دولي

عساكر السودان الجدد ..
التقارب مع مصر وانعكاساته على الصراع في ليبيا

– محمد عمران كشادة – صحفي وباحث ليبي –

إلى القاهرة وصل السبت 25 ماي 2019م الفريق عبد الفتاح برهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، حيث التقى مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي: “إن السيسي أكد للبرهان استعداد مصر لتقديم كافة سبل الدعم وذلك لتجاوز هذه المرحلة بما يتوافق مع تطلّعات الشعب السوداني بعيداً عن التدخلات الخارجية”.

وبغض النظر عن أهداف هذه الزيارة وأجنداتها بشأن الأوضاع الداخلية في السودان، وصراع المجلس العسكري الانتقالي مع قوى إعلان الحريّة والتغيير، وغيرها من القوى السياسية في السودان التي تضغط بقوّة ومن خلال الحشود الشعبية في الشارع لإجبار المجلس العسكري الانتقالي على تسليم السلطة لحكومة مدنيّة. وهي بلا شك أوضاع تهمنا. فإننا نتساءل عن ما طرح على طاولة الحوار بين الفريق عبد الفتاح برهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن الأزمة الليبية، وإن كانت هناك تفاهمات بهذا الشأن. وبالتالي فإنّ هناك أسئلة تطرح نفسه بقوة: ما هي انعكاسات هذا التقارب بين عساكر السودان ومصر على الصراع في ليبيا؟ وما هي سياسة عساكر السودان الجدد تجاه ليبيا؟ هل ستظل نفس السياسات في عهد عمر البشير، أم أنّ هناك تغيّرات سوف تطرأ على السياسة السودانية تجاه ليبيا؟ والسؤال المهم أيضا: ما هو مصير اتفاقيات أمن الحدود التي وقّعت بين كل من ليبيا والسودان وتشاد والنيجر، والتي كان أول اجتماع لها في الخرطوم في أوت عام 2018م، ثم تلته اجتماعات أخرى في نيامي وانجامينا، هل سيستمر عساكر السودان الجدد في التعامل بشأن الحدود مع حكومة الوفاق أم انهم سوف يمتنعون عن ذلك إرضاء لحلفائهم دول محور الشر العربي؟

 

السودان الجديد.. لعبة المحاور والتحالف مع قوى الثورة المضادة

لا شك بأنّنا في ليبيا نخشى من انضمام السودان إلى معسكر القوى المضادّة والمعادية للثورة الليبية، خاصة بعد ظهور مؤشّرات دالة على ذلك. النظام الجديد في السودان يبدو بأنّه يميل إلى معسكر مصر السعودية الإمارات، فقد أعلن المجلس العسكري الانتقالي عن بقاء القوّات السودانية المشاركة في حرب اليمن، وهذا موقف يصب في مصلحة السعودية والإمارات، كما قدّمت كل من السعودية والإمارات دعما ماليّا للمجلس العسكري الانتقالي في 23 أفريل 2019م بقيمة 3 مليار دولار، وقدّمت السعودية وديعة للبنك المركزي السوداني في ماي 2019م بقيمة 250 مليون دولار، كما قدّم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعم سياسي كبير للمجلس العسكري الانتقالي عندما استضافت القاهرة في 23 أفريل عام 2019 م قمّة تشاورية بحضور عدد من القادة الأفارقة، فقد ساهم السيسي في منح العساكر في السودان فرصة لترتيب الأوضاع والسيطرة على الحكم، حيث دعا البيان المشترك الصادر عن القمة التشاورية مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي إلى أن يمدّد الجدول الزمني الممنوح للسلطة السودانية لمدّة ثلاثة أشهر من أجل انتقال سلمي للحكم.

مؤشرات كثيرة تؤكد بأنّ السودان في عهد العساكر الجدد لم يعد حليفا للثورة الليبية، ونحن في ليبيا نبارك أي تقارب بين الدول العربية، وندعم كل جهود العمل العربي المشترك، إلّا أن واقع الصراع في ليبيا اليوم، والهجمة الشرسة التي تشن علينا من مصر والسعودية والإمارات تجعلنا نراقب بحذر كل ما يحدث في دول الجوار. ومدى انعكاس ذلك على الساحة السياسية في ليبيا. اذا كانت زيارة عبد الفتاح البرهان لمصر والتقارب بين عساكر السودان ومصر بشأن قضايا تهم البلدين مثل تنسيق المواقف في قضية سد النهضة، وحل النزاع على اقليم حلايب، أو تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، كل ذلك يعتبر مشروعا في العلاقات بين الدول، الا ان تنسيق المواقف بين عساكر السودان ومصر بشأن ليبيا وانضمام السودان الى محور الشر العربي فهو تهديد لأمننا القومي.

 

ليبيا والسودان.. حسابات الجيو-استراتيجيا والاقتصاد

تعرّف الاستراتيجية بأنها: “علم وفن تنسيق استخدام القوة الوطنية السياسية والاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية وغيرها، لتحقيق الأهداف الوطنية. بينما الجيو-استراتيجية بأنها: “دراسة أثر الموقع الاستراتيجي من خلال تفعيل وتوظيف استراتيجيات سياسية واقتصادية وعسكرية ومعلوماتية وغيرها، لتحقيق الأهداف الوطنية”.

من هذا المنطلق لا يمكن أن تسقط من حساباتنا الاستراتيجية دولة بحجم السودان، ذات موقع استراتيجي في شرق إفريقيا، وساحل مطلّ على البحر الأحمر بطول 800 كم، ودولة مجاورة لمنطقة القرن الإفريقي التي تتصارع كل الدول الكبرى على النفوذ فيها، نحن لا ننظر إلى أمننا القومي عند حدودنا مع السودان التي يبلغ طولها 380م فقط بل أبعد من ذلك، وفق مفهوم أمن الأعماق يجب أن نرصد كل الأخطار التي تهدّدنا إلى ما وراء حدودنا، وأيضا نحدّد مناطق النفوذ والاستثمار والمصالح الاقتصادية. إذا ما أردنا أن نفتش عن مصالح الدولة الليبية وفرص الاستثمار في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي فلا يمكن أن نستغني عن السودان، فهي جارة أثيوبيا وإرتيريا، وإذا ما أردنا أيضا أن نواجه الإمارات والسعودية أعداء الثورة الليبية واللتان تنشطان في تعزيز نفوذهما في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي فنحن بحاجة إلى السّودان. فليست دائما مواجهة الخصوم على أرضنا، علينا أن ننظر وفق رؤية استراتيجية إلى أبعد من حدودنا، هناك معارك سياسية يجب أن نخوضها في مناطق بعيدة عن حدودنا لنوجه رسائل واضحة لأعدائنا، كما أن مواجهة النفوذ الفرنسي المتزايد في منطقة الساحل الإفريقي، ومواجهة إسرائيل ومخطّطات الدول الاستعمارية التي لها مصالح في منطقة الساحل الإفريقي عند حدودنا الجنوبية، وكل الأخطار التي تهدد أمننا القومي من انتشار للقوات الأجنبية، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، وتهريب السلاح. كل ذلك يجعلنا بحاجة إلى السودان.

من الناحية الاقتصادية نحتاج للسودان في الاستثمار خاصة في قطاع الزراعة، لا يمكن أن نغفل عن قدرات السودان وإمكانيّاته في هذا المجال، في ليبيا ليس لدينا إلا 2 % من الأراضي الصالحة للزراعة من المساحة الإجمالية للدولة، وهي مساحة صغيرة جدّا ولا تكفي لتحقيق أمننا الغذائي، بينما تبلغ نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان حوالي 45 % من المساحة الإجمالية للدولة، ويمتلك السودان مقوّمات زراعية هي الأكبر في المنطقة العربية، يمتلك السودان حوالي 175 مليون فدّان صالحة للزراعة، بجانب مساحة من الغابات تقدّر بحوالي 52 مليون فدان “الفدان يعادل 4200 متر مربع”.

ولدى السودان ثروة حيوانية تقدر بـحوالي 102 مليون رأس من الماشية، تتحرّك في مراع طبيعية تُقدر مساحتها بـحوالي 118 مليون فدان، فضلا عن معدل أمطار سنوي يزيد على 400 مليار م3. هذا بالإضافة إلى احتياطي من النفط حوالي 5 مليار برميل، وثروة من المعادن الأخرى، خاصة الذهب الذي بلغ انتاجه في النصف الأول من عام 2018م حوالي 63 طن.

 

السودان على صفيح ساخن.. الصراعات السياسية والموقف الليبي

أمن السودان واستقراره يهمنا، قوى الثورة الوطنية في ليبيا تعتبر السودان عمقا استراتيجيّا وداعما كبيرا للثورة، كان هذا في عهد البشير، أمّا الآن فإنّنا نرى بأن السودان الذي يحكمه أبناؤه الوطنيون سواء كانوا إسلاميين أو غير إسلاميين ينتمون لتيّارات سياسية أخرى، والذين يؤمنون بالعلاقات التاريخية بين ليبيا والسودان، ولا ينجرّون وراء الدول التي تريد أن تدمّر ليبيا وتفرض أجنداتها على الشعب الليبي بالدمّ والحرب هو أيضا خطّ من خطوط الدفاع عن الثورة الليبية، ونحن بحاجة للسودان وإن كان مثخنا بجراحه، وغارقا في أزماته، من أجل خلق توازنات قوى، وتحالفات ترسّخ مواقعنا وقدراتنا في جبهات الصراع محليّا وإقليميا ودوليّا.

لا شكّ بأنّ الدبلوماسيّة الليبية غائبة اليوم عن مشهد الصراع في السودان، وهذا لا يعني بأن الدولة الليبية لا تمتلك أدوات التأثير، وإن كانت هي نفسها غارقة في الصراعات، ليس من الحكمة النأي بالنفس عن ما يجري في السودان، لأن المعركة على أرض السودان اليوم تؤثر فينا بشكل مباشر، لذلك يجب على الدولة الليبية أن تؤيّد قوى إعلان الحريّة والتغيير في مطالبها بإقامة حكم مدني، فليس من مصلحتنا أن يحكم السودان نظام عسكري موالي لمصر والسعودية والإمارات.

السودان اليوم يعيش على صفيح ساخن، صراعات سياسية بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحريّة والتغيير، وتدخلات أجنبية تهدّد أمن واستقرار السودان، خاصة بعد الموقف الروسي الصيني في مجلس الأمن الدولي الرافض لإدانة فض اعتصام المتظاهرين بالقوّة، السودان دخل إلى نفق مظلم في ظلّ غياب الثقة بين الفرقاء السياسيين، ولعبة محاور فرضت نفسها على المشهد السوداني فغاب التوافق وأصبحت الكلمة الفصل تأتي من خارج الحدود، تحديدا من أبوظبي، الرياض، القاهرة، نخشى من انهيار الدولة في السودان وما يحمله ذلك من مخاطر وتهديدات لليبيا وكل دول جوار السودان.

انهيار السودان لا يعني فقدنا لحليف مهم فقط، بل هناك تحديات أمنيّة تفرض نفسها، استمرار الاضطرابات في السودان وانهيار الدولة يعني افواج من موجات الهجرة غير الشرعية باتجاه الأراضي الليبية، ويعني أيضا تقسيم دارفور.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق