الافتتاحية

إعتذار القلال .. خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح

– محمد الحمروني –

1

اعتذار وزير الداخلية الأسبق عبد الله قلال لعائلة الشهيد كمال المطماطي رحمه الله عن اختفاء ابنها، واقراره بأنه يتحمّل مسؤولية أخلاقية وأدبية عن الحادثة، مثّل منعرجا كبيرا جدا في مسار العدالة الانتقالية التي ظلت إلى الآن في حالة أشبه بالشلل التام بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبت في هذا المسار منذ تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة إلى الآن.

المشهد لم يكن عاديا بالمرة أول أمس الثلاثاء 11 جوان 2019 بمدينة قابس، حيث عقدت جلسة للنظر مجددا في قضية الشهيد المطماطي، سواء بالنسبة للتونسيين عموما أو لضحايا القمع والاستبداد، فحضور وزير الداخلية الأسبق عبد الله القلال، وادلائه بشهادته أمام المحكمة واعتذاره لعائلة الضحية، وهي المرة الأولى تقريبا التي يحدث فيها مثل هذا الأمر في بلادنا منذ الثورة إلى الآن.. يمكن أن يعتبر سابقة في بلادنا، وهي سابقة لعدة اعتبارات:

أولا لأنها المرة الأولى التي يحضر فيها وزير داخلية تونسي كمتهم في قضايا تعذيب واخفاء قسري أمام محكمة تونسية.

ثانيا لأنها المرة الأولى التي يحضر فيها متهمون بهذا الحجم  لدى الدوائر المختصة في قضايا العدالة الانتقالية..

ثالثا الاقرار بالجريمة والتعاطف مع الضحية وعائلته وتقديم الاعتذار، من أحد المسؤولين في أعلى هرم السلطة سابقا.

 

2

الأكيد أن الاعتذار قد يبدو من وجهة نظر العائلة ونظرا لخصوصية قضية المطماطي، غير كاف، فالأم التي وقفت بين يدي المحكمة تبكي حرقة فراقها لابنها وعدم معرفة مكان دفنه وحقيقة ما تعرّض له، تطالب بأكثر من الاعتذار، تطالب بمعرفة مكان دفنه وحقيقة ما جرى له وهذا حقها..

والأكيد أيضا أن الجلسة بما تمخضت عنه لم تكن ربما في مستوى التطلعات الكبيرة للقوى التي عانت القهر والاستبداد.

ولكن الأكيد أيضا أننا لو نظرنا إلى هذه المحاكمة من زاوية مسار العدالة الانتقالية ككل وما شهده من صراعات وتجاذبات وانتكاسات، تعتبر خطوة عملاقة إلى الأمام، قد تفتح أبوابا كبيرة وامكانات هائلة في المستقبل لملف العدالة الانتقالية وقد تساعد في المدى المنظور ربما على إغلاق هذا الملف ومداواة هذه الجراح وطي صفحة الماضي إلى الأبد.

فالاعتذار هو جوهر العدالة الانتقالية والخطوة الأساسية التي على أساسها تنبني بقية الخطوات، وهو ما حرص رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي على تأكيده في أكثر من مناسبة آخرها تصريحاته التي أطلقها يوم الخميس 9 ماي الماضي بمناسبة حضوره جلسة المحاكمة التي انعقدت بالمحكمة الابتدائية بتونس للنظر في قضايا تعذيب الناشطات بحركة النهضة حميدة العجنقي وسلمى فرحات وفاطمة المثلوثي.

ودعا الغنوشي يومها إلى تطوير قانون العدالة الانتقالية وأن يكون هدفه المصالحة الشاملة المبنية على الاعتراف بالجرائم والاعتذار عنها، وهذا يفرض على الجلادين أن يقرّوا بجرمهم ويعتذروا وأن يقع قبول هذا الاعتذار.

وأضاف “على الدولة أن تعتذر لأنّ الانتهاكات حصلت باسمها ثم يجب عليها أن ترمم حياة الضحايا.”

3

عادت بي الذكرى، مثل الكثيرين غيري أكيد، إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، المشهد لم يكن عاديا بالمرة بالنسبة لي شخصيا، لأن الوقوف بين يدي المحكمة، والمحامون يخطبون حضرة الجناب.. سيادةالقاضي .. إن هذا الشاب الواقف أمامكم…

يومها أصدر قاضي الأرض حكمه وأصيبت الوالدة بمرض ضغط الدم نتيجة الصدمة.. وبعدها توفي والدي وأنا في السجن، ولم يُسمح لي بأن أحضر جنازته..

أطرد أخي الأوسط من عمله وظل إلى اليوم يعمل في غسل الأواني بإحدى نزل الضاحية الشمالية، وكلّما أوجعته صروف الدهر، إلا وحملني مسؤولية ما هو فيه..

أخي الأصغر هو الآخر ترك الدراسة وهو في السنة الثالثة فلسفة، بعد أن أصيب بحالة اكتئاب شديد لازمته إلى اليوم، نتيجة الاقتحامات الأمنية شبه اليومية لمنزلنا والهرسلة ليلا نهارا.

والدتي كانت تتنقل من قمرت بالضاحية الشمالية إلى حدود الصحراء في حربوب كي تزورني وتسعفني بشيء من الأكل وبعض الملابس..

حتى زوج أختي لم يسلم، فهو لم ينس إلى اليوم كيف قضى صباح عرسه في منطقة الأمن وهو “يبحث” عن سبب زواجه من أختي.

أقارب لنا من بعيد جدا، سحبت رخصهم وتمّ حرمانهم من المنح والتسهيلات كالقروض وغيرها، فقط لقرابة بعيدة تربطهم بي.. معاناة ربما لا تقارن بما عاشته عائلات أخرى من مظالم وقمع وقهر..

4

لذلك أعي جيدا دوافع الغضب التي تعتمل داخل البعض فينا، لأن المحاكمة الأخيرة للمطماطي ربما لم تلب كل مطالب الضحايا، فهذه الطريق طويلة وشاقة وصعبة، والوصول فيها إلى نتائج تنصف الضحايا وتجنبنا ويلات التحارب الداخلي، أمر في غاية التعقيد، ولا أعتقد أن هناك من كان يأمل في طي هذا الملف من خلال جلسة واحدة.

علاوة على ذلك فإن القلال أدلى بشهادته في القضية والأمر متروك للقضاء الذي أخّر الجلسة إلى يوم 29 أكتوبر 2019 وستتولى النيابة العمومية استدعاء باقي الشهود وتنفيذ بطاقات الجلب طبقا للحكم الصادر في جلسة 12 مارس الماضي..

ما ورد في شهادة الوزير الأسبق يفتح ثنايا جديدة وهامة للتحقيق، خاصة عندما أكد في رده عن تساؤل حول مصير جثة الشهيد المطماطي أن المعلومات المتعلقة بهذه الحادثة عند الثلاثي المتمثل في الرئيس السابق لأنه هو من تولى ملف الإسلاميين شخصيا وحسن عبيد مدير الاستعلامات المركزية ومحمد علي القنزوعي المدير العام للمصالح المختصة بوزارة الداخلية… هي بداية فقط، والطريق لا زالت طويلة وصعبة ولكنها خطوة مهمة على الطريق الصحيح.. والمهم الان أن لا نضيع البوصلة ..

تحية إلى والدة الشهيد كمال المطماطي

تحية إلى والدتي وكل أمهات المساجين السياسيين

تحية إلى كل الصابرين والصامدين والماسكين على الجمر

حتى ينجح انتقالنا الديمقراطي وتحقق الثورة أهدافها

ويواصل شعبنا وأهالينا مسيرتهم  المظفرة باذن الله نحو الحرية والديمقراطية

وبذلك نقطع خط الرجعة نهائيا عن قوى الردة إلى الاستبداد..

الوسوم
اظهر المزيد
إغلاق