راي رئيسي

تونس.. من الديمقراطية الطوباوية إلى الديمقراطية البراغماتية

– لطفي هرماسي –

حالة من الهستيريا والفوضى انتشرت خلال الأيام الماضية بمجرد نشر سبر آراء الزرقوني تحت عنوان مثير ومربك على أعمدة إحدى الصحف اليومية: “الزلزال”.

وبصرف النظر عن مدى التزام صاحب مؤسسة “سيغما كونساي” وصاحب استطلاعات الرأي الأكثر إثارة بالمهنية والشفافية والتزام القواعد العلمية لإجراء سبر الآراء وهو موضوع أسال ومازال يسيل حبرا كثيرا وتشكيكا كثيرا، فإن النتائج التي نشرت أظهرت حالة من العدمية والعبثية والدفع الخطير نحو المجهول، وحالة من الإحباط التي إن حاولنا تفكيك أسبابها ومبرراتها تفهمنا وجاهتها، ولكن أن يبلغ الحال بالتونسيين إلى ردة وغيض ونقمة على منظومتي الحكم والمعارضة تدفعهم للعصف بكل مكاسب الثورة والإتيان بمنظومة جديدة مشبوهة وخطيرة فهذا ما لا ينبغي السكوت عنه، ولا الصمت حياله.

(1)

شهدت الساحة السياسية منذ انتخابات 2014 حالة من الارتباك والتشنج أدت إلى تفتت الحزب الفائز بسبب تشكله على قاعدة غير صلبة، ودون هياكل ولا مؤتمر تأسيسي، ودون برنامج. نخره الصراع حول الوجاهة والمناصب، وحول من يحكم حزب الرئيس، وتبادل الجميع التهم والعنف والتخوين، وتفرق حلفاء الأمس شيعا وطوائف وافتتح كل واحد من كبار الرموز المؤسسة حانوتا حزبيا لنفسه.

هذا العبث والتهارج السياسي داخل حزب النداء أثر أيما تأثير على الاستقرار السياسي بالبلاد، وأدى إلى تغيير الحكومات في أكثر من مناسبة، وأضر بالأداء والخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن صائبة وجعلت جميع المؤشرات في انحدار.

وفي الطرف المقابل، اشتغلت المعارضة ممثلة خاصة في الجبهة الشعبية من خلال أذرعها في القصر ووسائل الإعلام والمنظمات الوطنية على صناعة مناخات التشكيك والتخوين وحبك المكائد والأكاذيب من أجل “حرب مقدسة لا هوادة فيها”  كل الأسلحة فيها متاحة ضد الخصم الإيديولوجي حركة النهضة فاستعملت نابالم الغرفة السوداء وقنبلة الجهاز السري الصوتية، ولاكت علكة الحقد والكراهية حتى صارت تسري منها سريان الدم في الجسد وتحولت إلى ورم خطير أودى بها فتفككت أوصالها، وانفصمت عرى روابطها، وتنازعت أطرافها حتى فشلت وذهب ريحها.

وفي نفس المعسكر لعب التيار الديمقراطي دورا شعبويا تهريجيا في مجلس نواب الشعب بلغ ذروته ضحالة وعبثا بكل مقومات الحوار السياسي الجاد خلال معركة النائبة سامية عبو مع وزير التربية.

كل هذه الصور لم تزدها وسائل الإعلام إلا تأجيجا وبحثا عن الإثارة لترذيل السياسة والسياسيين، رسخت لدى فئة واسعة من التونسيين حالة من فقدان الثقة في منظومتي الحكم والمعارضة و الفوبيا من التحزب وممارسة السياسة.

(2)

بعيدا عن أعين التونسيين، تشكلت أنماط جديدة من التشكيلات الانتراسياسية منها ما هو متدثر بالعمل الخيري، اعتمد صاحبها مقاربة خبيثة تتلاعب بالعقول، وتستبله المعدمين وضعاف الحال بتنظيم موائد الإفطار وتوزيع كراتين الطماطم والمقرونة مقابل “يرحم خليل”.

وجبة ساخنة، وعرض لتخمة من المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة التونسية الجاذبة لفئة هامة من التونسيين، بالإضافة إلى إطلالة يومية من خلال برنامج يومي يعرض حالات اجتماعية قاسية (وما أكثرها في بلادنا)، يطالب خلاله صاحب القلب الحنون نبيل القروي بالتبرع لها بما لديهم من تجهيزات منزلية ومساعدات وأموال وأدوية ثم يوثقها ويمررها في ساعات الذروة مكررا ذلك في مناسبات عديدة خلال اليوم.

أسلوب دعائي متنكر في العمل الخيري، يوظف فيه القروي قناته التلفزية الخارجة عن القانون والصادر بشأنها حكم قضائي بالغلق لعدم احترام التراتيب القانونية، وإطلالته المستعطفة المتمسكنة.. يتلاعب بعواطف ومشاعر وإرادات فئة من التونسيين الذين يستهويهم العمل الخيري، وتغالطهم الخطب الرنانة المتسولة، وتستدرجهم حمية الدفاع عن الحريات ووسائل الإعلام للتعاطف المطلق مع الأم تيريزا (حسب وصفه لنفسه مؤخرا) وهو ما عمل على توظيفه في أولى فرصة أتيحت له بالإفصاح عن نيته الترشح لأعلى منصب في الدولة حتى يحوّل تونس إلى خليل تونس، تونس الجائعة، المتسولة، الطماعة، التي تباع وتشترى بوجبة غذائية ساخنة وعلبة طماطم ورطل مقرونة، تونس التي يعتزم ترؤسها شريك لعراب الانقلاب الدموي بمصر نجيب ساويرس، والمتحيل ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني.

تونس التي يطمع في السيطرة عليها متهرب ضريبي تآمر على تجربة الانتقال الديمقراطي فيها وحرض على الاحتراب الأهلي بتغطية مريبة لجنازة شكري بلعيد، ونقل مباشر آناء الليل وأطراف النهار لاعتصام الأرز بالفاكية، واستجلاب منحرفين في ثوب خبراء على إثر كل عملية إرهابية جبانة، والوقوف وراء حملة السترات الحمراء الفاشلة.

هو ذاته القائل في بعض التسريبات الموشاة بسب الجلالة وأرذل المفردات النابية أنه لم يبعث قناته إلا ليكون مؤثرا رئيسيا ومتحكما في الساحة السياسية.

وفي سياق آخر، تدرجت مبادرة مدنية ممولة بالمليارات من قبل رجل أعمال مقرب من الرئيس الفرنسي، جابت كامل التراب التونسي وحاورت آلاف الشباب مستعملة قاعدة معطيات شخصية دقيقة يبدو أنها تسلمتها بمقابل مالي مغر من مسؤول سام فاسد، ونشرت بعد أشهر من اللقاءات ميثاقا ركيك التعبير تدعو التونسيين للإمضاء عليه، ميثاق لا جديد في مضمونه سوى بعض المفردات التي تحيل على  معجم الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة  المحشوة تهديدا للحريات الأساسية، ووعيدا بالاستعمال المفرط لعصا السلطة ويدها الطولى.

عيش تونسي، هو الاسم الذي اختاره هؤلاء لمنظمتهم المشبوهة الصفراء الفاقع لونها، واختاروا أن يتشروا بالمال الوفير ممثلين من الدرجة الخامسة لأداء أدوار إشهارية للمبادرة تبث في عدد من وسائل الإعلام.

عيش تونسي عنوان جذاب يمكن أن يكون إشهارا للمنتوجات التونسية، أو دعوة للمحافظة على التراث والهوية الوطنية، لكن أن يكون حزبا ممولا من دوائر أجنبية مشبوهة ما يزال جلها يعتقد في قصور التونسيين، وعدم قدرتهم على التمييز، واستعدادهم الأبدي للعيش “تحت الصباط” فهذا ما لا يمكن احتماله ولا قبوله لأن تونس الثورة ليست للبيع ولا للإيجار لأي جهة كانت.

(3)

أمام استشراء الظواهر الهجينة، ونجاحها في مغالطة نسبة هامة من التونسيين الذين تاهت طموحاتهم بين ضيق ذات اليد، والارتفاع المشط للأسعار، وفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، وترذيل السياسة والسياسيين بأيديهم وبأيدي غيرهم.

أمام سطوة المسلسلات المدبلجة المخترقة بموائد الجوع والفقر والمذلة، وأمام الشعارات والوعود الكاذبة والاتصالات الهاتفية المتتالية… كان لزاما على الديمقراطية الغضة الناشئة ان تحمي نفسها من عمليات التحايل والتلاعب بالعقول والعواطف. كان لزاما على الديمقراطية الطوباوية أن تتحول تدريجيا إلى ديمقراطية براغماتية ترفع الورقة الحمراء في وجوه من يتلذذون طعم غلتها ويسبون ملتها، ومن “يرسكون” في قطارها، ومن يستغلون ترنحها ليرتقوا غصونها ويجرفوا تربتها وييبسوا جذورها.

سيكتشف التونسيون اليوم وغدا إن كانت مآدب يرحم خليل ستتواصل، وسيتبينون إن كانت عيش تونس ستبالي بهم وتواصل محاورتهم واستشارتهم واستنهاض هممهم، وسيفهمون كم هو صعب ومرّ على عبير أن تتوقف عن تمجيد سيدها المخلوع.

اليوم، وقد تواضعت الطبقة السياسية على حماية المسار مستشعرة المخاطر التي يمكن أن تحل به وبالبلاد لو توصل المسوخ والمتحيلون وسدنة معبد غرف الاستخبارات الخارجية وأعداء الديمقراطية، فليس لنا إلا أن نثمن ما حدث.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق