الافتتاحية

بعد دعوة الرئيس للناخبين..
تونس تدخل فعليا الزمن الانتخابي

– محمد الحمروني –

أمضى رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يوم الجمعة الماضي 05 جويلية 2019 الأمر الرئاسي المتعلّق بدعوة الناخبين للانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستجرى في 6 أكتوبر و17 نوفمبر لسنة 2019، وبذلك يحسم أمر الاستحقاق الانتخابي وتدحض كل مساعي تأجيله، ويدخل المجتمع السياسي والحزبي فعليّا في الزمن الانتخابي..

هذه الانتخابات تأتي في ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي دقيق وصعب ومتقلب، تعيش فيه بلادنا الكثير من العثرات والمطبات، تعيش حالة شبه انسداد على مستوى العلاقة بين الدولة وبعض النقابات وبين مختلف الكتل داخل المجلس النيابي وبين المواطن ومؤسسة الحكم، وأحيانا بين أعضاء الحزب الواحد..

تأتي هذه الانتخابات في وقت يتعرّض فيه التونسي إلى عمليّة هرسلة ممنهجة لمعنوياته ولوعيه الثوري تعتمد أساسا على آلية صناعة الخوف، وبدل أن ينشغل بإنجاح المرحلة الانتقالية والشروع في التأسيس الحقيقي لمسار ديمقراطي وتنموي يقع فريسة تصريحات سياسية من هنا وهناك، اعتمدت على بعض المنابر الإعلامية المأجورة التي انخرطت في حياكة سيناريوهات الهدم والفتنة والإثارة والترهيب والتي قادت حملات إعلامية سوداوية عمّقت لديه شعور الخوف والرهاب من المستقبل، وجعلته تائها بين خطاب التجويع والتفقير الذي يبشرون به، غارقا في سلسلة من المخاوف التي نفذت إلى أعماقه واستقرّت فأصبح كلّ حديثه منصّبا على التوجّس من المستقبل والرعب ممّا سيحمله له من مآسٍ، فبات يخاف من كل شيء ومن أي شيء بقطع النظر عن مصدره، أو مدى قربه منه، الخوف من الكوارث البيئية، الخوف من الأوبئة، الخوف من الفقر ومن تردي الوضع الاقتصادي، الخوف من الإرهاب، الخوف من الاستبداد والقمع وسلب الحريّات، الخوف من الانتقام والتصفية الإيديولوجية… خوف تحوّل من كونه مجرد شعور فردي يشعر به حيال بعض المثيرات في محيطه الاجتماعي إلى حالة عامة تضرب في عمق المجتمع وفي مساحات واسعة منه لتفقده القدرة على الفهم أو إرادة الفعل وتسبّب له أحيانا العطالة وقلة الفاعلية والسلبية أو الاستسلام التام..

تأتي هذه الانتخابات أيضا في ظرف تسود فيه الشعبوية ويرتفع منسوب العنف اللفظي في الساحة السياسية ليصبح الصراع فيها بين أعداء يتبادلون الاتهام بالخيانة والفساد لا متنافسين حول أفكار وبرامج.. والأقوى هو الأطول لسانا والأقدر على ترديد الأراجيف ونشر الشائعات ورجم الخصوم بالكذب والبهتان وإسكاتهم.

من أجل كل ذلك يجب على الأحزاب المعنية اليوم بالزمن الانتخابي باعتباره حدث وطني مهم وباعتبار أن نجاح الانتخابات يتطلّب نجاح النخب السياسية والأحزاب والدولة والحكومة، تقديم رسائل طمأنة للتونسيين في مقاومة الفساد وغلاء الأسعار وفي توعية التونسيين بأن بلادنا تسير في الطريق الصحيحة وأن الأمل لازال قائما لتحقيق أهداف الثورة.

إن الزمن الانتخابي يجب أن لا يعني بالنسبة للأحزاب الناضجة والواعية مجرّد حسابات سياسوية ومصالح ضيّقة وصراعات وتدافع بالأيدي والمناكب من أجل المواقع، فالزمن الانتخابي يجب أن يكون باب أمل جديد للتونسيين، أمل بأنّ هناك عملية انتخابية قادمة قريبا وأن هذه الانتخابات ستسير بتونس نحو تحقيق المزيد ممّا تحقّق من إنجازات ومكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية وتحريك ما تعطل واصلاح ما فسد..

إن النخبة السياسية اليوم عليها أن تثبت للجميع أن تونس للجميع على اختلافاتهم وانّ دورهم يكمن في الاقبال على الانتخابات ليعبّروا عن إرادتهم ويختاروا الأقرب إليهم ومن يعبّر عن طموحاتهم ومشاغلهم والأكثر وفاء لمبادئهم وقيمهم حتى تنجح العملية الانتخابية. يجب أن يدحض الساسة فكرة أنّ الانتخابات في معركة شرسة لا أخلاقية يضرب بعضهم بعضا بالكراسي من أجل الظفر بمقعد..

هذه الانتخابات يجب أن تكون فرصة للأحزاب لتثبت جاهزيتها ووضوح رؤيتها ومشاريعها المستقبلية، باعتباره أن هذه الانتخابات امتحان لنيل ثقة الناس في الأشخاص والقائمات والأحزاب وباعتبارها كذلك امتحان للعمليّة الديمقراطية في بلادنا وباعتبارها أيضا امتحان للناخبين لمدى قناعتهم من جدوى هذه المشاريع والبرامج الحزبية وباعتبارها مدخل لتحقيق مطالبه.. فإذا يئس التونسيون من قدرة هذه الانتخابات على حمايتهم من الإرهاب والفساد والفاسدين وغلاء الأسعار والمضاربين والبطالة وتحمي حقهم في العلاج والسكن والعمل، فتصبح العملية الانتخابية بالنسبة لهم لا شيء كالسراب لا يشفي عطشا. لذا على الأحزاب أن تبثّ رسالة إيجابية للتونسيين، وخاصة للشباب الذي كانت مشاركته في الانتخابات السابقة ضعيفة، وتقنعهم أنه لا سبيل لتغيير أوضاعهم الاجتماعية وتغيير حياتهم وتحقيق حاجياتهم ومطالبهم إلا بالعملية الديمقراطية التي عمقها وجوهرها هي العمليّة الانتخابية..

ومن جانب آخر، على المواطن الضحية أيضا أنّ يعقل جيّدا أنّ الحل لكل هذه المعاناة وهذه الفوضى وهذه المطبات والتعثرات وهذه المخاوف التي تسكنه لن يكون غير انجاح المسار الانتخابي وجعله عرسا ديمقراطيّا حقيقيّا من شأنه أن يصحح المسار ويعيد بوصلة استحقاقات الثورة ويضع نقطة النهاية لكل هذه المآسي، ويعطي شارة البداية لمسار تصحيحي رائد..

على المواطن الذي يخشى اليوم غلبة حزب وهيمنته، ويخوف بسيناريوهات انقلابية دموية شبيهة بما حدث في 1989 في حال فوز طرف سياسي بعينه بأغلبية مطلقة في الانتخابات، البلدية أن يطمئنّ إلى أن هذه الانتخابات لن تفرز أغلبية مطلقة، أولا لأن القانون الانتخابي لا يسمح بذلك، وثانيا لأنّ كل استطلاعات الرأي أكّدت أن لا أحد من الأحزاب يحظى بأغلبية مطلقة، وثالثا وهو الأهم حتى لو فرضنا جدلا حصول أي حزب كحزب حركة النهضة مثلا على أغلبية فيكفي فقط أن يُذكّروا أنفسهم، أنّ حركة النهضة التي تنازلت عن حقها في الحكم في 2013 طوعا، وعن تمثيلية في الحكومة تتناسق مع حجمها في البرلمان حتى لما باتت تمثل الكتلة الأكبر، تلطفت دائما بالتجربة الديمقراطية ولم تقبل يوما أن تكون مهيمنة أو مسيطرة على المشهد السياسي ولن تدخل في مغامرات اقصاء واجتثاث خصوم سياسيين كما فعل البعض وكما يمني البعض الأخر نفسه أن يفعل…

وإذا فإنّ على كل مواطن يتمتع بحق الانتخاب أن يدرك جيّدا أن عدم مشاركته في هذا الاستحقاق الانتخابي، وعدم إنجاحه لهذه المحطة المفصليّة في تاريخ تونس لن يكون إلا نوعا من أنواع العقاب الجماعي لشعب بأكمله.

الوسوم
اظهر المزيد
إغلاق