رأيراي رئيسي

الجبهة الشعبية: تفكك تنظيم أم موت فكرة؟ (2/2)

– نور الدين الختروشي –

آمن ماركس بأنّ مهمّة الفلسفة تغيير العالم، ولا أحد اليوم من الماركسيّين الجديّين مازال يعتقد في ما اعتقده ماركس. فالفكر اليساري الكلاسيكي لم يعد صالحا لرؤية عالم العولمة والثورة الرقمية ولا فهمه ولا شرحه ولا تغييره، وانزاحت معاني الماركسية الأممية ومضامينها التحرّرية التي ألهمت تجارب اليسار في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى مجرّد موروث نضالي قد يستثير النوستالجيا والحنين، ولكن لا يصلح لإعادة الاندماج في الزمن الكوني الجديد.

ربما تكون هذه المقدمة تكثيفا مخلا لما قصدناه من عنوان هذا المقال عندما حاولنا في الجزء الأول اثارة سؤال محنة المرجعية الماركسية للجبهة الشعبية – اكبر واهم مكون اليسار التونسي بعد الثورة – والانتقال من مستوى تحليل الأسباب السياسية والتنظيمية لازمتها الداخلية التي نتابع استتباعاتها في الأسابيع الأخيرة.

جوهر مقصدنا من هذا المقال هو الانتقال من زاوية التحليل السياسي المباشر لانشقاق الجبهة الشعبية الذي تناولته العديد من الأقلام واتت على اغلب جوانبه وحيثياته المباشرة، والمغامرة بدفع سؤال أزمة الجبهة الشعبية إلى حدوده واعماقه البعيدة المتصلة بأزمة اليسار في العالم، ومن خلاله أزمة فكرة الماركسية نغسها، ومحنتها التي بدأت عوارضها في أوروبا منذ “سحق ستالين” لثورة المجر في 1956 وموت الستالينية، مرورا بموت الماوية في 1978، وصولا إلى انهيار القطب الاشتراكي الأممي بسقوط الاتحاد السوفياتي في 1989، وتحول الأحزاب اليسارية في أوروبا بنسق متسارع من اليسار إلى الوسط الاجتماعي لتفقد مع الوقت وتحت ضغط زمن العولمة والتسارع مضامينها الايديولوجية الكلاسيكية المتعلقة في عمومها بحلم كوني رومانسي بعالم من دون تفاضل طبقي واجتماعي.

ظنّي أن الارتدادات الطاحنة للمتغيّرات العميقة التي يشهدها العالم في العقدين الأخيرين ستتراكم على مفاصل ما تبقى من فكرة اليسار ذاتها. ولبست أزمة الأحزاب اليسارية سوى التعبير السياسي المباشر لا عن موت الأنسجة الايديولوجية التي أفرزها الفكر الماركسي على ما هو معلوم ومسلم به، بل عن موت فكرتي الجدل المادي والصراع الطبقي كأقانيم مؤسسة للفلسفة الماركسية ذاتها ومن وراءها الحلم الرومانسي الثوري بعالم من دون ظلم اجتماعي.

على مسافة قليلة من سينيزم وتشاؤم شوبنهاور أشارك المقاربة التي تؤكد على معنى الفوضى الشاملة والعميقة التي يعيشها عالم ما بعد ولادة الإنسان التواصلي والثورة الرقمية التي عبثت بأقانيم تصورنا لعلاقتنا بالوجود والموجود.

هذا التحوّل الكوني المجنَون في كثافته ونسق تدفقه المتسارع، يرمي الجميع بقسوة وعنف في أفق شطب المشهد الحضاري والكوني والانتقال به من أفق العقلانية والانسانية (l’humanisme) إلى مجاهيل التوحّش الصلب بحروبه ومجازره ورعبه، كما هو في مذابح بورما، ومجازر الروهينجا، وبراميل بشار في سوريا، والتوحش الناعم كما تمارسه الشركات العابرة للقارات وليبراليتها المتوحشة النشطة ضمن استراتيجية تعليب لإنسانيتنا وامتصاص لأبعادها الشعورية والمادية ومصادرتها في مسار تحكم صلب في شرط وجودنا البيولوجي والرمزي.

السقوط الحضاري المفزع الذي تحاصرنا به اللحظة الكونية تستدعي من حاسة التفكير لدينا أن تغادر أغلب أقانيم التفكير الذي عرفها العقل البشري منذ أرسطو إلى هابرماز وتبدو السردية اليسارية ضمن زاوية المقاربة هنا فاقدة لكل مقوّمات الاستمرار في انتاج المعنى أو ارتياد آفاق الحلول العقلانية الممكنة للردّ على أزمة اقتلاعنا القاسي من عالم ما قبل التشابك بين الافتراضي والواقعي، والمرئي وغير المرئي، وما صاحبه من فوضى المعاني والأشياء.

ضمن هذا المشهد الكوني المتحوّل تبدو الأقانيم الكلاسيكية للفكر اليساري الأممي سوائل طريفة لحلم إنساني نبيل لعالم بدون صراع على توزيع الإنتاج ولم يخفف من هذه الخلاصة التي تقترب من حد الحقيقة سوى أصوات مبحوحة في نقاط متباعدة من خارطة ما يسمى باليسار الجديد، و الذي يحاول بإصرار خياطة جبة جديدة لفكرة النضال الاجتماعي الأممي بعنوان ما بعد الكولونيالية التي مهّد لها فوكو، وقعد لها إدوارد سعيد، ويجتمع على أطرافها اليوم قلّة من الانتلجنسيا اليسارية المتطلعة لإعادة إنتاج بسارية الاشتباك الاجتماعي ليس في ساحات الصراع الثوري بل حول الكراسي الاثيرة للمدارج الجامعية.

على حدّ اطّلاعي فإن السوسيولوجي فيتك شيبر من جامعة نيويورك أبرز من اشتغل على نقد ما يسمّى بنظرية ما بعد الكولونيالية وفي حوار له بالعدد 89 من مجلة الدراسات الاجتماعية العالمية يقول في الموضوع: “إنّني ناقدٌ لأنّ النظريّة ما بعد الكولونياليّة تحاول أن تقوم بما تقوم به الماركسيّة، أي بكلٍّ من تفسير العالم وإخبارنا كيف يمكن تغييره، وأعتقدُ أنّها تفشل في كلٍّ من هذين الجانبين.

فيما يتعلّق بتفسير العالم، بالرغم من أنّ النّظرية تتحدّث كثيراً عن الرأسماليّة، فإنّها تقدم تصوّراً للرأسماليّة يشوّش كيفيّة عملها، أو يمثّل نسخةً مؤسطرة ومطهّرة (sanitized) منها، وينزعُ المدافعون البرجوازيّون إلى الدّفع بهذه النّسخة إلى الأمام.

وبالنسبة إلى دورها بوصفها نظريّة نقديّة؛ حسناً، بادئ ذي بدء، وكما قال ماركس، لا يمكنك أن تنقد شيئاً ما في حال كونك لم تفهمه. فإذا لم يكونوا يفهمون كيف تعمل الرأسماليّة، فإنّهم لن يستطيعوا أن يساعدونا حقاً في نقدها.

ولا تقدّم النظريّة ما بعد الكولونياليّة نفسها على أنّها معادية للرأسماليّة فحسب، بل باعتبارها معادية للإمبرياليّة وللكولونياليّة. وفي الواقع، كما أوضّح في كتابي، فإنّها نظريةٌ أحيتْ وجعلت من المقبول ما نسمّيه الآن الاستشراق، والحال كذلك، فإنها أحيت الأفكار التي يختلف بها الشّرق عن الغرب بطريقة عميقة لا تتغيّر. من وجهة نظري، لم تفشل النظريّة فحسب، بل إنّ لها بعض المضامين المحافظة جداً”.

الخلاصة عندي من السابق أننا ومن زاوية تفكير إنساني وكوني مفتوح نشهد نهايات الأفكار الكبرى وسردياتها التي استتبعتها في أنسقة ايديولوجية تحولت من الشمول الطامح للإجابة على سؤال الحقيقة الوجودية والاجتماعية ، الى الشمولية المقيتة المصادرة والمحتكرة لإنتاج حقيقتها الذاتية على أنها الحقيقة الواحدة. فانتهت تاريخيا الى كارثة انسانية ترويها جماجم الملايين من ضحايا دكتاتوريات القرن العشرين

في الدول الشيوعية، وانتهت بفكرة اليسار اليوم إلى الدوائر الأكاديمية المغلقة تتلاطمها مراوحة شقية بين القناعة بموتها والرغبة في أحياءها.

وتبقى بقايا السؤال تحاصرنا: هل نعلن بياننا الرهيب بموت فكرة اليسار؟

صوت عميق ينبه من قصى: فكرة العدالة خالدة لا تموت لم تمت..

غيرت مقر سكناها من شمال المدينة إلى وسطها.

تعاند قوّة دفعها للتحوّل إلى يمين المدينة حيث أسوار المقبرة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق