راي رئيسي

في ندوة إطاراتها الثالثة .. انعطافة اجتماعية لحركة النهضة

– محمد القوماني –

أشار رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في خطابه الختامي للندوة السنوية الثالثة لإطارات حزبه المنعقدة نهاية الأسبوع المنقضي إلى أنّ النهضة تتهيأ للخروج من مرحلة الدفاع عن الحريّات وقد ترسّخت، إلى مرحلة الدفاع عن المستضعفين وعن العدالة الاجتماعية والتنمية ومقاومة الفقر والخصاصة والتفاوت بين الجهات والفئات. وقد لخّص بذلك أهمّ مضامين الورقات التي تدارسها المشاركون والاتجاهات الكبرى للتوصيات، وأعطى إشارة تغيير واضح في أولويات حركة النهضة في أفق الاستحقاق الانتخابي القادم نهاية 2019 والمؤتمر الحادي عشر للحزب نهاية 2020. وبالعودة إلى الخطاب المكتوب الذي تمّ نشره، وإلى الخطاب المرتجل الذي ألقاه الغنوشي، وإلى الوثائق التي تمّ اعتمادها والمداولات على مدى يومي 22 و23 جوان 2019، يمكن الجزم بأنّ انعطافة اجتماعية لحركة النهضة قد حصلت في ندوة إطاراتها الثالثة، نحاول رصد أهمّ منطلقاتها وملامحها، في انتظار التحقّق من مدى تنزيلها من قبل المؤسسات التنفيذية والشورية للحزب والوفاء بأغراضها ووعودها في الواقع.

 

نهضة متجدّدة لتونس أفضل..

اعتمدت الندوة الثالثة وثيقة تمّ توزيعها على المشاركين حملت عنوان “نهضة متجدّدة لتونس أفضل: ترفّق بالتجربة وإصرار على الأهداف”، جاءت في صيغة كتيّب من خمسين صفحة تقريبا، موشّح ببعض الصور والوثائق، قدّم له رئيس الحركة. ويحكي الكتيّب سرديّة نصف قرن من تاريخ حركة النهضة ومراحل تطورها وعوامل نجاحها وإسهامها في النضال الوطني ضدّ الاستبداد وفي إنجاح المسار الديمقراطي بعد ثورة الحرية والكرامة. وتكمن إحدى أبعاد أهمية هذا الكتيّب، في أنه أوّل وثيقة مضمونية مطوّلة (عدى لوائح المؤتمر) تصدرها الحركة منذ مدة بعيدة.

أوجز القسم الأوّل من الوثيقة تطوّر النهضة ومرونتها في التفاعل مع مستجدات الواقع في ثمانية عناوين وهي:

1 ـ من جماعة إسلامية إلى حزب سياسي: بحثا عن الشرعية القانونية.

2 ـ من شواغل ثقافية إلى نضال من أجل الديمقراطية.

3 ـ من معارضة احتجاجية إلى حزب في الحكم.

4 ـ من تثبيت الهوية إلى رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

5 ـ من الحرص على إظهار التمايز إلى البحث عن المشترك.

6 ـ من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي.

7 ـ من الشعار والإبهار إلى البحث عن الحلول وقوة الاقتراح.

8 ـ نتائج نوعية في بلديات ماي 2018 ونهضة جديدة لتونس الغد.

وكانت من أهمّ استخلاصات خاتمة الوثيقة أنّه “بعد الثورة اﺳﺗﻣرّت اﻟﻔوارق ﺑﯾن اﻟﺟﮭﺎت ﺑﺎﻟﻧظر إﻟﻰ ﻣؤﺷّر اﻟﺗﻧﻣﯾﺔ اﻟﺟﮭوﯾﺔ وﺗﻌّﻣقت. كما ﺗﻌّﻣق اﻟﺗﻔﺎوت ﺑﯾن اﻟﺟﮭﺎت ﺑﺎﻟﻧظر إﻟﻰ ﻣؤﺷّرات اﻟﺑطﺎﻟﺔ واﻟﻔﻘر واﻟﺻﺣﺔ. وازدادت الفوارق الاﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ ﺑﯾن اﻟﻣدن اﻟﻛﺑرى وﻣﺣﯾطﮭﺎ. وباتت الأوضاع ﺗؤذن ﺑﺣدوث اﻧﻔﺟﺎر اﺟﺗﻣﺎﻋﻲ، تؤشّر عليه اﻟﺗﺣرﻛﺎت اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ المتزاﯾدة، والتي تتغذى بدورها من ﺗﻧﺎﻣﻲ الاحتجاجات ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم وﻣزﯾد ﺣﺿور المسأﻟﺔ اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ. وإنّ كلّ فشل في معالجة الاستحقاقات اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ، سيزﯾد ﻣن اﻟﺗﺷﻛﯾك ﻓﻲ ﺟدوى اﻟﻣﺳﺎر الديمقراطي”. لهذه الاعتبارات، واستحضرا للأهداف الاقتصادية والاجتماعية للثورة، انعقدت الندوة السنوية الثالثة تحت شعار “لا مواطنة دون عدالة اجتماعية”. وكان منسوب النقد عاليا في خطاب المشاركين، وأكّدت توصيات الندوة مرّة أخرى على أولوية الملف الاقتصادي والاجتماعي، في الاستحقاقات القادمة.

نصّت آخر فقرات خاتمة الوثيقة المذكورة على أنّه “لا انتقال سياسي دون انتقال اقتصادي واجتماعي، ولا حظوظ للديمقراطية في ظلّ الخصاصة والاضطرابات الاجتماعية. وإنّ حركة النهضة مدعوّة أكثر من أيّ وقت مضى، إلى اعتماد سياسات حاملة للقضايا الجديدة، بحسن فهم الواقع وإعطاء الأولوية للاقتصاد وخدمة الناس، وتقديم البرامج المقنعة لنهضة تونس، ورفاه التونسيات والتونسيين، بما يجعل قطاعات واسعة من الناخبين يصوتون لها. وإنّ حركة النهضة ذات القاعدة الانتخابية الواسعة من المحافظين المفقّرين والمهمشين بالأحياء الشعبية، مدعوة أيضا الى وضوح في خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، بما يتناسب مع هذه القاعدة الانتخابية”.

 

انعطافة اجتماعية

استنادا إلى هذه المنطلقات أكّد الأمين العام للحزب زياد العذاري في عرضه للخطوط الكبرى للبرنامج الاقتصادي والاجتماعي أنّ مرحلة ما بعد انتخابات 2019 تستوجب “الانتقال من توافق سياسي عام إلى تعاقد وطني على أساس أولويات وبرامج”. كما أكّد رئيس الحزب في خطابه المكتوب أنّ حركة النهضة “ستعمل من خلال وجودها في الحكومة وفي إطار برنامجها الاقتصادي والاجتماعي الجديد على توفير كل شروط الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المنافسة أو من اقتصاد الرُخص إلى اقتصاد التساوي في الفرص (…) وستستند مشاركة النهضة في الحكومة القادمة إلى شراكة سياسية تقوم على تعاقد برنامجي واضح يمثل الاجتماعي الاقتصادي محوره، وعلى أساس أجندة وطنية تخرج بنا من عمومية التوافق إلى وضوح الشراكة”.

وقد شدّدت توصيات المشاركين بوضوح على “مراعاة مصالح النّاس قبل مراعاة العلاقات بين الأحزاب(…) فحزبنا مدعوّ للتّعاون والاختلاف مع غيره من الأطراف على قاعدة رؤيته للصّالح العامّ ومراعاة له، أكثر من مراعاة صفاء التّجاور مع غيره من الأطراف”. وعلى أن “تُوجّه السّياسات العموميّة للدّولة مركزيا وجهويا إلى معالجة مختلف الفجوات التّرابيّة والحضريّة والرّقميّة والثّقافية. وأن تجعل من استدامة المرفق العام وجودته خاصة في مجالات الصّحة والتّعليم والنّقل والأمن رافعة أساسيّة للحفاظ على العلاقة الاجتماعيّة بين المواطنين وبين الجهات، وأن ترصد العناية اللازمة لمنظومة الأمان الاجتماعي توسيعا وتعميقا وضمانا للموارد التّمويليّة. وأن تعالج مواطن الهشاشة القديمة والجديدة التي تؤدّي إليها التّحولات المجتمعيّة والدّيمغرافية الكثيفة والسّريعة في المجتمع التّونسي”.

وبهذه التوجهات التي عكستها مختلف فعاليات الندوة، وبهذا العزم والتصميم من المشاركين، لا نبالغ إذا اعتبرنا الندوة السنوية الثالثة إيذانا بانعطافة جديدة في مسيرة النهضة، أولوياتها اقتصادية وتنموية بالأساس وعنوانها اجتماعي بامتياز.

 

من لحظة 17 ديسمبر 2010 إلى لحظة 14 جانفي 2011

استفادت النهضة منذ نشأتها وعبر مسار تطورها، إلى خاصية المرونة والتفاعل مع مستجدات واقعها التي اصطبغت بها. وها هي في هذه المرحلة تدرك أنّ الترفّق بالتجربة التونسية الديمقراطية الناشئة، اقتضى أقدارا من الأولويات السياسية والتنازلات المتبادلة، استجابة للحظة 14 جانفي 2011 في الحرية والديمقراطية. وليس هيّنا أن يكون بناء نظام ديمقراطي ونجاح المسار التونسي وضمان استمرار الدولة والاستقرار السياسي أهمّ محصّلة تلك الخيارات، لكن من المهمّ أيضا بعد ثماني سنوات أن نعدّل البوصلة، ونستحضر لحظة 17 ديسمبر 2010 في الكرامة والتوازن الجهوي. فالدفاع عن مصالح المستضعفين من المُعدمين والمفقّرين والمهمشين، ومحاربة الفساد والمحسوبية، وضمان تكافؤ الفرص وإرساء العدالة الاجتماعية، ستكون في أوليات حزب النهضة من هنا فصاعدا، من أجل تونس أفضل. وذلك ما عناه الغنوشي في خطابه المكتوب حين ذكر أنّ “النهضة اليوم أكثر واقعية، ولا يضرّها أن تقيّم أداءها وأن تعرض حصائل أعمالها على التونسيين خاصة وأن الجميع يدرك مصاعب المرحلة الانتقالية وثقل أعبائها ومخاطرها. لقد بذلت النهضة وسعها وقدّمت مصلحة تونس على مصالحها، وراهنت على التوافق والترفّق بالتجربة والمسار مع إصرار قوي على تحقيق الأهداف لبناء تونس أفضل. النهضة اليوم أكثر تعلّقا بالمستقبل وأقوى عزما على رفع تحدياته ومراكمة الإنجازات وأكثر استعدادا لتوفير شروط نهضة تونس في أفق 2035”.

لا تبدو الانعطافة الاجتماعية في خطاب النهضة مفاجئة، وإن تأخّرت بعض الوقت، فقد غيّرت من قبل في ثمانينات القرن الماضي خطابها التربوي والثقافي الذي طبع نشأتها، إلى خطاب اجتماعي وسياسي احتجاجي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. وقد كانت مشاركتها في الحكم وتحالفاتها بعد الثورة، سببا في تصنيفها من قبل خصومها ضمن قوى اليمين الليبرالي. فهل يكون الخطاب الاجتماعي لانتخابات 2019، الذي يبدو أوفي للقاعدة الانتخابية الواسعة لحزب النهضة مقدمة لخيارات وبرامج مختلفة؟ وهل تكون الخيارات الشعبية بديلا عن الخطابات الشعبوية؟ نسجّل انعطافة الخطاب وننتظر البرامج والسياسات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق