الافتتاحية

مصطفى بن جعفر والرئاسيات..
العودة الهادئة

– محمد الحمروني –

دون ضجيج إعلامي صاخب، ولا خطب تثير النعرات وتؤسس للاصطفاف والاستقطاب، وبهدوئه المعتاد، أعلن رئيس المجلس الوطني التأسيسي، الأمين العام السابق لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات،الدكتور مصطفى بن جعفر، نيته الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.

وأكد بن جعفر أنه يسعى لأن يكون المرشح التوافقي للعائلة السياسية، وأنه لن يقصي أي طرف من المشاورات التي يعتزم القيام بها لتحديد امكانية ترشحه من عدمها. موضحا أن ترشحه للانتخابات الرئاسية لن يكون استجابة لشهواته الشخصية والذاتية، وأنه لا يرى إلى حد الآن أيا من المرشحين البارزين القادرين على تحقيق الأهداف التي يراها أولوية.

وبخصوص إمكانية دعمه من حركة النهضة، قال بن جعفر “إنه يطمح أن يكون شخصية توافقية مشددا على أن النهضة لم تتصل به بخصوص هذه المسألة” مثلما نقلت عنه بعض وسائل الإعلام.

واضح إذا أننا أمام عودة قوية من حيث الوزن السياسي لرجل يقف على تاريخ محترم من النضال ضد الاستبداد تعود بداياته إلى السبعينات من القرن الماضي عندما خرج مع المجموعة التي ستعلن سنة 1978 عن تأسيس أول حزب سياسي بالمعنى المتعارف عليه اليوم وهو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين. وقبل ذلك ساهم في إصدار جريدة الرأي (1977) وفي تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة (1978)، ثم تولى فيما بين 1986 و1994 خطة نائب رئيس لها.

وبعد خروجه من حركة الديمقراطيين الاشتراكيين أسس سنة 1994 التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، كما ساهم سنة 1996 في تأسيس المجلس الوطني للحريات بتونس. وترشح للانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 2009 إلا أن المجلس الدستوري رفض ترشحه بداعي أنه غير منتخب كأمين عام لحزبه. وبعد الثورة التونسية، وعلى عكس من هرولوا للحصول على بعض المناصب، رفض المشاركة في حكومة محمد الغنوشي التي اقترحت عليه حقيبة الصحة العمومية.

وهو الى ذلك صاحب علاقات وطيدة ومتينة جدا بالاتحاد العام التونسي للشغل، حتى أن البعض أطلق في بعض الفترات على حزبه اسم حزب الاتحاد.

ورغم ما يقال عن علاقات الرجل الخارجية وخاصة علاقته بالقوى الاجتماعية في فرنسا وخاصة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وهناك من لامه  على اتخاذه من شعار الوردة الحمراء، رمز الاشتراكية الفرنسية، جزءا من شعار (LOGO) صحيفة مواطنون، الناطقة باسم التكتل سابقا، رغم ذلك فان هذه العلاقة مفهومة بحكم اشتراك الحزبين (التكتل والحزب الاشتراكي) في منظمة الاشتراكية الدولية، وبحكم الصداقات التي شكلها الرجل لما كان يدرس الطب في فرنسا..

ولكن ورغم هذه العلاقات، كانت لبن جعفر من الشجاعة السياسية ما سمح له بأن يقدّر مصلحة البلاد بعد انتخابات 2011 وأن ينخرط في منظومة الحكم التي افرزتها تلك الانتخابات، والتي أطلق عليها فيما بعد بالترويكا، وقدّم خلال ترؤسه للمجس التأسيسي أداء متميزا، رغم صعوبة الظرف وحدة الخلافات وحالة الشحن السياسي الكبيرة التي ميزت تلك الفترة.

الخصلة الأساسية التي تميّز بها الرجل كانت مفتاح أو سر نجاحه، وهي هدوؤه الكبير، ونبرته الهادئة، التي لا تتغير ولا تتأثر بالأجواء المحيطة بها مهما كانت صاخبة.. هكذا كان بن جعفر أو هكذا عرفناه خلال فترة 18 أكتوبر وما تلاها من نقاشات ولقاءات كانت تعقد في مقر حزبه بنهج انقلترا بالعاصمة، لما كان العسس المدججين يراقبون كل داخل أو خارج منه، وكانوا يضربون طوقا على المنطقة كلها من ساحة برشلونة إلى نهج شارل ديغول.

وبنفس الهدوء العميق أدار الرجل فترة رئاسته للمجلس التأسيسي، وصولا إلى التوقيع على الدستور.. ولعبت شخصية بن جعفر، ومقبوليته لدى مختلف الشركاء السياسيين دورا مهما في انجاح تلك المرحلة.. خاصة قدرته على التواصل مع الجميع، إسلاميون ويساريون ونقابيون ودساترة.

وإضافة الى هذه الصفات الهامة التي يجب أن تتوفر في أي شخص يريد أن يكون مرشحا لمنصب مثل منصب رئيس الجمهورية، هناك خصلة هامة يتمتع بها بن جعفر تجعل منه الأوفر حظا بأن يكون المرشح التوافقي، وهي أنّ الرجل لم يُعهد عنه أنه كان استئصاليا، ولم يعرف عنه أنه كان يوما ما من أصحاب الأجندات السياسية الاقصائية أو التي تبشّر بالسجون والمنافي كما يفعل البعض.

وهو ما يجعل منه، وفي هذا الوقت بالذات، ووسط هذا الانحدار الرهيب القيمي والأخلاقي الذي تشهده الساحة السياسية، ووسط تصاعد منسوب العنف في الخطاب وأحيانا في الممارسة، رجل المرحلة بامتياز وإن على سبيل الإمكان فقط.

فتونس التي تعيش حالة من التهارج السياسي والإعلامي، يكاد يدفع بها إلى حافة الاحتراب الأهلي، ووسط تصاعد منسوب التباغض، الذي تغذيه قنوات إعلامية ومواقع للتواصل الاجتماعي هي أقرب إلى منصات لإطلاق النار على الآخرين، وأمام السقوط المدوي للعديد من القامات السياسية التي كنا نحسن الظن بها، تحتاج بالفعل إلى صوت الرصانة والحكمة والهدوء والتعقل، أكثر من حاجتها إلى مرشحين يزيدون الوضع تمزقا والحالة تشرذما..

إن الأجندات التي سيلتف حولها التونسيون، والمشاريع التي سيعطونها ثقتهم ليست تلك القائمة على الاستقطاب ولا التي تبشّر بالعودة إلى الدكتاتورية  والاستبداد، بل المشاريع التي تجمع ولا تفرق، تطمئن ولا تخيف، توحّد ولا تمزق، وهذا الكلام نصحنا بعض أصدقائنا لما أتيحت لنا فرصة تقديم النصح لهم، ولكن للأسف لم نر لنصيحتنا تلك أثرا لها فيما بعد.

تونس لا تحتاج تحاربا أهليا، بل تحتاج إلى مشروع وطني جامع، وقيادة سياسية حكيمة لهذا المشروع الوطني، ويقيني أن بن جعفر رغم كل ما يقال عنه وخاصة ايقافه لأشغال المجلس التاسيسي – وهذا في اعتقادنا خطأ كبير منه –  يبقى  أحد الشخصيات الهامة التي ستطرح للتنافس بقوة وباقتدار على قرطاج في الفترة القادمة..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق