راي رئيسي

بعد إمضاء المرسوم وإقرار التعديلات..
كيف تبدو ملامح المشهد السياسي في أفق سنة 2020؟

– لطفي هرماسي –

hermassilotfi64@gmail.com

 

(1)

بعد أسبوع رمادي طغت فيه على التونسيين حالة الشك والريبة وحتى الخوف من الفراغ الذي غذته الإشاعات والأكاذيب، عادت الطمأنينة والاستقرار إلى نفوسهم بتعافي الرئيس الباجي الذي مر بأزمة صحية خطيرة لم يمر بها منذ انتخابه سنة 2014.

كانت صورة الرئيس مرفوقا بفريقه الطبي في رواق المستشفى العسكري رسالة مطمئنة أعادت للتونسيين الأمل بأن الخطر قد زال، وبأن الدولة تتعافى وتسترد أنفاسها بتعافيه رغم ما يقال عن محدودية صلاحياته، ورغم وجود كل الضمانات الدستورية التي تجنب البلاد حالة الفراغ التي لم يسبق لها أن عاشتها حتى في أوج استعار الثورة وفرار المخلوع.

مع ذلك ظلّ التساؤل قائما حول قدرة الرئيس على الاستمرار في أداء مهامه، وحول إمكانية توقيعه على مرسوم دعوة الناخبين للاستحقاقين التشريعي والرئاسي وفق الرزنامة المعلنة من قبل الهيئة العليا للانتخابات. في غضون ذلك أطل الرئيس وهو الذي يمر بفترة نقاهة ليمضي على المرسوم، ويرسل إلى التونسيين رسالة مفادها أنه بصدد التعافي السريع، وأنه كما عهدوه شديد الالتزام بمقتضيات الدستور.

صورة الرئيس، بهدوئه ورصانته وابتسامته الخفيفة، وملامحه التي تنبئ بتحسن وضعه الصحي وهو يمضي على المرسوم، وإلى جانبه هاتفه الجوال، الذي يوحى من جملة ما يوحى به أنه وفي لأشيائه وطقوسه وعاداته التي ألفها لا يهجرها ولا يتخلى عنها، والتي من ضمنها حس رجل الدولة الثابت في مواقفه المحترم لمقامه، وواجباته الدستورية لا يحيد عنها رغم وسوسة بعض الهواة الذين يحيطون به، وحسابات من ينتسبون إليه، ومن يتوهمون بأنهم يفكرون ويقررون عوضا عنه.

على الجانب الأيسر من الصورة تكدست على مكتب الرئيس مجموعة من الصحف اليومية التي تعمد مهندسوها إظهارها بدقة لتؤكد تزامن تاريخ صدورها مع إمضاء المرسوم، وفي إشارة إلى أن سي الباجي لا يقبل من ديوانه بملخصات، أو جذاذات مجتزأة، أو مقالات مختارة، بل أنه يطلع وفق ما ذكره في مناسبات عديدة على كل الصحف الصادرة ويتابع كل ما يكتب في الشأنين الوطني والدولي، وينتبه إلى كل ما يكتب عنه سلبا أو إيجابا، بل ويتفاعل إيجابا مع بعض المواقف والآراء والتحاليل التي تستهويه أو الني يمكن أن يستأنس بها.

هي صورة مطمئنة اختزلت عدة رسائل نزلت بردا وسلاما على التونسيين الذين اطمأنوا على سلامة رئيسهم، وسلامة مسارهم، وفشل الحالمين بالتعثر والتأجيل والفراغ.

 

(2)

أعطت صافرة الحكم / الرئيس شارة الانطلاق لسباق ضد الزمن لتشكيل القائمات الانتخابية التي ستشارك في التشريعية والتي سيكون موعد تقديمها إلى الهيئة العليا للانتخابات من 22 إلى 29 من شهر جويلية الجاري ومن 27 أوت إلى 3 سبتمبر بالنسبة للترشحات للانتخابات الرئاسية.

هل أنه من حسن الحظ أو من سوئه أن يتزامن انطلاق التحضيرات للعرس الديمقراطي مع ولوج التونسيين لموسم النجاحات الدراسية والأعراس والشواطئ وتبادل الزيارات وحضور المهرجانات، والتفكير في شراء خروف العيد ومتابعة ما بقي من فعاليات كأس أمم إفريقيا؟

أعتقد أنه من حق التونسيين الذين انتابهم الملل والضجر من الحديث في الشأن السياسي ومن الصراعات الصبيانية في حلبات مجلس النواب، وفي ساحات الوغى التلفزية، وحتى في المقاهي، أن يتـخذوا لأنفسهم استراحة محارب لمدة شهرين ينأون فيه بأنفسهم عن القيل والقال وكثرة التهارج والسؤال، وعن المكائد والدسائس، قبل أن يجدوا أنفسهم مباشرة إثر الفراغ من انشغالات العودة المدرسية وجها لوجه مع الحملة الانتخابية التشريعية التي تنطلق يوم 14 سبتمبر القادم.

من ناحية أخرى أصدرت الهيئة الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين مساء الاثنين 8 جويلية 2019 بلاغا تفيد فيه بأنها قررت قبول الطعن في دستورية مشروع القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2018 المتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 والمتعلق بالانتخابات والاستفتاء، شكلا، ورفضه أصلا مما يعني أنه تم إقرار عتبة 3 % وقطع الطريق أمام كل من نبيل القروي (قلب تونس) وألفة التراس (عيش تونسي) للمشاركة في الاستحقاق الانتخابي القادم لشبهات تحوم حول طبيعة نشاط كل منهما ومصادر تمويلهما واعتمادهما أساليب التحايل والإيهام لتضليل المواطنين والتغرير بهم بغاية الحصول على أصواتهم في الانتخابات.

 

(3)

في ظل هذه التحولات السريعة المتزامنة مع قرب انطلاق مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية تجعلنا نتوقع تشكل المشهد السياسي في أفق سنة 2020  بملامح تختلف في تفاصيلها عن ملامح انتخابات 2014، إذ ستكون النهضة في المرتبة الأولى بتمثيلية تقارب تمثيليتها في الانتخابات الفارطة في حين سينقسم عدد المقاعد التي حصدها النداء سابقا بينه وبين حزب الشاهد وبين حزب عبير وبين حزب البديل والمشروع ، يليهم التيار الديمقراطي والحرك فالجبهة الشعبية التي سيكون لانقسامها وتشتتها بالغ الأثر، فحزب تونس إلى الأمام وحركة الشعب.

وبهذا التشكل البانورامي المشتت، وهذا الخليط الكيميائي غير المتجانس، سيكون تشكيل منظومة الحكم في أفق سنة 2020 من الصعوبة بمكان، إذ ستجد الأحزاب “الكبرى” نفسها غير قادرة على حصد أغلبية 109 صوتا لتمرير حكوماتها إلا بالتحالف مع أربعة أو خمسة أحزاب، وهي تحالفات ستكون هشة وظرفية سرعان ما تنفك أواصرها في أول اختبار جدي وما أكثر الاختبارات في بلادنا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق