راي رئيسي

المجالس البلدية المنتخبة
إنجاز متعثر .. أزمة ثقة تتفاقم
من يتحمل المسؤولية؟

– فائزة الناصر –

تتفاقم أزمة البلديات المنتخبة يوما بعد يوم، وتتواصل عدوى حل المجالس وإعادة انتخابها من جديد في أكثر من بلدية.. تتعثّر السلطة المحلية في القيام بدورها الدستوري بعد نحو أكثر من سنة على انتخابها للعمل على التنمية وتحسين البنية التحتية والخدمات الصحّية والبيئة..

فشلت العديد من البلديات في الارتقاء بالعمل البلدي، تقدّم بعض أعضاء المجالس المنتخبة باستقالات جماعية، مطالبة بحجب الثقة عن رؤساء بلديات وحلّ مجالس، شروع في انتخابات جزئية في عدد من البلديات، اتهامات لوزارة الشؤون المحلية والبيئة ورئاسة الحكومة بتهميش البلديات في الجهات الداخلية، بعدم تمكينها من التجهيزات والدعم المالي. اتهامات للحكومة بتعمّد عدم نشر الأوامر التطبيقية الخاصة بمجلة الجماعات المحلية التي تسهّل عمل البلديات المنتخبة وتمكّنها من استقلاليّة التصرّف.. هذه بعض ملامح المشهد البلدي في تونس بعد انتخابات بلدية هي الأولى من نوعها منذ الاستقلال..

 أجريت الانتخابات البلدية يوم 06 ماي من السنة الماضية، وحققت نسبة مشاركة محترَمة بلغت 33 %، في سياق طغى عليه تشويه الساسة وترذيل المتنافسين ونشر اليأس والإحباط في صفوف التونسيين.. والحقيقة أنّ المقاطعة لم تكن للأحزاب، كما يروّج البعض بقدر ما كانت موقفا من السياسة مطلقا في لحظة بقيت انتظارات الناس من السياسيين فيها معلَّقة.

المهم تمّت الانتخابات بسلام وأفرزت رغم تفوق حركة النهضة عن باقي الأحزاب وتصدرها المرتبة الأولى بفارق يصل 10 % تقريبا عن الحزب الثاني، أفرزت الصناديق بانوراما سياسية فالمجالس البلدية كانت عبارة عن بانوراما من الأحزاب والمستقلين غير المنتمين إجرائيا إلى أحزاب وهو مشهد كان يفرض بالضرورة العمل التشاركي الذي يقوم أساسا على مبدأ حسن تنظيم وإدارة الاختلاف داخل نفس المجلس.

مشهد بانورامي كان يفرض حتما غلق باب الفرز الحاد والصراع السياسي والتخوين والتخويف بين من يخوّف من عودة سيناريوهات الاستبداد القادمة ويخوّن منافسه ويطعن في ولائه للثورة وبين من يرهب الناس من سطوة مشروع نقيض لمشروعه التقدمي الطلائعي.. مشهد بانورامي يفرض بالضرورة خيارات مختلفة تقتضيها ضرورات المصلحة الوطنية وواجبات إدارة مصالح الجهات، المفروض أن تعيدنا ضرورة إلى مربع استراتيجية التوافق من جديد التي يبدو أنها لا زالت صعبة الهضم بالنسبة إلى شريحة واسعة من النخب السياسية حتى وهم قبالة هذا الموزاييك السياسي..

والمفارقة العجيبة التي نعيشها اليوم، بعد مرور ما يقارب السنة عن انتخاب المجالس البلدية، أنّه بالرغم من الواقع الذي أفرزته هذه الانتخابات،  واقع كشف أن المجلس الواحد يجمع أحيانا أكثر من 5 ألوان سياسية، مازال البعض يصرّ ويتمسك بلوثاته الإيديولوجية، بل ما زال يتحدث عن استحالة أي تحالف واستحالة أي توافق بل أي حوار مع زميله في نفس المجلس البلدي ويعتبره غريمه السياسي الذي يجب ازاحته والتخلص منه.. يعني أن مجالس بلدية قد يصل عدد أعضائها الستون عضوا في المجلس البلدي الواحد سيعملون وفق مبدأ مشروعي ومشروعك ورؤيتي ورؤيتك واستراتيجيتي واستراتيجيتك؟

وكأن هؤلاء لا يزالون يجهلون أنّ عدم كفاية معيار الاحتكام إلى نتائج الانتخابات والأرقام التي تفرزها، يثبت كل يوم خيار التوافق في إدارة أي سلطة في تونس في هذه المرحلة الانتقالية ويثبت أنه الأسلوب الوحيد للحكم وإدارة السلطة، وأنّ معيار الأرقام والنتائج الانتخابية وحده ما زال غير مرحب به بشكل كامل، كمعيار لمنح الفائز في الانتخابات إمكانية الحكم بشكل منفرد، وتطبيق برامجه بطريقة مستقلة عن باقي المكونات السياسية المختلفة.

بل وكأنّ هؤلاء بإصرارهم على منطقهم العدمي والعبثي هذا يتغافلون على أن عقل التونسي اليوم لم يعد يفكك أو يستوعب مصطلحات من قبيل مشروعي ومشروعك أو حداثي ورجعي أو ثوري فوق العادة وخائن للمسار الثوري، فهذه المفاهيم لم تعد تترجم في ذهنه.. هم يتجاهلون أنّ ما يقوم الذهن التونسي بترجمته فوريا اليوم هو كل ما يتعلّق بمفاهيم التنمية والقفة والتشغيل ونظافة المحيط، هذه هي المفاهيم التي يفهمها التونسي اليوم ويستوعبها ويريد أن يسمع عنها..

فكيف ومتى ستجهزون مخططاتكم الاستراتيجية والتنموية ومتى ستعدّون دليل احتياجات منطقتكم البلدية وأولوياتكم فيه؟ متى ستنطلقون في تلبية ما يحتاجه الناخب من مجلسه البلدي من برامج ومتابعة تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة؟ ومن إقرار لمشاريع تنموية تعود بالنفع على المنطقة التي يقطنها؟ ومن إعادة تهيئة طرقات متهالكة وفتح شوارع وإلغاؤها وتعديلها وتعيين عرضها واستقامتها وتعبيدها وانشاء أرصفتها وصيانتها وتنظيفها وإنارتها وتسميتها أو ترقيمها، وترقيم بناياتها وتجميلها وتشجيرها ومنع التجاوز عليها، وكيفية التنسيق مع الجهات المعنية في إدارة توزيع المياه وتنظيمها وتوزيعها والعمل على منع تلوث الينابيع والأحواض والآبار، والتنسيق مع الجهات المعنية في إدارة تزويد السكان بالكهرباء والغاز والمشاركة في تحديد مواقع محطات التحويل، وإنشاء شبكات الصرف الصحي ودورات المياه وإدارتها ومراقبتها، وانشاء الأسواق العامة وتنظيمها وتعين أنواع البضائع التي تباع في كل منها أو حظر بيعها خارجها، وإنشاء الساحات والحدائق والمتنزهات والأماكن المخصصة للسباحة، واتخاذ الاحتياطات لمنع أضرار الفيضانات والسيول والثلوج، متى ستلتفت لما انتخبت من أجله وتترك هذا التنافر والتناحر العقيم التناحر وراءها؟

سنة مرت ولم يفهم فرقاء المجالس البلدية بعد أنّ المواطن التونسي اليوم لم تعد تعنيه سفسطة الساسة ولا ترفهم الفكري الذي يغرقون فيه ولا صراعات المشاريع الفكرية والإيديولوجية التي تعتبر صراعات مشفرة بالنسبة له وغير قابلة للتفكيك في ذهنه..

متى ستفهم هذه المجالس المتباغضة المتناحرة أنّ سياسة التوافقات التي ترفضها حتى الموت هي لسوء حظها ورغما عنها شاءت أم أبت، الخيار الوحيد أمامها الذي يفرضه واقعهم، وهو الخيار الوحيد القادرة اليوم رغما عن أنوف الجميع على إدارة المجالس البلدية وتنظيم الاختلاف ومعالجة كل مآزق غياب الأغلبية، وانجاح المشاريع والبرامج والاصلاحات الكبرى التي يحتاجها المواطن التونسي..

فالتعايش باتت حتمية لا خيارا ولا بديل عملي وآمن عنها، وكل يوم تتأكّد الحاجة إليه.. فهو النهج الوحيد القادر على إيصال الجميع إلى المساحات المشتركة، حيث يلتقون على قاعدة التشارك وليس الاستئثار، وهذا جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المهام وتنظيم الاختلاف وإدارة التنافس، ومعالجة كل مآزق غياب الأغلبية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق