راي رئيسي

تعديل القانون الانتخابي..
بين نبل المقصد وعقدة التوقيت ومكر التأويل

– نور الدين الختروشي –

يبدو أن تونس السياسة لن تعرف العطلة في هذا الصيف، فحركيّة الساحة السياسية تتسارع في كل الاتجاهات وعلى كل الخطَوط الظاهر منها وَالخفي.

في ثنايا هذا الحراك المتعدّد المسارات صنع البرلمان الحدث السياسي الكبير في الأسبوع الماضي، وذلك بتصويته على تعديل القانون الانتخابي، في توقيت أثار جدلا حادا في الساحة، وصل حدّ اتهام أحزاب الحكم باستعماله لحساب أجندتهم الحزبية وإقصاء خصومهم الذين ترشحهم نتائج سبر الآراء للعب أدوار متقدمة في المشهد القادم.

صورة الحركيّة السياسيّة العالية والصاخبة من الخارج تبدو دلالة صلابة وألق وحيوية الزمن الديمقراطي التونسي، وشهادة نجاح تاريخي للتجربة التونسية في محيطها العربي الذي تأثر بها وحاول السير على منوالها فسقط في خطيئة التهارج والتحارب الأهلي.

أمّا الاقتراب من الهيكل العام للتجربة ومحاولة مقاربة ما يعتمل فيها من مفاعيل الحراك السياسي المتدفق والمتواتر في كل الاتجاهات، فالمحصول لا يحيل على نفس الخلاصة بل قد يضادد شهادة النجاح التاريخي التي توشح كونيا جبين التجربة التونسيّة.

تفصح يوميّات التدافع والصراع السياسي على مشهد يقترب من خطوط الفضيحة بالنظر لمنسوب اللامعقول والعبث المتداعي على أطراف العمليّة السياسيّة ومن قلبها النابض، أي من المجتمع الحزبي تحديدا المؤتمن على إدارة العمليّة السياسيّة كما هو معروف في الأنظمة الديمقراطية السويّة.

جولة التهارج السياسي محورها في هذه الأيّام التصويت على تعديلات مخصوصه في القانون الانتخابي تتصل بالعتبة وشروط الترشح.

ورغم أن الدعوة إلى تغيير قانون الانتخابات قد تواترت بعد العهدة الانتخابية الفارطة، والتي أبانت على هشاشة ومحدودية الفلسفة الموجّهة للعقل التشريعي الذي حبّر فصول ذلك القانون بُعيْد الثورة والذي كان هاجسه حرمان الاسلاميّين من التمتع بأغلبية مطلقة أو مريحة لحكم، فإذا به يتحوّل إلى “عائق ابستيمولوجي” يمنع الجميع بالنهاية من الحكم.

كانت ورطة تحالف الحكم بين النهضة ونداء تونس في بداية العهدة الانتخابية الجارية كافية لاكتشاف حجم الخطأ المنهجي في فلسفة القانون الانتخابي وخلفيّات وموجهات اعتماده.

فما سمي بهيئة بن عاشور التي فصلت القانون الانتخابي على سرير بروكست وهاجسها الخوف من اكتساح حركة النهضة للنصاب الانتخابي، ربما حققت مطلوبها في قطع الطريق على “حتمية” فوز الإسلاميين على ما انفكت تثبته تجارب الانفتاح السياسي في المحيط العربي على اعتبار جاهزيتهم السياسية العالية للاستفادة من آليات الديمقراطية وقدرتهم المتجدّدة على إقناع الجمهور الانتخابي بأهليتهم الأخلاقية والسياسية للفوز بالتفويض الشعبي.

قانون الانتخابات وحتى الدستور الذي أشرفت على كتابته حركة النهضة في العهدة التأسيسية، وجهته نفس الفلسفة وهي تذرير مراكز السلطة ومنع عودة التغوّل واحتكار موضوع الحكم. فهاجس أو الخوف من عودة الاستبداد بآليات النظام الديمقراطي كانت نتائجه بالمحصول الماثل كارثية، على ما يفيد تقييم أداء مراكز الحكم الثلاثة البرلمان والحكومة والرئاسة.

الدستور الذي أراد توازنا بين سلطات الرئاسات الثلاثة سقط في محظور تفكيك مراكز السلطة، ومنع الجميع بالنهاية من الحكم، بل والأخطر تبين مع أول اختلاف بين الرئاستين محدودية قدرة النظام السياسي نفسه على ضمان الانسجام والتوازن بين مؤسساته السيادية. وقد عمّق معنى الضياع والحيرة والخوف من سقوط السقف على الجميع تردد البرلمان – والذي تحول الى تمنع او ممانعة غير مفهومة – في انتخاب المحكمة الدستورية والهيئة الساهرة على مراقبة دستورية القوانين والفصل في النزاعات الممكنة بين أجهزة الحكم مراكز السلطة.

ما نريد أن نركّز عليه من خلال التذكير بعنوان المطالبة بتغيير القانون الانتخابي أو تعديل الدستور، أن المسألة تتجاوز سطح يوميّات التجاذب والتنازع السياسي بين الأحزاب والمعنيين بإدارة الشأن العام عموما، إلى الأسس الجديدة لمعموديّة نظامنا السياسي نفسه، والفلسفة الموجّهة للعقل الدستوري الذي حبر دستور الجمهورية الثانية. وهي نفس الفلسفة التي تحكمت في العقل القانوني الذي دون فصول القانون الانتخابي وجوهرها منتهاها الخوف أو بالتحديد الخوف المرضي “الفوبيا” من عودة الاستبداد واحتكار موضوع الحكم تحديدا.

شغف الأطراف المؤسسة للجمهورية الثانية بعنوان الحريّة من جهة، والرعب الساكن عميقا في الضمير الجمعي للنخب اللائكية من تغوّل الاسلاميين عاملان أساسيّان كانا وراء دستور المحاصصة وقانون “المقصلة” الانتخابي.

فما أصبح يعرف عندنا بالنظام البرلماني المعدّل تبين مع التجربة محدودية قدرته في إحداث التوازن الدستوري المطلوب بين مؤسسات الحكم. وضمان الأدنى من الاستقرار السياسي خاصة بعد امتحان التجاذب الحادّ بين رأسي السلطة التنفيذية في الأشهر القليلة الفارطة الذي كاد يعصف بالجمل وما حمل.

أما القانون الانتخابي الذي اعتمد فصولا تحرم بالنهاية الجميع من أغلبية حاكمة من دون تحالفات حكم. فقواعد أكبر البقايا والتناصف العمودي والأفقي مثلا تشرع للحكم الجبهوي كضرورة وإكراه قد يجبرك على الالتقاء بنقيضك السياسي بما يؤدي بالنهاية إلى تفسيخ مبدأ التنوع والمنافسة السياسية ذاتها.

يمكن براحة ضمير مصدرها استقرار القناعة أن نقرّ بأن النظام الانتخابي الحالي وقعت هندسته على مقاس الحكم الجبهَوي بالنهاية. وهو ما أفرز مشهدا برلمانيّا تنقصه المسؤولية والجديّة بل تحوّل مع مرور الوقت إلى مسرح عبث خالد يعجز مخيال “ألبير كامو” و”صمويل بيكيت” على تصوره. كما أرغم الأغلبية الأولى والثانية على التحالف تحت عنوان رمادي اسمه التوافق بدل تبادل الأدوار بين أغلبية أولى حاكمة وثانية معارضة وهو ما تسبب في إصابة الدولة بفيروس “الحكم الأدنى”.

لقد عايشنا منذ الثورة ما يمكن أن نسميه بولادة “الدولة المستضعفة” التي تدفع ثمن زمن الحريّة الذي جوّفها من منابع القدرة حتى للقيام بوظيفتها الأساسية أو الدنيا المتعلقة بمبدأ حفظ النظام ، وذلك بعد أن دفعت ثمن الاستبداد بتطويعها كأداة تسلط لفائدة نظام فاسد وطاغ.

عناصر العطب البنيوي المؤسّس والموجه لروح الدستور والقانون الانتخابي انتبه له العديد من المختصين والسياسيّين والمراقبين، وتتالت في السنوات الأخيرة الدعوة للتعديل والتغيير من أطراف تقف أحيانا على ضفاف متقابلة، ومع ذلك لم تستعجل المبادرة البرلمانية في موضوع تغيير منظومتها التشريعية فضلا عن التفكير في تعديل الهيكل الدستوري للنظام السياسي المسمّى بالبرلماني المعدّل.

ولقد تفاجأ المراقبون في الأسبوع الفارط من سرعة تغيير وإقرار فصول جديده في القانون الانتخابي، والتي جاءت على إثر تنبيه استمارات الرأي بإمكانية اختراق الوهم (حزب موسي) والتحيل (القروي) للمشهد القادم وهو ما جعل التعديل المستعجل وكأنه محاولة لقطع الطريق أمام المنافسة السياسية بأكثر ممّا هو محاولة لتجويد الأداء الانتخابي وتنقيته من الشوائب.

حزب عبير موسي وجمعيّة نبيل القروي الخيريّة ليست سوى دماميل بارزة على جسد ديمقراطي وطني وليد ما زال يبحث على أفق الرشد والنضج التاريخي والسياسي ومعالجة دماميل الوهم والتحيّل الموصوف، تبدو بدائية ومتسرّعة من الأطراف الحريصة صدقا أو مخاتلة على تحصين ديمقراطيتنا من “ممكن” اختطافها المبكر من أعداء الحريّة وبارونات الفساد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق