أهم الأحداثاخر الأخبارالافتتاحيةسلايدر

ماذا وراء  إعلان الغنوشي امكانية ترشحه للرئاسية؟

الوضع تحت سيطرة الدولة التونسية ومؤسساتها ولا داعي للقلق..

أقول هذا الكلام لإخواني رفاق الدرب، وأقوله لشعبنا، الذي أثبت في كل مرة أنه صمام الأمان الوحيد إلى جانب قوات أمننا وجيشنا البواسل.. أقولها رغم حالة التهارج السياسي وحالة التصابي والمراهقة السياسية التي تعاطى بها البعض مع أحداث جسام مرت بها بلادنا مؤخرا، من التفجيرات الارهابية إلى مرض الرئيس والتلاعب بالأخبار والتسريبات وصولا إلى إشاعة موته ثم الحديث عن محاولة لتسميمه وصولا إلى الادعاء بوجود محاولة انقلاب دستوري على الوضع القائم في البلاد.

حالة التصابي التي أصبحت وللأسف عنوانا للممارسة السياسية في بلادنا، تفرض اليوم، علينا كتونسيين، وكنخب ومهمومين بمصير هذا الوطن، البحث عن ركائز لاستمرار الدولة والحفاظ على أمنها واستقرارها، لا تركها لعبة في أيدي بعض صبيان السياسة.

وفي العدد الفارط كنا تعرضنا إلى مرشح رئاسي محتمل هو الدكتور مصطفى بن جعفر الذي أكد أنه يدرس امكانية الترشح لانتخابات الرئاسية واعتبرنا أنّ ترشحه وازن وعودته هادئة.

ولكن حوار الأستاذ راشد الغنوشي الأخير، مع قناة حنبعل، وإعلانه نيته للترشح، وإن ترك الباب مواربا شيئا ما، يضعنا أمام مشهد سياسي وانتخابي مختلف تماما.. فهل ينوي الغنوشي الترشح للرئاسية فعلا؟ وهل حسمت النهضة أمرها بهذا الخصوص؟ وما هي أهمية هذا الترشح إن حصل لتونس وللتونسيين؟

الحقيقة أن تصريح الغنوشي الأخير، على قناة حنبعل، الذي أكد فيه أنه في حال قررت الحركة ترشيح شخص من داخلها للانتخابات الرئاسية فلن يكون إلا رئيسها كما ينصّ على ذلك قانونها الأساسي، فيه كما نرى إعلانا واضحا، بأن الرجل عزم أو هو على الأقل على أبواب إعلان عزمه الترشح للرئاسية القادمة..

نعلم أن القادة السياسيين لا يقولون كل كلامهم بواحا بل أغلب كلامهم تلميحا، وفي ذلك بلاغة أشد من القول المباشر، ورغم اصرار سماح مفتاح المقدمة التي أجرت الحوار مع الغنوشي على انتزاع “تصريح” بالترشح للرئاسية القادمة إلا أن الرجل أصرّ على نفس الاجابة وهي أنه إذا ما كان للحركة من مرشح من داخلها فلن يكون إلا رئيسها..

صحيح أن الغنوشي أبقى امكانية وجود مرشح من خارج الحركة وارد.. ولكن لهجة الخطاب، ووضوحه في الجانب الأول – ما ينص عليه قانون الحركة-، إضافة إلى سلسلة من القرارات والبيانات الصادرة عن مؤسسات الحركة والتي تؤكد كلها على أنها لن تكون محايدة في الرئاسية القادمة، وتأكيد بيان مجلس الشورى الأخير أن الحركة سيكون لها مرشح من داخلها وهذا الأرجح، كل ذلك يؤكد على أن النهضة قد تكون حسمت أمرها بخصوص ترشيح رئيسها للانتخابات القادمة.

نحن إذا أمام إعلان رسمي تقريبا للترشح للانتخابات الرئاسية، وهو الأمر الذي على أبناء النهضة الذين لا يزالون مشغولين ببعض الحسابات والتجاذبات التي لا تراعي دقة الظرف وحساسيته، عليهم أن يأخذوا هذا الترشح بكل جدية، ونفس الشيء يقال على المنتظم السياسي وكل المعنيين بالانتخابات القادمة بما في ذلك صانعي استبيانات الرأي لأن الاعلان الرسمي للغنوشي الترشح للرئاسية القادمة سيعيد خلط أوراقهم من جديد.

إضافة إلى ذلك فإن هذا الترشح سيكون ضمانة لمواصلة مسار توْنسة النهضة وترسيخ المصالحة الوطنية، وهو ما أشار إليه الغنوشي في حواره الأخير، عندما أكد أن حركته هي حزب العائلة التونسية المحافظة. وهو ما يمثل استمرارا وتأكيدا للنهج الذي خطته الحركة لنفسها بالتخلي عن كل ما يمكن أن يمثل مدخلا للتشكيك في تونستها وجذورها التي تمتد إلى المدرسة الاصلاحية التونسية وروّاد الحركة الوطنية من خير الدين إلى عبد العزيز الثعالبي وصولا إلى صوت الطالب الزيتوني.

وهي إلى ذلك خطوة في اتجاه تطبيع وضع النهضة في المجتمع ومع الدولة، بالتأكيد على أنه لا توجد مناصب أو مهام محرمة على أبناء النهضة، وأن حقهم فيها كحق بقية التونسيين، سواء بسواء، وأن قرطاج ليست خطا أحمرا.

وعلى العكس من الأطراف التي تبني استراتيجيتها الانتخابية على الاستقطاب، والتجميع على الضد، فإن الغنوشي يسعى لكي تكون استراتيجيته الانتخابية مؤسسة على التوافق، الذي كان إلى جانب رئيس الجمهورية رافعة أساسية له.

وهذا يعني أن هذا الترشح لن يكون تحت عناوين الانقسام والانتقام والهيمنة، كما يروج البعض.

اما بالنسبة للداخل “النهضاوي” فأهمية الترشح مرجعها تجنب تفكك القيادة بتغذية الصراع حول المرشح حتى ولو كان رمزيا وأيضا الحفاظ على تجانس البيت ووحدته في ظل إغراءات بعض المرشحين الذين يتصرفون مع جمهور النهضة وكأنه شعب بلا قيادة ولا قرار مرتبط بمؤسسات الحزب.

لذلك فإن إعلان الغنوشي أنه سيكون المرشح الوحيد من داخل النهضة يمكن اعتباره رسالة قوية تعكس رغبة رئيس الحركة في حماية حزبه من الارتباك والاختراق.

ولكن وفي المقابل، يجب أن يكون هذا الترشح محسوبا بشكل دقيق جدا، ويجب أن يأخذ في الاعتبار العديد من المعطيات الحزبية.. الوطنية.. والاقليمية.. والدولية..

وهو شيء لا يخفى عن الغنوشي الذي لم يكن ليقدم على هذه الخطوة لولا وجود ضوء اخضر ما من الخارج يكرّس عدم التدخل في شؤون تونس واحترام المراهنين على الديمقراطية الشديد لزعيم النهضة وثقتهم في قدرته على المشاركة في حماية المسار في ظل التهديدات الجدية له. والغنوشي لن يعلن بشكل رسمي ونهائي ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة، إلا بعد أن يأخذ في الاعتبار كل هذه الحسابات ويدرسها بشكل جيد.

ولكن وفي جميع الحالات فالثابت الآن، ومن خلال معلومات مؤكدة حصلت عليها “الرأي العام” فان الغنوشي سيكون جزءا من المشهد الانتخابي القادم، سواء كمرشح النهضة للانتخابات الرئاسية، أو على رأس إحدى قائماتها للانتخابات البرلمانية.. وهذا موضوع اخر للمتابعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق