدانه، وكان يختم كل وصفة بقوله: «والله أعلم».

وفي مقدمة الأسماء الكبرى لعلماء القيروان يأتي اسم العلامة علي بن زياد، تلميذ مالك بن أنس، الذي حمل أول نسخة من «الموطأ» إلى أفريقية، والإمام سحنون ابن إسحاق الذي نشر الفقه المالكي بمدونته الشهيرة، وأسد بن الفرات الذي أحضر قبله قبسات من الفقه المالكي في كتابه المعروف بـ«الأسدية»، وإلى جانب هذين العالمين الكبيرين اشتهر آخرون في علوم وآداب متنوعة، منهم ابن رشيق القيرواني الناقد، وابن شرف القيرواني الأديب، وابن القزاز الشاعر، وأبو اليسر إبراهيم الشيباني الرياضي.. وغيرهم، وقد سجلت القيروان بالتراث العالمي في 7 ديسمبر 1988م.

يعد جامع الزيتونة (116هـ/ 736م) ثاني المساجد التاريخية المشهورة، وهو أول جامعة إسلامية شاملة في البلاد الإسلامية قاطبة، وكان علماء القيروان من بين علمائه الأجلاء إلى جانب محمد بن عرفة، وابن خلدون الذي تخرج في الزيتونة، والطاهر ابن عاشور الذي يعد من أشهر علماء التفسير، وكذلك علماء ومصلحون كثيرون مثل عبدالعزيز الثعالبي، والخضر حسين، والشاعر أبي القاسم الشابي.

وفي مدينة سوسة الساحلية نجد الجامع الكبير، ونجد رباطها الجهادي (استخدمه المسلمون لصد الهجمات البحرية من الغرب)، وأسوارها مسجلة كتراث عالمي منذ 9 ديسمبر 1988م، ويعود معظمها للعهد الأغلبي (800 – 909م).

وهناك الجامع الكبير بصفاقس (849م)، والجامع الكبير بالمهدية (916م)، وجامع القصبة (1230م) وهو من أجمل المساجد، وجامع الهواء بالعاصمة (1230م)، وهناك العديد من المساجد التاريخية التي لا يتسع المقام لذكرها

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق