راي رئيسي

محنة المثقف بين السياسة والأدب (ج1)
رحلة التيه

– د. محمد التومي –

لعل أصل المحنة الضرب بالسوط وهو مصطلح مشتق من مادة م ح ن، والمحنة هي كلّ شدّة يتعرض لها الإنسان من ضيق أو تضييق أو ضرب أو إهانة أو مرض أو قتل. وقد ارتبطت محنة المثقف في عالم السياسة بالاضطهاد من قبل السلطان أو من قبل خصومه السياسيّين بسبب موقف اتخذ أو رأي أبداه، وقد لخّص ابن منظور ذلك في قوله “المحنة هي أن يأخذ السلطان الرجل فيمتحنه ويقول فعلت كذا وفعلت كذا فلا يزال به حتى يقول ما لم يفعله أو ما لا يجوز قوله”.

وقد مثلت المحنة في التراث العربي الإسلامي جنسا أدبيّا لم يفتأ ينمو فيه القول ويتوسع فيه الخيال على مرّ العصور “إنه أدب المحن، محن المثقفين والعلماء خاصة وهو من جنس أدب الملاحم والبطولات لا يكاد يخلو كتاب من كتب التراجم والطبقات من ذكر المحن التي تعرّض لها بعض المترجم لهم إمّا تفصيلا أو إيجازا، على أن الطابع الملحمي في هذا الجنس الأدبي إنما تجده في المؤلفات الخاصة يسرد أخبار محنة شخصية واحدة بعينها من الشخصيات الممتحنة، وإذا كان الطابع الغالب على هذه الكتابات التي تدخل أيضا في أدب المناقب، هو إبراز مناقب الشخصية التي تعرضت للامتحان والإشادة بما تتصف به من خصال في مقدمتها خصال الصبر والثبات.. والشيء الذي يدخل في ميدان التأريخ للرجال والحوادث، فإن كثيرا من الكتابات التي تنسب لهذا النوع لا تخلو من هدف يتصل بالحاضر والمستقبل بهدف تقديم القدوة والمثال، فمن الطبيعي إذن أن يكون هذا النوع من الكتابة مجالا للانتقاء والمبالغة، إذ هو للذكرى والموعظة وليس لمجرد الحقيقة التاريخية العارية.

إنّ واقعية هذه الأحداث لم تشكك فيها الكتب فهي وقائع تاريخية حدثت، ولعلّ الخيال ضخّم هذه المرويات ونسج فيها ملاحم وقصص وقد وردت مرويات محن العلماء والمثقفين بسند يراعي الدقة التاريخية، وقد ارتبطت هذه المحن بظروف سياسية الغالب فيها أن تكون بسبب فتوى شققها عالم أو موقف عملي شحذ فيه الهمم ضدّ سياسي من السياسيين في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مجرّد نقد عبّر فيه صاحبه عن رأي مخالف : كالامتناع عن البيعة أو رفض الإفتاء بما يراه الحاكم. على أنّ هذه المحنة قد لا تخصّ فردا واحدا بعينه بقدر ما تهمّ جماعة من أصحاب مذهب بأكمله مثل محنة أهل السنة إبان حكم المعتزلة، أو محنة إخوان الصفا وخلان الوفا،.. الخ وإن المتساقطين في دروب السياسة المتعرّجة وأقبية السجون السوداء باعترافات فرضها المحققون عليهم تتنكر لهم كتب التراجم والطبقات قبل تنكر أتباعهم. على عكس الصابرين والمثابرين الذين أشادت كتب التاريخ ببطولاتهم وتنعيهم شهداء إذا ما ماتوا في مثل تلك الظروف فيكونون قبسا ينير سبل النضال ضد الدكتاتوريات. من أشهر هؤلاء الذين خلدهم التاريخ أحمد بن حنبل وعبد الله بن المقفع والحلاج والبسطامي وابن رشد وسيد قطب ومنصف بن سالم… الخ ومع طول الزمن وتناسل الروايات التي تنسج حول متاهة المحنة وقصص التعذيب يلعب الخيال دوره فتمتزج الحادثة التاريخية بخيال الراوي فيصبح البطل بذلك ذاتا مرآوية لرواية محنة من المحن وليس موضوعا لمعرفة.

وفي صميم هذا الأدب المرآوي نجد أدب السجون وأدب المحن والنوازل أو أدب الاعتقال باعتباره جزء من أدب الذات مثلت له الثورة في واقعنا التونسي المعاصر منبجسا حتى تسمّى باسمها وكان لها ميسما، ولكن السؤال الذي يراود الدارس ونحن في مستهل دراسة حالمة: ما معنى أدب المحن؟ وإذا كانت المحن باعتبارها برزخا يفصل الدكتاتورية عن الحرية فهل أن الأدب الذي يعنيها ما قبلي أم ما بعدي؟ أم هو في مدّ وجزر بينهما؟ وفي الحالتين جميعا هل أن أدب المحنة يؤسس لرحلة التيه بحثا عن الحقيقة وعن الوجه الساطع في انبجاس الحق بين عنف الدولة تجاه المثقف وصيره في أداء واجبه السياسي؟

إن كتابة المحنة والكتابة عن المحنة أمران بينهما بون شاسع ولكنهما ينصهران في بوتقة ذلك المثقف الممتحن الجاد في قضايا مجتمعه يستطيع أن يزاوج بين تجربة إنسانية طبيعية فريدة وبين الكتابة كملكة وقدرة على الهجرة بالواقع إلى الحلم وتقديمه إلى القراء الذين يمنحوه عمرا طويلا بتأويله وتداوله فيما بينهم. يصف خوان غويتصلو “الأديب الأسباني” أدب المحنة بكونه “الأدب القادر على تحويل المادة الخام التي وفرتها حناجر الثائرين من العرب في ميادين الحرية إلى مادة لعمل أدبي ينتقل بالأثر إلى المستوى الآخر الذي مرت منه بقية الدول في أوروبا وأمريكا. فكيف يمكن التقاط هذا النبض وتجسيده في عمل أدبي لا يغرق في الوصف ولا يسقط في فخ التأريخ ويتجنب التقرير وهي مداخل قد ثبت تهافتها في جل الدراسات النقدية. فكيف يمكن لعمل أدبي أن يصوغ المحنة في نفس الوقت الذي تصوغه فيه الثورة؟ وتفترض الباحثة الفرنسية لوبا يورغانسن أن كتابة أي أثر يمر بمرحلتين إذ الكتابة الإبداعية لا يقدر عليها إلا من تماهت روحه مع الحدث المُلْهم لأنها تشكل البرزخ الذي يُمنح فيه العمل الأدبي روحه وشكله. فمن لم يؤمن بالثورة على الظلم وتسلط الحاكم الظالم ولم بعشها بوجدانه وأحاسيسه، لن يستطيع التقاط كنهها ونحتها فْي كلمات، تتحول بمرور الوقت إلى مصدر إلهام واحتفاء بثائرين على الظلم. يقول الناقد الأدبي الألماني نيكولاس بيندر في مقال بعنوان “الطريقة المريحة للمشاركة في ثورة”، إن ثوّار آخر ساعة لن يستطيعوا التعبير عن طموحات الشعوب، لأن الشعوب في الثورة العربية لا تريد أنصاف الحلول، كما أنها قطعت مع الكلام الدبلوماسي. لذلك يصعب على كتاب من هذه الطينة أن يعبروا عن هذه الطموحات أدبياً، ليس فقط بسبب انفصالهم عن واقع الفاعلين في الثورة، ولكن أيضا نظراً لافتقادهم للشرعية الثورية التي تجعلهم ينتمون عضوياً إلى الشعب ويستطيعون التعبير عن خوالجه. والمنفصل لا يمكنه النفاذ إلى جوهر الأمور لأن دونه وذلك الكثير من المعيقات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق