راي رئيسي

فخامة الشهيد محمد مرسي:
بين حدود الحقوقي والسياسي تنبجس الحقيقة

– نور الدين الختروشي –

“إن أي وفاة مفاجئة أثناء الاعتقال يجب أن يتبعها تحقيق سريع وحيادي وشامل وشفاف من جانب هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة”، هذا ما صرّح به روبرت كولفيل الناطق الرسمي باسم المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وقد ردّ الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية صباح الأربعاء 19 جوان بأن هذا التصريح لا يليق بالمنظمة الأممية.

يختزل الموقف الأممي والردّ المصري بكثافة أبعاد استشهاد الرئيس محمد مرسي فمن جهة موقف حقوقي أممي تناول الوفاة من زاوية حقوقية بحتة وطالب بالأدنى من الإجرائي لمعرفة “حقيقة” الوفاة وظروفها، ومن جهة أخرى الدولة المصرية المسؤولة عن الوفاة تردّ بالإدانة والتنديد بتدخل المنظمة الأمميّة في ما لا يعنيها.

الموقف الحقوقي الرسمي للمنظمة الدولية تواجهه الدولة المصرية بموقف سياسي يتعلّق بمبدأ السيادة والتدخّل في الشؤون الداخلية.

يثير الموقفان قضية أعمق من ثنائية التنديد بجريمة قتل الرئيس المصري والتشنيع على مرتكبيها أو إنكارها وتبريرها، تتعلّق بخيوط الفصل بين السياسي والحقوقي في تحديد الموقف من رحيل الرئيس المعتقل محمد مرسي.

ارتدادات الموقف ضمن ثنائية الحقوقي /السياسي تابعناها بأكثر وضوح تحت قبّة البرلمان التونسي. يوم الثلاثاء عندما اقترح رئيس كتلة حركة النهضة السيد نورالدين البحيري قراءة النوّاب سورة الفاتحة ترحما على روح الفقيد على خلفية التعاطف الإنساني الحقوقي مع الموت المستراب للرئيس المصري السابق.

القلة من النواب الذين رفضوا المقترح، يختزل موقفهم ما جاء على لسان النائبة فاطمة المسدي المعروفة بدعمها حدّ الحماس لنظام بشار الأسد حيث قالت “ما نعملوش السياسة في البرلمان”.

بعيدا عن استنكار هذا الموقف أو استطرافه حدّ السخرية من الرأي العام التونسي الذي اشتعلت منصات تواصله الاجتماعي بموجة غضب وحزن وتعاطف مع الرئيس المصري المقتول، فإن موقف النائبة يُخرج بصفاقة وفاة مرسي من حدّ الحقوقي إلى حدود السياسي وهي تحاول نزع البعد بل الجوهر السياسي للجريمة الحقوقية الرسمية التي اقترفها نظام السيسي على مرأى ومسمع من العالم.

بيان حركة النهضة المحسوبة لدى خصومها على تيّار الإخوان المسلمين أثار ردود أفعال سلبية لدى منتسبيها والمتعاطفين معهم بالنظر إلى الاكتفاء بالتعبير عن مشاعر الحزن وعبارات التعزية الرقيقة لأهل الفقيد ومحبيه ولم يخفف حملة السخط على البيان الرسمي للحركة سوى مبادرة رئيس كتلتها بقراءة الفاتحة على روح الفقيد.

الأمثلة الثلاثة تحيل على سؤال مثير للتفكير مداره سؤال مركب نطرحه بالصيغة التالية:

أين ينتهي الحقوقي وأين يبدأ السياسي في تقدير الموقف من وفاة مرسي؟ الموقف الحقوقي نهايته سؤال الحقيقة وفي حالة مرسي تدقيقا نهايته معرفة حقيقة الوفاة هل كانت طبيعية في ظرف طبيعي أم كانت مشبوهة في ظروف مسترابة؟ ومن هذه الزاوية تحدث المسؤول الأممي ومن نفس الزاوية حاولت حركة النهضة أن تكتفي بإطار الزاوية الشكلية الرخوة للحقوقي عند تحبيرها لموقفها من الحدث الجلل.

الدولة المصرية والمتواطئين في الحالة مع موقفها سرّا أو علنا وعلى عكس المنتظر أخرجوا الموقف من إطاره الحقوقي إلى مربّع السياسي إمّا بإثارة موضوع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية أو بإثارة المرجعيّة الإخوانيّة للفقيد وتبرير قتله لهذا السبب تحديدا كما جاء في أكثر من موقف شامت ومسرور لموت الرئيس المصري.

التعقيد في علاقة الحقوقي والسياسي أحال في الحالة على مفارقة طريفة جوهرها أن المتعاطف مع موت الرئيس يحاول ما استطاع التركيز على خطّ الفصل بين الحقوقي والسياسي هذا في حين من كان مفترضا أن يستفيد من هذا الفصل الذي يبتعد بعنوان الوفاة عن صداع حقيقة الموقف من نظام السيسي وأدواره المشبوهة في اغتيال أشواق شعبه وشعوب المنطقة للتحرّر من أنظمة الاستبداد والفساد في سياق حركية العرب منذ الإطاحة بنظام المخلوع بتونس في اتجاه زمن الحريّة والديمقراطية.

جوهر المفارقة في رصد ردود الأفعال على استشهاد مرسي لا تثير فقط مسألة الفصل المنهجي بين رغبة الحقوقي في البقاء في حدود الإنساني الكوني الذي من المفترض أن يكون محل إجماع وتسليم طوعي من الجميع ورغبة السياسي في التركيز على ما قبل وبعد العنوان الحقوقي الذي ينتهي حد السعي لمعرفة “الحقيقة الخاصة” بطبيعة الوفاة والظروف المحيطة بها والامتداد بالموقف إلى أفقه الطبيعي المتعلّق بالحقيقة العامة لجريمة القتل وما يتداعى منها من أبعاد سياسيّة والانتقال بالموقف من صعيد الحقيقة في الملف إلى محيطها السياسي وعمقها التاريخي.

يبدو الموقف الحقوقي من وفاة الرئيس المصري بدون هامش استقلالية عن السياسي أي بدون هامش مناورة على تقدير المصلحة في الموقف من نظام السيسي ومن الدولة المصرية

حسابات المصلحة وتقدير موازين القوة واحترام مبدأ الحياد وعدم التدخل في الشأن الداخلي وغير هذا من الحجج الكلاسيكية للمناورة على الموقف السياسي المباشر في هذا الملف تبدو من غير مستند إلا بالتضحية بأساس الموقف سواء بعنوان إنساني عفوي ومفتوح أو بعنوان سياسي مقصود ومحسوب.

فعناصر الحقيقة السياسية لوفاة الرئيس مرسي تتداعى بانسياب عميق ومباشر على أطراف حادثة وفاته في قاعة محكمة سياسية بائسة تحيل على زمن ستاليني بائد شاذ وغريب عن عالمنا الجديد.

فالحقيقة التي يناور عليها الحقوقي هو أنّ محمّد مرسي هو أوّل رئيس منتخب يموت في قاعة محكمة نصبها له من انقلب عليه بقوّة الحديد والنار وعلى جثث آلاف المصريين في ميدان رابعة ذات صيف من سنة 2013 وأمام أنظار العالم وبمباركة من قوى دوليّة وأقليمية معلنة وخفيّة ومعروفة لدى الرأي العام.

فالموقف من استشهاد الرئيس المصري هو في عمقه ونهايته موقف من الثورات العربية ومن اغتيال حلم شعوبها من الانعتاق من ربقة أنظمة القمع العاري التي قامرت بالمصير العام وحكمت لعقود بقوّة العنف الرسمي وأهدرت كل مقوّمات التحرّر والقدرة الرمزية والبشرية للشعوب العربية في الدخول لدورة الانتاج الحضاري وتحقيق الأدنى من طموحها المفتوح لتجاوز وضعها التاريخي المأزوم.

الموقف من وفاة مرسي يتجاوز حقيقته الحقوقية الخاصة وبعده السياسي المباشر إلى أفق أعمق يتصل بالموقف من عنوان الحريّة بثقله الرمزي ومحموله التاريخي ويرمي الجميع بقسوة وآنية ضاغطة في غربال الفرز التاريخي بين من يؤمن بحق شعوبنا المشروع في تكسير النواة القمعية الصلبة للدولة الوطنية في المجال العربي وبين المستفيدين من تمديد عمر الاستبداد بأبشع أشكال التقتيل الوحشي الجماعي على ما شهد العالم في مصر الانقلاب المشؤوم وسوريا البراميل الفاجرة.

عند حد التاريخ المنبجس من حدود الفصل والوصل بين الحقوقي والسياسي، فضحت الأنفاس الأخيرة للرئيس الشهيد كل استراتيجيات التعمية والتحايل على المنطوق والصامت في حيثيات الجريمة الرسمية والعلنية والمعولمة التي اقترفها نظام القمع العاري بمصر في حق الشهيد المغدور. وفي هذا السياق لم يستحي المتواطئون مع الجريمة من استدعاء حوادث موت طغاة العرب كالقذافي وعبدالله صالح وصدام بمنطق مقلوب لا يقنع بفكرة بقدر ما يبرر كذبة كاملة الأوصاف تسوي بين استشهاد رموز تحرّر الشعوب في ساحة الشرف وموت الطغاة في مزابل التاريخ.

ترجل فخامة الشهيد ولم يرحل فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأحياء في الذاكرة الإنسانية لا يغيبون.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق